الدكتور داود الصايغ

أي برنامج مشترك بين الضجيج والتغيير – داود الصايغ – النهار

ليس في لبنان ضجّة تشبه تلك التي تحدّث عنها أبو العلاء المعرّي عن #اللاذقية حين قال “في اللاذقية ضجّة ما بين أحمدَ والمسيح”. فهذا موضوع وَجَدَ له اللبنانيون حلاً منذ زمنٍ بعيد حين ساروا في تجربة كان من معالمها الساطعة والمُضيئة ارتفاع الأجراس إلى جانب المآذن.

لعلّه ضجيجٌ أقرب إلى ما كان شارل ديغول يقوله عن بلاده “كيف يمكن لفرنسا أن تُحكم وفيها ثلاثماية وخمسة وستون نوعاً من الجبنة”، في إشارة منه ليس إلى التنوّع والتعدد – وهو غنًى بحد ذاته – بل إلى كثرة تضارب الآراء والأفكار والتوجهات في ذلك البلد العريق الذي رفدَ الحضارة العالمية بعصور النور وبتعاليم ثورة عام ١٧٨٩ التي رُسّخت كإحدى المحطات العالمية الفاصلة. لأن من يُتابع أخبار الفرنسيين عن كثب يجدهم ميّالين باستمرار إلى التذمّر وانتقاد السلطات والمطالبة بالمزيد. دائماً بالمزيد. لعلّهم أسعد شعوب العالم دون أن يدروا.




وعلى كلٍّ ليس هذا ما ورثـناه عن فرنسا التي أورثـتـنا أفضل كلّ ما عندنا اليوم من مؤسـسات وتراث ثـقافي. فالتنوع البشري عندنا كان منّا وفينا منذ البدء، وهو سبب وجودنا وليس هو سبب مشاكلنا. فالموضوع هو في مكانٍ آخر أشار إليه العالم كلّه بدون استثـناء، العالم المهتمّ بنا، بات معروفاً. وهو تعدد الرؤوس والقيادات وتضارب أو تلاقي المصالح الخاصة التي لا تزال سمة العمل السياسي حتى الساعة، بعيداً عن المصلحة الوطنية، وحتى بعد الانتخابات الأخيرة كما شاهدنا في تسويات انتخابات المجلس النيابي.

ولكن العالم المتحضر انتقل من الدماء إلى الكلام. وأَخضَعَ كلمة الفصل لما صار يُعرف بصندوقة الاقتراع التي خَبرها اللبنانيون منذ عام ١٨٦٨ قبل غيرهم في مجتمعات الشرق قبل أن ينتقل بعدها إلى أنظمة الاستبداد إثر انحسار عهود الاستعمار.

في لبنان اليوم ضجيج. منه نابع من ذاته ومنه مما هو حوله، في الشرق المتغيّر. إذ لا يزال الشرق بلاد المتغيّرات ولبنان فيه. لعلّه في بعض الزمان وخاصة في ستينات القرن الماضي اختصر حيويّة الشرق كلّه، عبر صحافته بالذات التي عكّرت صفوة أنظمة الفرد الواحد أكان على عرش موروث أم على كرسي مُستحدث. فأجمع زعماء العرب كلّهم على التذمّر من الصحافة اللبنانية فكان ما عُرف “بقانون الملوك والرؤساء” الذي حظّر التعرّض للرؤساء والملوك العرب بعدما كان معظم الصحافة اللبنانية آنذاك بكلّ أسف، ينطق باسم الأنظمة العربية المتصارعة فيما بينها والمتصارعة في لبنان بواسطة صحافته. وذلك قبل أن تُستبدل الأقلام بالمدافع في بدايات حروب ١٩٧٥. والتي لم يتسنَّ بعد للجيل الذي وُلد معها وحتى الآن التعرّف على أي وجهٍ من وجوه لبنان الأمس.

ماذا بعد؟

سؤالٌ يطرحه الجميع بعد انتخابات ١٥ أيار الماضية. لأن هذا “البعد” هو كل السؤال. سؤال الأوطان الباحثة عن غدٍ أفضل. ماذا بعد تلك الانتخابات التي كان فضلها بالرغم من القانون المشوّه الذي وضعه من خَطَطَ لحصد أكبر عددٍ من النواب، فلم تُطابق النتيجة حساباتهم إطلاقاً بل وجدوا أنفسهم شديدي الضياع لا يملك بعضهم سوى الانزواء والمقاطعة والشتيمة، بدون أي مقترحات لإعادة تحسين أسـس مجتمعٍ نشأَ تاريخياً على التنوّع في جميع مناطقه، فإذ بالذين تصارعوا على الانتخابات يُسهمون في تبعثر القوى. فما من قوة حزبية تتحدث أو تتحاور مع الأخرى، وإذ بمجلس النواب الجديد مكوّن من مساكنة بالإكراه لقوى متنافرة، بدل أن يكون مقرّاً للحوار الدائم على نحو ما كان يصف الرئيس شارل حلو مجلس النواب اللبناني، أو أقلّه مقرّا لتحالفاتٍ توصل إلى برنامج مشترك وفقاً لما طرحه وليد جنبلاط. والتاريخ يذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران حتى يفوز بالانتخابات الرئاسية عام ١٩٨١ أجرى تحالفاً مع الحزب الشيوعي يومذاك اسمه “البرنامج المشترك” سمح له بالوصول، فألّف أوّل حكومة ضمّت شيوعيين، ما لبث أن تخلّص منهم في أول تعديلٍ حكومي. لأن فرانسوا ميتران كما كتب مؤخراً كلّ من الفيلسوف ادغار مورين في مذكراته والصحافي الراحل جان دانيال الذي توفي السنة الماضية في مذكراته أيضاً لم يكن لا اشتراكياً ولا حتى يسارياً. بل إنه كان سياسياً واقعياً عرف كيف يستخدم الحزب الاشتراكي الذي أعاد تنظيمه لمواجهة أخصامه ففاز على أساس ما عُرف بـ”البرنامج المشترك”.

