“قارب الموت” غارق مع الحقيقة في قعر بحر طرابلس.. متى ينتشل ضحاياه؟

أسرار شبارو – الحرة

بعد مرور شهرين على حادثة غرق قارب هجرة غير شرعي شمال لبنان، لا يزال البحر يبتلع في أعماقه ما يقارب الثلاثين جثة غالبيتها من نساء وأطفال، بعدما عجزت السلطات اللبنانية عن انتشالها نظراً لعمق المياه في مكان الكارثة.




في الثالث والعشرين من شهر أبريل الماضي كان موعد عاصمة لبنان الثانية طرابلس مع الفاجعة، وذلك بعدما أبحر قارب ضم ما يزيد عن 80 مهاجراً في محاولة للوصول إلى شواطئ ايطاليا، وقبل تحقيق الحلم انقلبت حياتهم إلى جحيم حيث اصطدم قاربهم بخافرة للجيش اللبناني كانت تلاحقهم.

وجه الركاب أصابع الاتهام إلى الجيش بأنه اصطدم عمداً بقاربهم متسبباً بغرقهم، في حين نفى الجيش ذلك مشدداً على أنه “عملنا على إيقاف القارب وإقناع قائده أنه معرض للغرق حيث كان محملاً بما يزيد عن 15 ضعفاً لحمولته المسموحة، لكن لم يقتنعوا وقد اتخذ قائد القارب القرار بتنفيذ مناورات للهروب من الخافرة بشكل أدى إلى ارتطامه بها”.

ألم أهالي الضحايا مضاعف، فهم لم يفقدوا أحبابهم فقط بل لم يتمكنوا حتى الآن من دفن جثامينهم التي علقت كما يرجح في الغرفة السفلية للقارب، لا سيما بعدما توقفت عمليات البحث لعدم توفر المعدات المطلوبة للوصول إلى العمق الذي استقر فيه، ليناشد الأهالي بعدها المجتمع الدولي طالبين مساعدته، وعندما لم يتلقوا جواباً تواصل مغتربون مع شركة هندية خاصة لاستقدام غواصة والقيام بالمهمة.

أخذ اللواء أشرف ريفي، على عاتقه متابعة وصول الغواصة إلى لبنان والتي من المقرر كما قال: “أن تنطلق من جزر الكناري في إسبانيا على أن تصل الشهر القادم” وأضاف في حديث لموقع “الحرة” “تكفلت منظمة إنسانية أسترالية لبنانية تدعى “Aus Relief” بجمع التكاليف من المغتربين، والتي تصل إلى 251 ألف يورو للغواصة فقط عدا باقي المصاريف”.

بين اليأس والترقب

خسرت عائلة الدندشي عشرة أشخاص في رحلة الموت، دفنت اثنين منهم، ليبقى لها ثماني جثث في المياه، وبعد أن كان بلال الدندشي “أبو ابراهيم” من أشد المطالبين بانتشال جثامين الضحايا لم يعد اليوم يولي الأمر الأهمية ذاتها، وبحسب ما قاله: “من استشهد لن يعود إلى الحياة، نحن نسلم أمرنا إلى الله، فإن وصلت الغواصة ونجحت في مهمتها نشكر من يقفون خلف ذلك على جهودهم، وإن لم يحصل ذلك فهذه إرادة الله”.

حالة اليأس التي وصل إليها أبو ابراهيم سببها دولة تركت ابناءها في قعر البحر من دون أن تحرك ساكناً وتعمل كل ما في وسعها لانتشال جثثهم، ووعود عدة تلقاها أهالي الضحايا بوصول غواصة قبل أن تطرق عراقيل تؤدي إلى تأخير موعد انطلاقها، ويقول أبو ابراهيم لموقع “الحرة”: “أولى العراقيل وضعتها المؤسسة العسكرية ثم الدولة اللبنانية ومن بعدها شركة الشحن التي تريد مؤسسة أو منظمة تضمن عملية نقل الغواصة، وكما علمتُ، قد يتم توكيل الصليب الأحمر الدولي بالإشراف على الموضوع”.

