ضعف لبنان من قوة حزب الله: هزيمة الدولة والاقتصاد

منير الربيع – المدن

على خلاف حال الضعف والتشتت السنّي، نجح الثنائي الشيعي في إظهار قوة ووحدة في الموقف بعد تحصيله 27 مقعدًا نيابيًا من أصل 27. لكن قوّته هذه لا تخلو من ضعف وهشاشة، مصدرهما جملة معطيات تتعلق بمسائل استراتيجية، وأخرى تكتيكية.
قوة الثنائي الشيعي
القوة التي نجح حزب الله في تكريسها نجمت عن تسوية 2016، وهي الترجمة العملية للاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في العام 2015. عمليًا، سلّمت واشنطن بالنفوذ الإيراني في المنطقة، وتحديدًا في العراق وسوريا ولبنان. لذا نجح حزب الله في إيصال حليفه الاستراتيجي إلى رئاسة الجمهورية. وبناء على علاقته الجيدة بسعد الحريري، نجح الحزب إياه في تكريس حكومة يريدها، ولا تتعارض مع خياراته، بل تطابقها. وبذلك أمسك بمفاصل السلطات اللبنانية، طالما حليفه نبيه برّي يحتفظ بموقع رئيس مجلس النواب.

لكن هذه القوة لم تستمر، ولا حققت ما يطمح حزب الله إلى تحقيقه. فبعد سنوات قليلة على التسوية الرئاسية، وتسيّد حزب الله على الواقع اللبناني، نشأ ذاك الشرخ الكبير بين لبنان والمجتمعين العربي والدولي، وبلغت علاقته بدول الخليج أسوأ أيامها، بالتزامن مع شعارات التوجه شرقًا. والسياسة هذه أدت إلى ما وصل إليه لبنان حاليًا. وهذا ما يرى حزب الله أنه حصار أو عقوبات غير معلنة. وكانت نتائج هذه السياسة أسوأ مما توقعه أحد: انهيارات في القطاعات الحكومية والمؤسات الخاصة والمرافق الاستثمارية، وانهيار مالي واقتصادي، وحال من العزلة الدولية.




وفي الانتخابات الأخيرة استمر حزب الله في تكريس عصر الشيعية السياسية في لبنان، مراهنًا على ضعف خصومه وتشتتهم، مقابل قدرته على جمع حلفائه على كلمة واحدة أو موقف واحد. وهذا ما تكرس سياسيًا في انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبه، وتكرس استراتيجيًا بحشده موقفًا موحدًا في ملف ترسيم الحدود. وهكذا بدا حزب الله وكأنه الرابح الأكبر. فالموقف الموحد من ملف الترسيم جاء بعد تهديدات نصرالله. وزيارة هوكشتاين حصلت بعد التهديد بضرب الباخرة.

في خدمة إيران؟
نجح حزب الله شكليًا في تكريس صورته القوية، ورفع معنويات بيئته وجمهوره اللصيق بأنه لا يزال صانع المعادلات. أما في المضمون فالنتائج غير مضمونة بعد. فالجواب الإسرائيلي على المقترح اللبناني قد يكون الموافقة على العودة إلى المفاوضات للوصول إلى اتفاق، أو رفض المقترح وإصرار إسرائيل على استخراج الغاز.

هذا، فيما يبحث لبنان عن فرصة للبدء بعمليات التنقيب في إطار الحفاظ على ماء وجهه. ولا ينفصل ما يمكن الوصول إليه في مسألة الترسيم عن العلاقة الإيرانية- الأميركية، أو عن محاولة طهران الحصول على استثناء لبيع النفط بمعزل عن العقوبات عليها.

لبنان خارج التفاهمات
حصل التنازل اللبناني عن الخطّ 29 بموافقة ضمنية من حزب الله الذي لم يتبن الخطّ رسميًا، لكنه لمّح إليه. أما الأسوأ فهو الإصرار الإسرائيلي على الاستخراج، فيما يستمر لبنان متفرجًا. هنا تختلط المعادلات بين زمن الانتصارات المعنوية، وزمن الهزائم الموضوعية وفي المضمون.

ثمة إذًا وضعية قوة مصطنعة وليست حقيقية. ففي وقت التفاهمات، يظهر الوضع اللبناني هشًا وخارج المعادلة، في ضوء الاتفاق المصري- الإسرائيلي- الأوروبي. وفرنسا من أكبر الساعين إلى هذا الاتفاق لتوفير الغاز إلى أوروبا. وحزب الله مرتبط بعلاقة ما مع الفرنسيين، باعتبارهم الدولة الأوروبية الوحيدة التي تتواصل معه. وانتظار الغاز المصري والكهرباء الأردنية مؤشر آخر على الهشاشة بعد الاتفاق المصري- الإسرائيلي.

قوة لا يمكن استخدامها
يؤشر ذلك إلى أننا كلبنانيين مقبلون على مسلسل من الهزائم. تبدأ أولًا من انهيار الدولة ومؤسساتها وتداعيها. وهذا لا يمكن إبعاده عن خطاب حزب الله طوال الحقبة السابقة: سخريته من الدولة ومؤسساتها، وقوله إن سلاحه يحمي لبنان ودولته غير القادرة على فعل أي شيء من دون المقاومة.

وعندما بدأ البحث في ملفات استراتيجية ومهمة، وجد حزب الله نفسه خلف الدولة ومضطرًا للقبول بخياراتها التي ظهرت أضعف من ما كان متوقعًا. وهذا الضعف أو الانهيار دليل على تهميشها أو ضربها طوال سنوات.

إنه مسلسل الهزائم الحقيقية. والهزيمة هنا ليست في امتلاك معادلات صاروخية أو قدرات عسكرية، بل في عدم القدرة على حماية الثروات، وانتظار ما يأتي من الخارج. فالقوة في هذه المرحلة العالمية ركيزتها الاقتصاد والقدرة على النمو، وليس القوة العسكرية التي لا مجال لاستخدامها.