فأي برنامج مشترك يمكن أن ينضوي تحته فائزو اليوم، ومن سيكون المبادر إلى ذلك؟ من هي القوة ومن هو القيادي الذي سيدعو إلى صياغة ذلك البرنامج “الذي يتجاوز التناقضات لمواجهة جبهة ٨ آذار السورية الإيرانية” كما اقتراح وليد جنبلاط غداة الانتخابات والذي بإمكانه ربما وحده التحاور مع جميع من هم ضد ذلك المحور في الوقت الذي تبدو فيه جميع القوى أو الكتل الأخرى مفككة ومكتفية بحساباتها اللاحقة… في استحقاق الحكومة ورئاسة الجمهورية والحصص إيّاها.

فهل هنالك بعد انتخابات ١٥ أيار من يتمكن من الذهاب إلى العمق. هل هنالك من يتجاوز التوصيف والتشخيص لمختلف المحن التي يعيشها اللبنانيون حالياً، لكي يلوّح لهم بأملٍ مُستعاد. هل بمُستطاع الشاشات المتنافسة على الإثارة أن تتوقف لحظةً – في مقياس الزمان – عن بثّ أنباء الكوارث.

ولكن مرّة ثانية، ماذا بعد؟

كيف يحصل #التغيير؟ العالم كلّه طالبنا ويُطالب بالإصلاح. قالوها لنا بالنصائح في البدء ثمّ في المقاطعة وبفرض العزلة، وأيضاً في الانتقاد القاسي كما قال لنا الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في ٢٠ أيلول ٢٠٢٠ “أنا أخجل بالطبقة السياسية اللبنانية”. وعبثاً قُلنا ونقول إن الطبقة السياسية لا تمثّل لبنان، بالرغم من أن العالم يرانا من خلالها. وبالنتيجة ماذا يُمكن أن يتغيّر: المؤسـسات أم الأشخاص.

تغيير المؤسـسات ليس بعيداً عن مطالب البعض وأوّله الدعوات إلى مؤتمرٍ تأسيسي والعودة عن ميثاق ١٩٤٣ وعن اتفاق الطائف. وذلك للمزيد من الحصص. إنه موضوع شديد التعقيد مثله مثل المطالبات بإلغاء الطائفية مثلاً أو بما يَطرحه البعض بخصوص الزواج المدني. ولكن التغييريين جاؤوا. جاء من يمثلهم على الأقل. من بمستطاعه رفع الصوت وإجراء المحاسبة.

تجمّعت الاستحقاقات أمامنا دفعةً واحدة. من انتخاباتٍ نيابية جاءت بالجديد. هذا ما يجب أن يُسجَّل. ومن المُبكر بعد الحكم على نتائج هذا الجديد. إلى الموضوع الشائك في ترسيم الحدود البحرية الذي بدا، بعد الارتباكات العديدة التي رافقته، أنه سائرٌ نحو الطريق الوطني. إلى تأليف حكومةٍ جديدة بدا أن أصحاب المصالح أنفسهم بدأوا يربطونها بالاستحقاق الرئاسي القادم.

ولكن قبل هذا “البعد” هنالك ما هو أكثر إلحاحاً. أكثر إلحاحاً من صراع المحاور في لبنان. وهو التحرر من بثّ اليأس وإصرار بعض الوسائل في الإعلام والتواصل على توقّع الأسوأ دائماً. لماذا يا ترى؟ ماذا تريدون. ماذا يريد بعض دعاة اختصاص استراتيجية التبشير بالكوارث في نشر تصاريح وتوقعات كارثية دون أن يسألهم أحد عن معلوماتهم ومصادرهم. وأين المراجع الأمنية هنا للتحقيق في بثّ مثل هذه السموم.

التغيير بالأشخاص. نعم. بالأشخاص القادرين على اتخاذ القرارات، قرارات المصلحة الوطنية وحدها. إذ لا تغيير في لبنان إلا عبر الأشخاص ونوعية المسؤولين. لأن المؤسـسات قيمتها من قيمة من يديرها. فتعداد الصعوبات والمعاناة لا يفيد. الإنقاذ هو وحده المطلوب. وهو لا يحصل فجأة في الظروف الحاضرة حتى إذا كان هنالك منقذٌ أو منقذون غير معروفين. ولكن الجميع يعلم أن في نفس كلّ لبناني منقذٌا بذاته. هكذا كُتب منذ أجيالٍ وحتى اليوم.