حرب لبنان 1982 بعد 40 عاماً: عندما دخلت الكاميرا إلى حلبة الصراع

ندى حطيط – القدس العربي

خرجت حكاية الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 من التداول العام على الجانبين العربي والإسرائيلي بشكل شبه كليّ.




ولم تُثر الذكرى الأربعون لاندلاعها التي تصادف هذا الشهر اهتمام كثيرين خارج دوائر الخبراء والمجلات العسكريّة المتخصصة، سوى ربما بعض المقالات والإشارات العابرة هنا وهناك، لا سيما لناحية الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون وحلفاؤهم. لكن الحقيقة أنّ تلك الحرب كانت مفصليّة في التاريخ السياسيّ والعسكريّ للمنطقة، ولم تغيّر فقط من الطريقة التي يذهب فيها الإسرائيليّون إليها منذ ذلك الحين، بل وشكلت أيضاً نقطة تطور دراماتيكي في تخطيط الاستراتيجيات العسكريّة أثارت وقتها الكثير من الانتباه بين الخبراء عبر العالم، وعملت جهات عديدة بناء على دروس مستخلصة منها على إعادة صياغة جزء كبير من طريقة إدارتها لحروبها المعاصرة.

اللافت أن هذين التغييرين – على صعيد العدو، وعلى الصعيد العالمي – ارتبطا بشكل أساس بدخول (الكاميرا) إلى قلب الصراع.

الكاميرا التلفزيونيّة التي تنقل تفاصيل الحرب أولاً بأوّل، وكاميرات «الدرونات» بنسختها الأوليّة التي قلبت المعركة بشكل دراماتيكيّ لمصلحة الجيش الإسرائيلي في مواجهته مع الجيش السوري في سهل البقاع اللبنانيّ.

الحرب ستنقل تلفزيونياً: إنها الفضيحة

عندما تتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية عن لبنان بصفة الماضي، فإنها تميل إلى إسقاط حرب لبنان الأولى 1982 مقابل التركيز على معالم أخرى بارزة جاءت بعد 1982: حرب لبنان الثانية عام 2006، والصراع الذي انتقل من الاشتباك مع السوريين والفلسطينيين إلى المواجهة مع المقاومة الإسلاميّة في الجنوب.

وعلى الرغم من الشعور بخيبة الأمل التي خلفتها وراءها، فإن حرب لبنان الأولى لم تدخل أبدا الوعي الإسرائيلي بنفس الدرجة التي دخلت بها حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 (أو حرب يوم الغفران كما تسميها مصادر العدو) وتذكر الآن – إن ذكرت -كمحطة طريق، محبطة ربما، في سلسلة من الحروب غير الحاسمة التي خاضتها إسرائيل مع جيرانها منذ الانتصار الكبير (في الوعي الإسرائيلي دائماً) أي حرب الأيّام الستة عام 1967.

بعد بداية الألفيّة، حاول بعض قدامى المحاربين الإسرائيليين استعادة حرب (سلام الجليل) – كما سميّت العمليّة العسكرية وقتها – عبر معالجتها فنياً ووثائقيّاً. قدّم المخرج آري فولمان فيلم «فالس مع بشير»، وأنجزت مجموعة منهم وثائقيّ «الجرح الأخضر – أو النيّ -» عن معركة قلعة الشقيف. لكن الاهتمام تضاءل بعد ذلك، وسقطت 1982 في لجة نسيان بين «الغفران» و»لبنان الثانية».

ومع ذلك، فقد كان تأثير حرب حزيران/يونيو 1982 في كثير من النواحي ملموساً. فهي الأولى التي أثارت جدلاً سياسياً حقيقياً في الداخل الإسرائيلي مع احتدام القتال. إذ جرت ولأول مرّة في تاريخ العالم ربّما على مرأى ومسمع من كاميرات التلفزيون. ولذلك ومن أيامها الأولى، تكشفت أكاذيب السياسيين على الجمهور الإسرائيلي حول حجم المعركة وأهدافها وتطوراتها وكشفت عن عيوب خطيرة في أساليب القيادة العليا لجيش (الدّفاع) – أو الهجوم بالأحرى – الإسرائيلي إذ كانت هناك فجوة واسعة بين الصور التي تعرض على التلفزيونات المحليّة عن الجهوزية العالية للقوات وواقع الحرب كما تنقله المحطات العالمية.

كما أنّ رد فعل العالم على مشاهد العدوان كان سلبياً بالنسبة للإسرائيليين العاديين وأضعف معنوياتهم وقلل من دعم كثيرين منهم للعملية العسكريّة.

وشاهد الإسرائيليون لأول مرة قسوة الحروب في المناطق المكتظة بالسكان المدنيين، مقارنة مثلاً بحرب الصحراء الفارغة في سيناء 1973، أو الجولة السياحيّة الأقرب إلى نصف مسرحيّة في حرب 1967.

