اللبنانيون لا يستطيعون إلى الحج سبيلا.. إجراء سعودي وأسباب أخرى

أسرار شبارو – الحرة

تحلم اللبنانية وضحة رضوان، منذ سنوات، بأداء فريضة الحج، فقد رفض طلبها مرارا ومع ذلك استمرت في ادخار المال على أمل أن يأتي اليوم الذي تحقق فيه ما تصبو إليه، إلى أن تبدد كل شيء، بعدما علمت كم أصبح الأمر مكلفاً في ظل الوضع الذي يمر به لبنان، وبسبب رفع قيمة الرسوم المفروضة في السعودية.




تعمل وضحة في الزراعة، وبحسب ما تقوله لموقع “الحرة” مما أحصد نأكل وما تبقى من المحصول أبيعه، أتحدث عن كميات قليلة وأرض صغيرة، ادخرت نحو ستة ملايين ليرة، توجهت لتقديم طلب للحج وإذ بي أصعق بأن البدل 5500 دولار أي حوالي 150 مليون ليرة، لأحمل خيبتي وأعود أدراجي إلى منزلي”.

بعد ايقاف موسم الحج لعامين بسبب جائحة كورونا، (حيث اقتصر على عدد محدود من المقيمين المحليين)، تستعد المملكة العربية السعودية لاستقبال مليون حاج في الثلث الأول من شهر يوليو المقبل، الغالبية العظمى منهم من خارج البلاد، ويبلغ عددهم 850 ألفاً، في وقت أعلن المجلس الأعلى للحج والعمرة اكتمال الترتيبات.

بلغ عدد الحجاج في 2019 حوالي 2,5 مليون حاج، وهذه السنة حددت وزارة الحج السعودية ضوابط لأداء الفريضة تنص على أن يكون “حج هذا العام للفئة العمرية أقل من 65 عاماً، مع اشتراط استكمال التحصين بالجرعات الأساسية بلقاحات كوفيد-19 المعتمدة في وزارة الصحة السعودية”.

كما اشترطت السلطات على الحجاج من خارج المملكة “تقديم نتيجة فحص فيروس كورونا سلبية لعيّنة أخذت خلال 72 ساعة قبل موعد المغادرة”، مشددة على ضرورة التزام الحجاج الإجراءات الاحترازية واتباع التعليمات الوقائية خلال أداء مناسكهم وذلك “حفاظاً على صحتهم وسلامتهم”.

الحج ركن من الأركان الخمسة للإسلام، و”لصعوبة ما يبذل فيه من مشقة وأموال لم يفرضه الله على المسلمين إلا مرة واحدة في العمر “بحسب ما يقوله المدير العام السابق للأوقاف الإسلامية في لبنان إمام مسجد الأوزاعي، الشيخ هشام خليفة، الذي شرح أن “النبي محمد قال إن الحج لمن استطاع إليه سبيلاً، أي عندما تتوفر القدرة والإمكانات الصحية والنفقة لمن يريد الحج ولأهل بيته إن تركهم في بلده، إذ عندها يصبح فرضاً واجباً على كل مسلم”.

و”من رحمة الله على المسلمين أنه جعل الحج “، بحسب الشيخ خليفة، “على تراخ أي لدى المسلم متسع العمر كي يقوم بأداء هذه المناسك، ولكن إن توفرت لديه الاستطاعة من كل ما ذكر سابقاً وقصّر عندها يتحمل المسؤولية ويسأل لماذا أخّر أداء هذه الفريضة”.

المرة الأولى التي تقدمت فيها وضحة بطلب لأداء فريضة الحج كانت تبلغ من العمر 38 سنة، وهذه السنة همّت من أجل اصدار جواز سفر، وكلها أمل أن تكون من بين الحجاج، وتقول “لم أتوقع لوهلة أن تصل التكلفة إلى هذا الحد، فكيف لي أن أدخر كل هذا المبلغ، وأنا أعمل في الزراعة كي أعين زوجي الذي يعمل كمندوب مبيعات، لنتمكن من تلبية حاجات أولادنا الستة”.

حال وضحة كحال محمد عبد الرحمن الذي تقدّم مرتين بطلب لأداء فريضة الحج، لكن، كما يقول لموقع “الحرة”، “جائحة كورونا وقفت حائلاً حينها، أما اليوم وبعد أن رفع الحظر وعادت الأمور تقريباً إلى سابق عهدها من الناحية الصحية ظهر حاجز جديد ألا وهو ارتفاع التكلفة”.

في السابق كان بإمكان محمد (58 سنة) دفع 2200 دولار للحج، لكن هذه السنة حتى ولو كان المطلوب 500 دولار لا يمكنه ذلك ويقول “لم يذهب المال الذي ادخرته في المصارف كما حصل مع المودعين، لكن صرفته على عائلتي بعدما ارتفعت أسعار كل شيء في لبنان، فأنا والد لسبعة أبناء، وبعد أن أصبح الحج مكلف إلى هذه الدرجة لا أعلم فيما إن كان الله سيكتبه لي في السنوات القادمة”.