لكن مصدرا مسؤولا في مخابرات الجيش نفى أي عرقلة من قبل المؤسسة العسكرية لوصول الغواصة، متسائلاً: “لماذا سنعرقل انتشال الجثث؟”، وأكد في حديث لموقع “الحرة” “نحن بانتظار وصول الغواصة التي سيتم شحنها عبر باخرة، ونعمل على تأمين كل الأمور اللوجستية وسنقدم كل التسهيلات الممكنة لها، في وقت لا يزال التحقيق مستمراً مع المدنيين والعسكريين المعنيين بالقضية، ولا موقوفون حتى الساعة”.

من جانبه، أكد اللواء ريفي أن العراقيل إدارية وأنه “يجري حلحلتها من خلال متابعة الموضوع مع المعنيين وذلك كي تتمكن الغواصة من الوصول وإنجاز مهمتها”.

استقدام الغواصة بعمل فردي اعتبره المحامي محمد صبلوح، الذي يتابع القضية، دليلاً على أن “الدولة اللبنانية لا تحترم نفسها كون ذلك من مسؤوليتها، لكنها تخلت عن دورها، ما يشير إلى لا مبالاتها بلبنان وشعبه”.

وطالب المحامي بأن يتم تسيير كل الإجراءات للغواصة لكي تقوم بمهمتها، مشدداً على ضرورة التقاط صور للقارب وهو في قاع البحر من كل الجوانب قبل محاولة سحبه من المياه لمعرفة من أي جهة حصل الارتطام، وذلك “خشية من انكساره وتبدد الأدلة”.

ويشدد صبلوح على أن “طرّاد الجيش مزود بكاميرات يمكن أن تظهر كيف وقع الحادث، نتمنى أن يتم نشر مقاطع منها للرأي العام”.

بعدما خسر ربيع الجمل خمسة من أفراد عائلته، هم والدته هند وشقيقته ليليان وزوجته حنان مرعب وطفليه يوسف وريماس، كل ما يريده اليوم هو انتشال جثثهم من المياه، وأن تأخذ العدالة مجراها ويحاكم من كان السبب خلف الكابوس المرير الذي دمّر حياته.

“الوجع كبير جداً”، كما يقول ربيع لموقع “الحرة”: “فقدتُ أساس منزلنا أمي الحبيبة، وشقيقتي الوحيدة، ومن تعاهدت وإياها على إكمال الحياة سوية، إضافة إلى طفليّ، فأي كلام يمكنه وصف ما أعيشه كل لحظة، بعدما خسرت كل شيء! أصعب ما على الأرض أن يباعد الموت بينك وبين عزيز عليك، فكيف إذا كانوا خمسة دفعة واحدة!”.

منذ اللحظات الأولى لغرق القارب تابعت وحدة الإنقاذ في الدفاع المدني البحث مؤازرة الجيش اللبناني من خارج الموقع،  وبحسب ما شرحه رئيس الوحدة سمير يزبك: “في العادة عند غرق أي قارب يمكن أن تطفو الجثث على سطح الماء خلال 24 إلى 48 ساعة إذا لم يكن عمق المياه كبيراً، أي إذا كان نحو 40 متراً، لكن بما أن قارب طرابلس غرق على عمق يصل إلى 600 متراً فإنه من الاستحالة أن تطفو الجثث”.

وفيما إن كان بالإمكان العثور على جثث بعد مرور شهرين على تواجدها في المياه قال لموقع “الحرة”: “نعم كون درجة الحرارة على العمق الذي استقر فيه القارب تتراوح ما بين 6 إلى 7 درجات، إذ كلما ازداد العمق انخفضت درجة الحرارة، لكن ذلك لا يلغي تعرض الجثث للتحلل”.