ولا شك أنّ الآلاف من الجنود بعدها عادوا إلى حياتهم – إن نجوا – وهم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، ومعظمهم لم يتم تشخيصهم، ولم يكن ليجرؤ أغلبهم على فتح فمه في انتقاد ما جرى ووصف العبث الذي حدث، لكنّ كثيرين فقدوا إيمانهم دون شك في قدرة الكيان الإسرائيلي على الاستمرار في المنطقة العربيّة مطولاً اعتماداً على محض القوّة العسكريّة.
وحتى أرئيل شارون نفسه، وزير الدّفاع حينئذ، خلص إلى أن هناك حاجة إلى إجماع شعبي واسع النطاق حول أهداف الحرب قبل إطلاقها (وهو ما يفسر سبب انتظاره حوالي عام قبل الموافقة على عملية الدّرع «الواقي» للقضاء على الانتفاضة التالية).

ومن الجليّ أن الأمريكيين كانوا يتابعون ما يجري بدقّة، واستخلصوا العبر في حربهم بعد عقد ضد العراق 1991، عندما حرصوا على السيطرة الحديدية على ما تنقله وسائل الإعلام – وبخاصة كاميرات التلفزيون – عن مجريات الحرب كأداة حاسمة في إدارة معنويات الجماهير.

الكاميرا المقاتلة: ما قبل 1982 وما بعدها

الكاميرات الأخرى التي دخلت المعركة وغيّرت من تلك الحرب كانت الدرونات – أو الطائرات بدون طيار -. استخدم سلاح الجو الإسرائيلي الطائرات بدون طيار لأول مرة على نطاق واسع في حرب (يوم الغفران)، لكنها كانت حينئذ أمريكيّة الصنع واستخدمت في وقت متأخر نسبياً كخداع لسحب نيران المضادات بعيدا عن طائراتها النفاثة، خاصة على جبهة سيناء المصريّة.
ويبدو أن تلك التجربة أقنعت الجيش الإسرائيلي بأن الطائرات بدون طيار يمكن أن تكون أدوات فعالة في ساحة المعركة.

طورت إسرائيل بعد ذلك نماذجها المحليّة، وفي أواخر السبعينيّات، أرسلت جيلها الأول من الدرونات – البدائيّة بمقاييس اليوم – وكانت تحمل كاميرات فيديو، وربما معدات للكشف بالأشعة تحت الحمراء جنبا إلى جنب مع طائرات الاستطلاع، لتراقب بشكل روتيني القوات السورية في لبنان، فجمعت معلومات قيمة عن مواقع بطاريات سام وتوقيعاتها الإلكترونية.

ومع بدء الأعمال العدائية في 1982، لعبت الدرونات بدون طيار دورا بارزا في تمكين الطائرات الإسرائيلية من التدمير الساحق لشبكة الدفاع الجوي السوري التي كانت متمركزة حينها في البقاع.

كما كان لها عدّة أدوار هامّة في سير المعركة، فساعدت على كشف مواقع الرادارات السوريّة ومن ثم استهدافها بالقذائف الأمريكيّة الموجهة بدقة عبر الفيديو، مما سهل مهمة اصطياد بطاريات الصواريخ تالياً بالطائرات والمدفعية والقنابل العنقودية.

وقد تكون إحدى بطاريات سام قد تم إخراجها بالفعل بواسطة طائرة بدون طيار مزودة برأس حربي، لكنّ الاستخدام الرئيسيّ للدرونات كان لاحقاً للمراقبة في الوقت الفعلي ومتابعة وضع الأهداف أثناء المعركة، وكذلك لتقييم الأضرار بعد المعركة.

وشاركت تلك الطائرات أيضا في توفير مراقبة مستمرة في الوقت الحقيقي لقواعد القوات الجوية السورية، وتنبيه مراقبي المعارك الجوية في الجانب الإسرائيلي إلى إقلاعها على نحو ساعد توفير إحداثيات اعتراض مثالية، ساهمت في تلك النتيجة غير المتوازنة من المعارك الجوية لمصلحة الطائرات الإسرائيلية.

وبالطبع، ساندت تلك الطائرات أيضا الحملة البرية للجيش الإسرائيلي بنقلها عبر الفيديو لمعلومات استخبارية ثمينة عن موقع وحركة الوحدات السورية والفلسطينية.

ومن الواضح أن هذه البيانات ساعدت العدو في تخطيط وتنفيذ العمليات بشكل فاعل ومؤثر، وفتح عيون جيوش العالم على مستوى مختلف تماماً في التعاون بين الجو والبر في ساحة المعركة.

إنجازات قوة الطائرات بدون طيار في حرب لبنان 1982، وفرت الحافز لتوسع الدولة العبرية وكثير من الجيوش الكبرى لاستثمار مكثّف في إنتاج درونات أكثر تطوراً وتخصصا على مدى العقود التالية، لتصبح اليوم جزءً لا يتجزأ من المجهود الحربي في كل المعارك الجارية حول الكوكب.

إذن لم تكن حرب لبنان 1982 بتلك التي تستحق النسيان أو المعاملة السيئة التي تتلقاها من الإعلام. لقد كانت بكاميراتها على الأرض وفي السماء، نقطة فاصلة تعلّم منها الإسرائيليون والعالم دروساً ثمينة. وينبغي لنا – في العالم العربيّ – أن نستمر في مراجعتها والبناء عليها، لا سيما لناحية مهمة الكاميرا – الصورة في المعركة.