صعوبات عدة تحول بين المسلم وأداء عبادة الحج، وبعد أن كانت الصعوبات، كما يقول الشيخ خليفة لموقع “الحرة”، “صحية بسبب جائحة كورونا حيث مرت أشهر من دون أن يتمكن أحد من حج الكعبة، تكمن الصعوبة هذا العام بالناحية المادية لدى عامة المسلمين، وكما يعلم الجميع الحج درجات، حيث حددت بعض الحملات نفقة الحج (العادي) بين 5 آلاف الى 6 آلاف دولار، أما من أراد ترفيه نفسه بفندق خمس نجوم وغيره فإن لهذه الخدمات سعراً يصل إلى 12 ألف دولار”.

لا شك أن تكلفة الحج هذا العام، أمر جعل المسلمين في حرج والدليل العملي بحسب الشيخ خليفة “أنه في السابق كان يقدم حوالي 10 آلاف شخص من لبنان ومع تأشيرات المجاملات والاستثناءات يصل العدد إلى حوالي الـ 20 الف، لكن عدد من تقدم بطلبات حتى اليوم لا يتجاوز الـ2500 شخص، وهذه ظاهرة لافتة للنظر في ظل عشق المسلم وشوقه لزيارة الكعبة والنبي والمدينة المنورة، ما يشير إلى أن هناك أزمة حقيقية وهي أزمة مادية”.

أضيف إلى الأزمة الاقتصادية أرباح أصحاب الحملات الذين توجه إليهم الشيخ خليفة بسؤال حول ما إذا كانوا يريدون الحفاظ على نسبة أرباحهم كما في الأعوام السابقة، “وهي بالتأكيد أرباح جيدة ما يعني أنهم يساهمون بزيادة التكلفة على من يريد الحج في ظل هذه الظروف الصعبة”.

رفع قيمة الرسوم المفروضة في السعودية

كما أن قسماً من ارتفاع التكلفة يعود كما يقول الشيخ إلى “رفع قيمة الرسوم المفروضة في السعودية، من مئتي دولار إلى حوالي ألفي دولار، هذا عدا عن ثمن تذكرة الطيران الذي ارتفع عالمياً نتيجة غلاء المحروقات”، ويشدد “عجز المسلم عن تأمين نفقة الحج لا يرتب عليه أي مسؤولية بل على العكس من نوى الحج بنية صادقة ورغبة أكيدة وبشوق حقيقي وحال دون ذلك الأمور الخارجة عن إرادته فإنه يكتب له ثواب الحج، فإكرام الله يسجّل له على نيته الصادقة”.

حلم بعيد المنال

حصة لبنان الرسمية من تأشيرات الحج كما يقول مدير “هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة”، إبراهيم عيتاني، لموقع “الحرة”، هي 4 آلاف تأشيرة، يضاف إليها، بحسب ما أكده صاحب شركة “الحملة السعودية اللبنانية للحج والعمرة”، طارق كلش، تأشيرات المجاملة والاستثناءات، و1500 تأشيرة للفلسطينيين المقيمين في هذا البلد، و5500 تأشيرة للسوريين المقيمين، إذ يتبع هؤلاء لجنة خاصة تعرف بلجنة الحج العليا السورية.

عام 2019، أعلنت شركة طيران الشرق الاوسط – الخطوط الجوية اللبنانية – أن عدد الحجاج الذين نقلتهم الشركة إلى المملكة العربية السعودية لتأدية فريضة الحج، بلغ أكثر من 20700 حاج خلال موسم الذهاب، وقد سيرت الشركة لهذه الغاية 99 رحلة إضافية إلى جدة والمدينة المنورة، و26 رحلة نظامية، أي ما مجموعه 125 رحلة خلال 11 يوماً.

خفضت حصة لبنان هذه السنة، إلى ثلاث آلاف حصة كما يقول عيتاني، أما كلش فيؤكد أن حصة لبنان هذا العام “2700 تأشيرة للبنانيين مناصفة بين السنة والشيعة و500 للفلسطينيين و2500 للسوريين”.

يشرح كلش “عندما فتح باب الطلبات كان الأمر يختصر على الذين سبقوا وتقدموا بطلبات عامي 2020 و2021 وعددهم 6 آلاف شخص، لكن فقط 800 منهم ثبتّوا سفرهم، ما دفع الحكومة اللبنانية إلى إصدار ملحق لفتح باب الطلبات ليصل العدد إلى نحو 1600 طلب، لتعيد الكرّة حتى وصل العدد إلى نحو 2500 طلب”.

تتمنى نعمة النجار (57 سنة) أن يكتب لها الحج، هي التي سجلت اسمها العام الماضي بعدما تمكنت من ادخار مبلغ من المال، لكن اقتصر الحج على عدد من المقيمين في السعودية، وبعد الانهيار الكبير في قيمة العملة الوطنية لم يعد بإمكانها أداء هذه الفريضة، تقول، والغصة تخنق صوتها، “أي مسلم لا يرغب بزيارة الأراضي المقدسة ورؤية الكعبة لكن للأسف ما في اليد حيلة”.