المسار القانوني

بعد الحادث، كلف مجلس الوزراء اللبناني الجيش التحقيق في حادثة قارب الهجرة، وذلك خلال جلسة استثنائية ترأسها رئيس الجمهورية، ميشال عون، في قصر بعبدا، حيث أعلن وزير الإعلام، زياد مكاري، بعدها أن الحكومة قررت “الطلب من قيادة الجيش إجراء تحقيق شفاف حول ظروف وملابسات الحادث وذلك تحت إشراف القضاء المختص”، موضحاً أن القضاء العسكري سيتولى التحقيق.

كما كلفت الحكومة وزارتي الخارجية والدفاع التواصل مع الدول والجهات المعنية للمساعدة على “تعويم” المركب الغارق.

وفي محاولة لكشف الحقيقة، تطوع 11 محاميا لمتابعة القضية، كما عينت نقابة المحامين في طرابلس لجنة لذات الأمر، وبحسب ما يقوله صبلوح: “خطوتنا جاءت رداً على هذه الجريمة التي لا تغتفر، ولكشف من يقف خلفها فيما إن كان ضابط خفر السواحل أو سائق القارب أو أي من تظهره التحقيقات، فلا يجوز أن يفلت المجرم من العقاب سواء كان مدنياً أو عسكرياً”.

ويأسف صبلوح كون “التجارب السابقة في مثل هذه القضايا انتهت بتسويات” مشدداً على أن “هذا ما لن نقبله، نحن في دولة مؤسسات وقانون ومن غير المسموح أن تذهب دماء الضحايا هدراً، ولكي نضمن العقاب راسلنا منظمة “Mena Rights” للدفاع عن حقوق الإنسان ومركزها في جنيف، حيث تقدمنا بشكوى أمام المقرر الخاص بالمسؤولين عن الجرائم خارج أطر القانون، وذلك في رسالة إلى المسؤولين في لبنان أن هناك من يراقب مجريات التحقيق”.

ينتظر المحامون أن يرسل المقرر الخاص خلال أيام كتاباً إلى الحكومة اللبنانية للاستفسار عن مجريات التحقيق، وقال صبلوح: “بعد الخطوة التي قمنا بها، أي شكوك لدينا حول نزاهة التحقيق، يمكننا محاسبة المعنيين أمام النظام القضائي العالمي الخاص في أوروبا”.

بعد غرق القارب، اعتبرت كل من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة بأن هذه المأساة “تؤكد الحاجة إلى الدعم المستمر للبنان”.

وقال ممثل مفوضية اللاجئين في لبنان، أياكي إيتو: “يسلّط هذا الحادث المأساوي الضوء على المخاطر الصادمة التي يلجأ إليها الكثيرون بدافع اليأس. تحطم القوارب وغرقها، والوفيات المأساوية والمعاناة التي تسببها أمر يمكن تفاديه، وذلك من خلال حشد الدعم الدولي المستمر لمساعدة لبنان، خاصة مع تدهور الظروف المعيشية للاجئين واللبنانيين على حدّ سواء”.

وفي تغريدة على حسابها على تويتر، قالت يوانّا فرونِتسكا، المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان: “هذه المأساة هي بمثابة إشارة أخرى إلى الحاجة الملحة لإيجاد حلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمصاعب المعيشية في لبنان التي تدفع بالكثيرين إلى تعريض حياتهم للخطر أثناء محاولتهم الهروب عن طريق البحر”.

من جهته، صرّح رئيس المنظمة الدولية للهجرة في لبنان، ماتيو لوتشيانو، أن الأزمة الاقتصادية في لبنان تسببت بواحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخ البلد، وقال: “تدفع الظروف الاقتصادية اليائسة المتزايدة، بعدد متزايد من الأفراد في لبنان إلى المغادرة بطرق غير آمنة. هناك حاجة ماسة إلى بدائل آمنة وقانونية للهجرة غير النظامية، وإلى دعم سبل العيش وتحسين الوصول إلى الخدمات في المجتمعات المعرضة للخطر”.

