ما هو سعر الفائدة؟ وكيف يؤثر على اقتصادات الدول؟ وما تأثيره المباشر على مستوى معيشتك؟

فجأة أصبحت أخبار سعر الفائدة، التي رفعها البنك المركزي الأمريكي، وجبة رئيسة للتداول الإخباري، ويهتم بها الجميع وليس فقط خبراء الاقتصاد، فما السبب؟ وماذا يعني سعر الفائدة ببساطة؟ وما تأثيره المباشر على حياة الناس من أمريكا إلى الشرق الأوسط؟

كان مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي (البنك المركزي) قد قرر، الأربعاء 15 يونيو/حزيران، رفع سعر الفائدة الرئيس بمقدار 75 نقطة أساس لوقف القفزة الكبيرة في التضخم، وهذه الزيادة في الفائدة هي الأكبر التي يقررها البنك المركزي الأمريكي منذ عام 1994، بحسب تقرير لشبكة CNN.




وهذه هي المرة الثالثة التي يرفع فيها المركزي الأمريكي سعر الفائدة، بعد مارس/آذار ومايو/أيار الماضيين، عندما رفعها بنسبة 50 نقطة أساس، وتترجم تلك النقاط كنسبة مئوية إلى 1% مقابل كل 100 نقطة أساس، وهو ما يعني أن البنك المركزي الأمريكي رفع سعر الفائدة بنسبة 0.75% وهو أعلى معدل لرفع سعر الفائدة منذ عام 1981.

ماذا يعني سعر الفائدة؟

بلغة بسيطة يمكن القول إن سعر الفائدة هو تكلفة القرض الذي تحصل عليه الشركات والأفراد من البنوك، فإذا كانت قيمة القرض 100 دولار مثلاً فسعر الفائدة يحدد قيمة ما يقوم المقترض بتسديد للبنك. وهناك أكثر من سعر للفائدة، فسعر الفائدة الرئيس الذي يحدده البنك المركزي لكل دولة يختلف عن سعر الفائدة الذي تفرضه البنوك على المقترضين.

وبالتالي فإن سعر الفائدة الرئيس ليس هو السعر الذي يقترض عليه الأفراد العاديون أو الشركات، فهو سعر فائدة البنك المركزي في كل بلد، ويعتبر أحد أهم أدوات الاقتصاد عموماً، والبنك المركزي تحديداً لإدارة الاقتصاد.

سعر الفائدة الرئيس الذي يحدده البنك المركزي إذاً هو النقطة المرجعية التي تحدد سعر الفائدة التي ستقرض عليه البنوك الأموال للأفراد والشركات. وعلى الرغم من أن سعر الفائدة الرئيس، الذي يحدده البنك المركزي، يكون في العادة أقل من سعر الفائدة لدى البنوك، لكن البنوك تستخدم سعر الفائدة الرئيس كنقطة أساس ثم تضيف عليه مصاريف أخرى تتناسب مع مخاطر الإقراض وغيرها من العوامل، لتحدد سعر فائدة إقراضها للأفراد والشركات.

ويفسر هذا الشرح المبسط اختلاف سعر الفائدة الفعلي على القروض للشركات والأفراد من بنك إلى آخر داخل البلد نفسه؛ فقد تحصل على قرض سيارة أو قرض شخصي، على سبيل المثال، بفائدة قدرها 10% من أحد البنوك، بينما يحصل شخص آخر على القرض نفسه بالقيمة نفسها بفائدة قدرها 8% من بنك آخر في البلد نفسه. الأسباب هنا كثيرة ومتعددة، منها ما يتعلق بالبنك نفسه ومنها ما يتعلق بظروفك والضمانات التي تقدمها مقارنة بالشخص الآخر، فكلما ارتفعت قدرتك على سداد القرض انخفضت المخاطر، ومن ثم انخفضت الفائدة، علماً بأن سعر الفائدة الرئيس في البلد هو نفسه لأن ذلك يحدده البنك المركزي.

ما علاقة سعر الفائدة بأسعار السلع التي نشتريها؟

يمكن أن نأخذ التضخم مدخلاً رئيساً للإجابة عن هذا السؤال؛ إذ كرر مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) مصطلح التضخم أكثر من 15 مرة في تقريره الخاص برفع أسعار الفائدة، حيث أصبح التضخم الشغل الشاغل للبنوك المركزية التي أعلنت منذ الربع الأول من العام الجاري حالة الطوارئ، بهدف تحقيق الهدف الرئيس الآن وهو خفض أسعار السلع الرئيسة للمستهلكين في الأسواق.

وقبل أن ندخل إلى تحليل ما يعنيه ذلك بالنسبة للمستهلكين، من المهم أن نعرف معنى التضخم. ويعني التضخم زيادة الطلب على السلع عن المعروض منها؛ ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. فأسعار القمح، على سبيل المثال، تضاعفت منذ بداية الحرب في أوكرانيا لأن روسيا وأوكرانيا معاً تمثلان نحو ثلث تجارة القمح العالمية، ومع انخفاض أو توقف الصادرات ارتفع السعر. والأمر نفسه ينطبق على النفط أيضاً، على الرغم من وجود عوامل أخرى بطبيعة الحال، إلا أن العرض والطلب يمثلان العامل الرئيس.

التضخم إذاً لا يحدث إلا في حالات الانتعاش الاقتصادي الكبيرة، وهو ما يعني ارتفاع مبيعات الشركات، أي أن تلك الشركات توظّف عدداً أكبر من العمال وترفع رواتبهم، وهو ما يعني زيادة قدرة الناس على شراء منتجات هذه الشركات، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع المبيعات مرة أخرى وهكذا، فترتفع الأسعار.