لدى نعمة محل سمانة في شمال لبنان، هو مصدر رزقها لتأمين قوت عائلتها المؤلفة من 3 أولاد، أحدهم كان يعمل في بيروت وبعد ارتفاع بدلات النقل اضطر إلى ترك العمل ومساعدة والدته التي تقول “نتعاون بمصروف طفله فهو يحتاج إلى حليب وحفاضات وغيرها، من هنا مجرد التفكير بالحج أصبح أشبه بالخيال، وبعد أن ساء الوضع يجب أن تطلق مبادرات تمنح الراغبين بأداء هذه الفريضة من الفقراء فرصة للقيام بذلك”.

كذلك سجّل عمر غريب وزوجته اسميهما العام الماضي للحج، حينها كانت التكلفة 3 آلاف دولار على الشخص الواحد، أما هذه السنة وبعد أن تم حجز أمواله في المصرف لن يتمكن من تحقيق حلمه، ويقول “سجلت وسبعة أشخاص من أقاربي أسماءنا للحج، وكما يعلم الجميع حالت جائحة كورونا دون ذلك، وبعد أن كان وضعي المادي جيد حيث أعمل في مجال الدهان تراجع بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان”.

أعداد هزيلة

وعن سبب ارتفاع تكلفة الحج هذا العام، أشار عيتاني إلى أن ذلك يعود إلى الاقتصاد العالمي، فالغلاء طال كل العالم، في حين اعتبر كلش أن الأزمة الاقتصادية هي السبب الرئيسي لانخفاض عدد المتقدمين بطلبات الحج.

ويشرح “أموال اللبنانيين محجوزة في المصارف، فهناك مشكلة سيولة، إضافة إلى ارتفاع التكاليف هذا العام بعدما خصصت السعودية الشركات المعنية بتقديم خدمات الحج والتي كانت تتبع وزارة الحج، حيث فرضت هذه الشركات دفع بدل (مسار حزمة خدمات الحج) للحصول على التأشيرة، وهي تبلغ 2100 دولار بعد أن كانت تكلّفة شيكات خدمات الحج 250 دولار، كما أن ثمن تذاكر السفر ارتفعت 150 دولار، من 540 الى 690 دولار”.

وبعد أن كان اختيار أسماء الحجاج يتم وفقاً للأكبر سناً فالأصغر، مع الأخذ بالاعتبار من سبق لهم أداء الفريضة، فإن هذه السنة تمت الموافقة على كل من دفع بدل مسار حزمة خدمات الحج على ألا يتجاوز عمره 65 سنة.

أربعون مؤسسة في لبنان تقدمت بطلبات ليتم اعتمادها رسمياً، تمت الموافقة كما يقول كلش “على 17 منها والسبب أنه يجب على الحملة إثبات أن لديها ما لا يقل عن 30 شخصاً تقدموا بطلبات للحج عبرها”.

وكانت السعودية أغلقت المسجد الحرام الذي يضم الكعبة في مارس 2020، ليعود ويستقبل المصلين في أكتوبر الماضي، وفي أوائل مارس الماضي أعلنت المملكة رفع معظم القيود بما في ذلك التباعد الاجتماعي في الأماكن العامة والحجر الصحي للوافدين الذين تم تطعيمهم.  ومع بدء وصول طلائع الحجاج القادمين من خارج المملكة، وذلك قبل ثلاثة أسابيع من بدء الشعائر المقدسة عند المسلمين، أعلنت السعودية الغاء إلزامية وضع الكمامة في الأماكن المغلقة، باستثناء الأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

بعد أن اعتاد الشيخ خالد هرموش (إمام مكلف من دار الفتوى) تنظيم حملات للحج تضم كل منها نحو 100 حاج، اقتصر العدد هذه السنة على عشرين حاجاً، ويقول “العدد المسجل في حملة الأنوار قليل جداً مقارنة بالسنوات الماضية، وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية حيث حددنا السعر بـ5500 دولار، تشمل كل شيء باستثناء الطعام والشراب ومن المفترض أن يكون سفرنا في الثاني من يوليو القادم”.

كذلك الحال بالنسبة لحملة “الصراط المستقيم” التي تراجع عدد المسجلين فيها من 75 شخص سنة 2019 إلى 10 أشخاص هذا العام، ويقول صاحبها، علي عثمان، “الوضع صعب جداً، على الرغم من أن حملتنا شعبية إلا أن تكلفتها بين 5200 و5500 دولار، ولو كان المبلغ بين 3000 إلى 3500 دولار لكان تسجل بين 30 إلى 40 شخص، وأؤكد أن ربحنا أصبح شبه معدوم”.

ويضيف “نتمنى على السلطات السعودية اعطاء حوافز وتقديم تسهيلات لتشجيع المسلمين اللبنانيين على الحج، لاسيما وأن إدخار ما يقارب الـ150 مليون ليرة أصبح أمراً شبه مستحيل في لبنان، وعلى الجمعيات الخيرية تقديم المساعدة، فهذا موسم عبادة، وإذا كان الحج لمن استطاع اليه سبيلاً فمن المؤكد أن لا استطاعة لأي مسلم لبناني في ظل هذه الظروف الصعبة”.