نبيل بومنصف - النهار

“حكومة رئاسية”… آخر العنقود! – نبيل بومنصف – النهار

تعكس حالة اللايقين والتخبّط الواسعة التي تسود اتجاهات معظم القوى السياسية من الاستحقاق الحكومي بمرحلتيه التكليف والتأليف معالم تجربة مثيرة للقلق وإن كان الشامتون بالطاقم السياسي قاطبة تفرحهم رؤية الساسة جميعاً في حفرة الارتباك. مبعث القلق الذي يجب أن يعني اللبنانيين لا يتصل بكل ما تطلقه الكتل النيابية والأحزاب والساسة “المستقلون”، إن صحّ وجود مستقلين بكل المعايير الحقيقية، وإنما بما يستبطنه هذا التعثر الجماعي غير المألوف أبداً لدى جميع القوى في بلورة خيارات حاسمة من التكليف والتأليف ومن طبيعة برنامج المهمات الممكنة والملحّة لحكومة يُفترض أنها لن تعمّر سوى بالكاد ثلاثة أشهر إذا هبطت أعجوبة وتشكّلت في وقت قياسي. إنها في الواقع تجربة غير مسبوقة تقريباً أن تقف الكتل والقوى بهذا الارتباك والضعضعة وضرب الأخماس بالأسداس قبيل أيام ممّا يُفترض أنه الموعد الأخير والنهائي لاستشارات نيابية ملزمة يجريها الرئيس ميشال عون.

وإن كانت العوامل الموضوعية لنشوء هذا المشهد تتصل بالتشرذم الواسع في #مجلس النواب الذي أحدثته الانتخابات النيابية حيث صارت الكتلة الأكبر للنواب الموصوفين بالمستقلين ومن ضمنهم “نواب التغيير” فإن ما يتعيّن التدقيق فيه بإمعان في الأسباب الأساسية العلنية والمضمرة يتصل في واقع الأمر بأمرين جوهريين.




الأول وبمنتهى الوضوح أننا أمام معادلة: هل تجري القوى السياسية حساباتها وخياراتها على أساس حكومة انتقالية أخيرة قبل نهاية العهد العوني أم على خلفية مضمرة لتشكيل “حكومة رئاسية” تتولى السلطة في مرحلة فراغ رئاسي بعد العهد العوني؟ الحال أن معظم سلوكيات وحسابات ومعالم الخيارات المفتوحة للقوى والكتل “تفضح” الاتجاه الغالب للاحتمال الثاني أي “الحكومة الرئاسية”. وهذا الأمر يكشف، وهنا بيت القصيد الأخطر من كل شيء، أن القوى الداخلية بدأت الانخراط واقعياً في مزج الاستحقاق الحكومي بالاستحقاق الرئاسي وسط مؤشرات خارجية بالغة السلبية تتمثل في عدم وجود مكان لأي أولوية تتعلق بلبنان إلا من باب الإعانات الإنسانية والإغاثية! والفراغ الرئاسي الذي يثير دأب البطريرك الماروني في كل مواقفه وعظاته على التحذير منه والحض على انتخاب رئاسي مبكر مع بدء المهلة الدستورية ليس إلا استشعاراً بإمكان وقوف القوى الداخلية في موقف عاجز تماماً في نهاية تشرين الأول المقبل عن انتخاب خلف للرئيس عون يذكيه غياب دولي عن التدخل في منع المحور الداخلي – الإقليمي الحالم بوضع يده تكراراً على الرئاسة من تنفيذ غايته القاتلة.

أما الأمر الآخر في مسببات الارتباك الواسع أمام الاستحقاق الحكومي فيتصل من دون أدنى شك بالتداعيات العميقة المتدحرجة أكثر من أي وقت سابق لفراغ الساحة السنية من الزعامة الأكبر المتمثلة بالرئيس سعد الحريري. صار واضحاً أن الحريرية كانت القاطرة الكبرى التي سيمضي الكثير بعد من الوقت ودفع الأكلاف في محاولات سدّ فراغها ضمن اللعبة السياسية والنيابية والرئاسية. وهو أمر يصعب التنكر له مهما كانت المواقف من الحريرية. وها هي المصادفة تسقط حكم المحكمة الخاصة بلبنان على المتهمين الآخرين في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لحظة “توهّج” غير مسبوقة حيال تداعيات الغياب الكبير للحريري الابن عن الساحة. كان سيكون جيداً لو أن كل الساحات تشهد مخاض خلط الأوراق والزعامات والمواقع على أسس محض ديموقراطية و”مدنية” علمانية، أما والحال بعد الانتخابات تبدو أشد غموضاً وخطورة عما كانت قبلاً فلن يكون أمام اللبنانيين إلا النفخ على اللبن.