أيّ دور لبناني لباريس بعد خيبة ماكرون وتغيّر الأولويات؟

سابين عويس – النهار

لم تدم “فرحة” الرئيس الفرنسي #إيمانويل ماكرون بفوزه في الانتخابات الرئاسية قبل بضعة أسابيع طويلاً حتى جاءت نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية لتخيٓب آماله وتقضي على طموحاته في تحقيق برنامجه الرئاسي، والاستمرار في سياساته الداخلية والخارجية على ما كانت عليه خلال ولايته الرئاسية الاولى.




لن تكون الولاية الرئاسية الثانية سهلة على ماكرون الذي بات في موقع صعب، بعدما فقد تحالفه السياسي السيطرة على الغالبية النيابية المطلقة المطلوبة. الامر الذي سيجعل الرئيس المنتخب حديثاً لولاية جديدة في مواجهة شرسة وقاسية مع خصومه، ستدفعه الى اعادة خلط اوراقه، بحثاً عن تحالفات جديدة تؤمن له الغالبية المطلقة التي يحتاجها بشدة للمضي في برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. هذا الواقع ينسحب كذلك على حكومته التي ستواجه بدورها استحقاقاً مفصلياً في الخامس من تموز المقبل، موعد مثولها امام البرلمان الجديد، وهي قد تلقت ضربة بخسارتها ثلاثة مقاعد وزارية تعود الى وزيرات خسرن السباق الى الندوة البرلمانية.

ومن اليوم وحتى الخامس من الشهر المقبل، سيتعين على ماكرون تركيز جهوده على تأمين التحالفات التي تضمن له الغالبية، قبل ان يتبلور مصير حكومته، وما اذا كانت ستخضع الى تعديل جزئي او تخسر ثقة البرلمان في ظل معارضة ائتلاف اليسار الفائز لها، ما يمكن ان يبلور بدوره خارطة طريق عمل هذه الحكومة وسياساتها الداخلية والخارجية على السواء. علماً انه لا يمكن اغفال المفاعل المستجدة للفرز الجديد للتكتلات البرلمانية المنبثقة عن الانتخابات التشريعية، والتي سيكون لها الكلمة الفصل في هذه السياسات. وقد بات واضحاً من نتائج الفرز وتصويت الفرنسيين ان الاولوية ستكون في المرحلة المقبلة للملفات الداخلية في ظل المخاوف من تراجع اقتصادي مرتقب وتأثيره على الداخل الفرنسي.

وسط تخربط الاجندة الرئاسية الفرنسية، تبرز تساؤلات #لبنانية حول مدى التأثير الذي سيطال الملف اللبناني على طاولة الاليزيه انطلاقاً من العلاقة الجيدة التي أرساها ماكرون حيال لبنان، وان هو عجز عن إنجاح مبادرته، الا انه ظل حتى بعد فوزه بالولاية الرئاسية الثانية، متمسكاً بموقفه ومصراً على استمرار باريس في تقديم الدعم، وآخر مبادراته في هذا المجال تجلت في انشاء الصندوق للمساعدات الانسانية مع المملكة العربية السعودية، فضلاً عن الدور البارز الذي يضطلع به ماكرون شخصياً على صعيد الاستحقاقات الداهمة، وفي مقدمها اليوم تكليف رئيس حكومة جديد، وصولاً الى الاستحقاق الرئاسي.

فهل ان الرئيس الفرنسي في وارد اعادة النظر في سياسته حيال لبنان، من منطلق اعادة النظر بأولوياته، مع تقدم الملف الداخلي على ما عداه، علماً انه لا بد من الإشارة الى ان أولويات السياسة الخارجية تبدلت هي ايضاً انطلاقاً من تقدم ملفات وازمات مستجدة على ما عداها، مثل الأزمة الاوكرانية او الأزمة مع مالي او مع ليبيا. والواقع ان ازمة أوكرانيا شكلت اولوية مطلقة تجلت مع قيام وزيرة الخارجية الفرنسية الجديدة كاترين كولونا بأول زيارة خارجية لها غداة تعيينها قبل شهر، الى كييف.

الثابت ان ماكرون لن يكون قادراً بعد اليوم على التفرغ للملف اللبناني كما فعل بعد انفجار مرفأ بيروت، ولكن هذا لا يعني انه سيسقط هذا الملف من حساباته، من منطلق المصلحة الفرنسية سياسياً واقتصادياً في الحفاظ على هامش واسع من التحرك والنفوذ. وليس خافياً التحرك الدائم والناشط للسفيرة الفرنسية آن غريو الذي يؤكد الحرص الفرنسي على الاستمرار في تقديم الدعم للبنان. وكان لها أمس موقف مهم عكست فيه موقف بلادها وذلك غداة لقائها الممثل المقيم الجديد لصندوق النقد الدولي فريديريكو ليما، حيث ذكرٓت بأن بلادها ستواصل حشد كل طاقاتها من اجل الحرص على احترام الاستحقاقات التي نص عليها الاتفاق مع الصندوق، حول اعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوحيد أسعار الصرف والتصويت البرلماني على الخطوات المسبقة المتصلة بمشاريع قوانين الكابيتول كونترول وموازنة ٢٠٢٢ ورفع السرية المصرفية واعادة هيكلة القطاع المصرفي.

لكن المشكلة في رأي بعض المراقبين ان يد ماكرون لن تكون مطلقة في السياسة الخارجية في ظل الأكثريات المبعثرة في الجمعية الوطنية، والتي للمفارقة تبدو انعكاساً لما هي عليه الحال في البرلمان اللبناني.

عامل آخر قد لا يكون مساعداً في المرحلة الراهنة ان وزيرة الخارجية الجديدة تختلف عن سلفها جان ايف لودريان لجهة المتابعة الحثيثة للملف اللبناني والاضطلاع بكل تفاصيله، وقد كان للودريان قبيل مغادرته منصبه مواقف شديدة اللهجة حيال السلطة في لبنان، لم يتسن بعد للوزيرة الجديدة ان تعلن أي موقف حيال لبنان يعكس ماستكون عليه الديبلوماسية الفرنسية، علماً ان بقاء كولونا في منصبها لا يزال مرتبطاً بمصير الحكومة الفرنسية الجديدة ككل.