رامي الريس

الإنكار السياسي ومفاعيله الكارثية! – رامي الرّيس – نداء الوطن

تعتبر حالة الإنكار السياسي من أكثر الحالات خطورة على البلدان لما تنطوي عليه من رفض للإقرار بالواقع والعمل على إصلاحه، ولما تعكسه من إنفصال عن الحقيقة لدى الجهات القائمة على الشأن العام والتي من المفترض أن تتحلى بالواقعيّة والمسؤوليّة والترفع والمعرفة وما إلى ذلك من صفات تشكل الحد الأدنى من صفات رجال الدولة.

في لبنان، ينقسم المسؤولون إلى قسمين: الأول يعرف حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون ولا يكترث لأن همّه الأساسي يتركز على تأمين مصالحه الخاصة والفئويّة؛ والثاني هو الذي يعيش حالة «هذيان» سياسي- إذا صح التعبير- ويقيم في عالمٍ آخر يجعله يستسهل إطلاق المواقف التي تراعي الحد الأدنى من إدراك الوقائع الميدانيّة على الأرض. وفي كلتا الحالتين، يدفع اللبنانيون ثمن تعجرف القسم الأول وبلاهة القسم الثاني، وهذا يفسّر- ولو بشكل مبسّط- بعض أسباب الأزمات المتلاحقة التي تستولد نفسها كل يوم في هذه البلاد التي لم تعد الإقامة فيها تُحتمل بسبب غياب الاستقرار والطمأنينة، وطبعاً وبسبب الإنهيار الإقتصادي والمالي والنقدي وفقدان العملة الوطنيّة لقيمتها بشكل دراماتيكي غير مسبوق. أن يستشهد أحد الوزراء، على سبيل المثال، بحادثة عرضيّة وقعت في أحد مطارات أوروبا لينطلق منها معتبراً أن الوضع اللبناني أفضل بكثير، ففي ذلك الكثير من الاستخفاف بعقول اللبنانيين الذين يعانون الأمرين في معيشتهم اليوميّة التي لن تمحوها تغريدة سطحيّة من هنا أو موقف فولكلوري من هناك. الأزمة أعمق بكثير مما يدرك بعض المسؤولين. إنها أزمة بنيويّة وهيكليّة باتت تطال كل مفاصل المجتمع اللبناني وهي تتطلب مقارباتٍ ومكاشفاتٍ أكثر شموليّة بعيداً عن الحركات الإعلاميّة أو الإستعراضيّة. الأزمة تتطلبُ قبل كل شيء إستنفاراً أخلاقيّاً. نعم، إن تدني المستوى الأخلاقي في العمل السياسي في لبنان هو أحد أبرز مسببات الحالة التي وصلنا إليها والتي لا يبدو أن الخروج منها سيكون قريباً أو متاحاً طالما أن الذهنيّات التي تملك ناصية القرار بعيدة عن الحد الأدنى من التحديات التي تفرضها المرحلة.




لقد إتخذت الأزمة اللبنانيّة الراهنة العديد من الإعتبارات المركبة التي تجعل معالجتها تتطلب إجراءاتٍ من نوع آخر. ولا تشير كل السلوكيّات السياسيّة التي عاشها اللبنانيون، قبل وبعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة، بأن ثمّة تحولات جوهريّة سوف تطرأ على الوضع العام، وهذا يُعرّض البلاد ومستقبلها ومستقبل أجيالها إلى المزيد من الظلاميّة والتدهور. في كل الدول المتحضرة، ولبنان كان أحدها رغم كل عثراته السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة، تشكل الاستحقاقات الإنتخابيّة منعطفاً مهماً لإعادة تكوين السلطة، وبالتالي لإعتماد سياساتٍ جديدة عند إنجاز تلك الاستحقاقات الوطنيّة تُطلق التغيير المنشود وتضعه على السكة المطلوبة لخدمة المجتمع وتحسين واقعه على مختلف المسارات. إنما في لبنان، دائماً ثمّة شكوك تحوم حول الإستحقاقات الدستوريّة وإحترام أصولها ومواعيد حصولها. لقد بقي التشكيك بإجراء الإنتخابات النيابيّة قائماً إلى ما قبل تنظيمها بيوم واحد. كما أن الشكوك تتزايد اليوم حول إجراء الإنتخابات الرئاسيّة في موعدها مع ما يرافق ذلك عادة من مخاوف إستيلاد «فتاوى» دستوريّة للتسلل من خلالها نحو نظريّة عدم مغادرة رئيس الجمهوريّة لمنصبه لحظة إنتهاء ولايته المحددة دستوريّاً بسنواتٍ ست غير قابلة للتجديد أو التمديد. طبعاً، كل المرّات السابقة التي عُدّل فيها الدستور لمصلحة شخص بعينه كانت تعكس عقم النظام السياسي وقلة إحترامه للدستور.

المهم الآن، كلما خرج المسؤولون من حالة الإنكار السياسي بشكل أسرع، كلما وفروا على المواطنين نظريّات تافهة لا قيمة لها!