وشهد لبنان، بحسب الأمم المتحدة، زيادة في عدد المغادرين بحراً منذ عام 2020، حيث حاول 38 قارباً على متنها أكثر من 1,500 راكب القيام بتلك الرحلات الخطرة، وتم اعتراض أو إعادة أكثر من 75 في المئة منها.

الحلم.. مستمر

أظهر مسح أجرته شبكة “الباروميتر العربي” في أبريل الماضي، أنّ “ما يقرب من نصف اللبنانيين يطمحون إلى الهجرة”، لهذا لم يحل غرق القارب دون استمرار مجازفة بعض ممن لم يجدوا في لبنان أبسط مقومات العيش، حيث لا كهرباء ولا ماء ولا استشفاء، فحتى شراء ربطة الخبز يفرض الوقوف في طوابير وكذلك حال المحروقات، في وقت أصبح الحصول على جواز سفر أمراً صعباً.

وبعد الحادثة تمكن عدد من المهاجرين عبر مراكب غير شرعية انطلقت من شمال لبنان الوصول إلى وجهتهم والتقاط مقاطع فيديو للحظة تحقيق حلمهم، كما أعلن الجيش اللبناني عن توقيف عدد من القوارب غير الشرعية وإعادتها إلى الشاطئ.

تتضارب المعلومات حول عدد ركاب القارب الذي غرق، وقد تحدثت الأمم المتحدة عن “84 شخصاً على الأقل من نساء ورجال وأطفال” غالبيتهم لبنانيون إضافة إلى فلسطينيين وسوريين، تمكن الجيش من إنقاذ 45 شخصاً بعد الحادثة، وانتشل ستة جثامين، ليبقى نحو 33 ضحية في أعماق المياه بانتظار من يصل إليها.

ومنذ شهر رمضا،ن لم يتم أخذ إفادات أحد من الناجين، فالتحقيق متوقف بحسب صبلوح “لذلك تقدمنا بشكوى أمام النيابة العامة التمييزية، مطالبين أن يحال الملف إلى جهاز أمني آخر غير الجيش، إذ من غير المقبول أن يحقق المتهم بالجريمة، كما من غير المقبول أن يحقق القضاء العسكري، نحن نريد خبراء مدنيين مستقلين يقدمون تقارير للوصول إلى العدالة، كما تقدمنا بكتاب إلى وزير العدل، هنري خوري، طالبنا من خلاله العمل على إصدار مرسوم من مجلس الوزراء بإحالة الملف إلى المجلس العدلي”.

ويشدد صبلوح على أن التحقيق يحمي البلد من خلال تنفيس احتقان أهالي الضحايا وأن يحول دون أي ردة فعل غير مدروسة، كما أنه يحفظ هيبة المؤسسة العسكرية ويكشف الحقيقة، ونحن نأمل بأن يفي قائد الجيش اللبناني، جوزيف عون، بوعده الذي قطعه للأهالي حين استقبلهم بأن التحقيق سيكون شفافاً.

وقبل أيام، حصل إطلاق نار كثيف في منطقة القبة شمال لبنان خلال اعتصام لأهالي الضحايا احتجاجاً على تأخر انتشال جثث ذويهم من البحر، عن ذلك علّق “أبو ابراهيم” بقوله: “كان هدفنا اإسال صوتنا إلى الدولة المتقاعسة التي تتصرف وكأن قضيتنا ليست من ضمن مسؤولياتها، كما أننا لسنا نحن من أطلق النار بل طابور خامس، وقد ردّ الجيش اللبناني بإطلاق النار في الهواء”.

لم يعد لدى أبو ابراهيم أي أمل بالدولة اللبنانية والمسؤولين الذين همّهم كما يقول: “الكرسي فقط، ولو أرادوا فعل شيء، لكنا لمسنا ذلك فيما يتعلق بقضية انفجار المرفأ”.