كيف إذاً يتسبب رفع سعر الفائدة في مكافحة التضخم، أي خفض الأسعار؟ من الناحية النظرية، هناك قاعدة اقتصادية تقول إن قرار رفع سعر الفائدة يصعب عملية الحصول على القروض؛ لأن العملاء، من الأفراد والشركات، سيفكرون أكثر من مرة، ويؤدي هذا إلى تراجع الشركات عن التوسع في مشاريعها القائمة أو/والإحجام عن الدخول في مشاريع جديدة، بينما تقل السيولة المالية لدى الأفراد، وهكذا يتراجع الطلب فتنخفض الأسعار.

الهدف من رفع سعر الفائدة إذاً هو تخفيف السيولة النقدية داخل السوق لإبطاء الاستهلاك، وهي أولى الطرق لخفض التضخم في أي اقتصاد. كما يؤدي رفع الفائدة إلى عكس اتجاه حركة السيولة النقدية، فتتجه إلى البنوك على شكل ودائع، يحصل أصحابها مقابلها على فوائد مرتفعة من البنوك كأداة استثمار، وهنا ينجح البنك المركزي في سحب السيولة من الأسواق.

وهذا بالضبط ما يقوم به الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا، وقريباً البنك المركزي الأوروبي، كأبرز أدوات كبح جماح التضخم الذي أصاب الاقتصاد العالمي.

ما تأثير سعر الفائدة على اقتصاد الدول؟

سعر الفائدة هو أحد الأدوات الرئيسة التي تستخدمها البنوك المركزية في ضبط الأداء الاقتصادي في البلاد، من خلال التدخل عند الحاجة. ففي حالة ازدياد النشاط الاقتصادي وحدوث التضخم، يقوم البنك المركزي برفع سعر الفائدة لامتصاص السيولة النقدية من الأسواق، ومن ثم كبح سرعة النشاط الاقتصادي حتى تتباطأ، أي محاربة التضخم.

وتعرف هذه السياسة بالتشديد الكمي، وهي عكس سياسة التيسير الكمي الذي لجأت إليه البنوك المركزية خلال فترة تفشي وباء كورونا والركود الكبير، أي تخفيض سعر الفائدة للتشجيع على الاقتراض وزيادة السيولة المالية في الأسواق، لترتفع وتيرة الإنتاج ومعها القدرة الشرائية للأفراد، فتتسارع وتيرة النشاط الاقتصادي.

ما هو التضخم
التضخم يحدث عندما يرتفع متوسط سعر كل شيء يشتريه المستهلكون تقريباً/ Istock

ولأن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك الاقتصاد الأكبر، والدولار هو أكثر العملات تداولاً حول العالم، لا يقتصر تأثير رفع سعر الفائدة الأمريكي على الاقتصاد المحلي والمواطنين الأمريكيين فحسب، بل يمتد تأثيره إلى جميع دول العالم، وبالتالي على حركة الاقتصاد العالمي ككل.

وهبطت أسعار النفط بما يصل إلى أكثر من 3 دولارات للبرميل، بسبب قلق الأسواق حيال هبوط في الطلب بمجرد الإعلان عن قرار مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي رفع معدلات الفائدة الأربعاء؛ إذ أنهت عقود خام القياس العالمي مزيج برنت تسليم أغسطس/آب جلسة التداول منخفضة 2.7 دولار، أو 2.2%، لتسجل عند التسوية 118.51 دولاراً للبرميل، بعد أن هبطت أثناء الجلسة إلى 117.75 دولاراً.

كما انخفضت عقود خام القياس الأمريكي غرب تكساس الوسيط تسليم يوليو/تموز 3.62 دولارات، أو 3.04%، لتبلغ عند التسوية 115.31 دولاراً للبرميل، بعد أن هوت أثناء الجلسة إلى 114.60 دولاراً.

فقد أرسلت تلك الزيادة في أسعار الفائدة الأمريكية الدولار أيضاً إلى مستويات مرتفعة، ليصعد مؤشره لأعلى مستوى منذ عام 2002، ومن شأن صعود العملة الخضراء أن يجعل النفط المسعر بالدولار أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، وهو ما يقلص الطلب.

ماذا يعني رفع سعر الفائدة للدول العربية؟

هذه هي المرة الثالثة التي يرفع فيها الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة هذا العام، فهل نجح “السلاح” الأبرز في تحقيق الغرض منه في المرتين السابقتين خلال مارس/آذار ومايو/أيار؟ كلا، لم تنجح تلك الجهود في كبح جماح التضخم؛ إذ سجل في مايو/أيار 8.6%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من 40 عاماً.

لكن هذا لا يعني أن النظرية خطأ، بحسب خبراء الاقتصاد، بل يعني أن تقديرات المسؤولين في البنك المركزي الأمريكي بشأن مستويات التضخم كانت خطأً. لذلك رفعوا توقعاتهم بشأن ارتفاع معدل سعر الفائدة إلى 3.4% بنهاية هذا العام، بعد أن كانت 1.9% فقط في مارس/آذار الماضي، كما رفعوا توقعاتهم لمعدل أسعار الفائدة إلى 3.8% في 2023.

ويتوقع مسؤولو مجلس الاحتياطي الاتحادي الآن أن يبلغ معدل التضخم السنوي في نهاية هذا العام 5.2%، ارتفاعاً من توقعاتهم في مارس/آذار البالغة 4.3%، ويتوقعون أيضاً معدلاً للبطالة عند 3.7% في نهاية 2022 مقارنة مع 3.4% في توقعاتهم في مارس/آذار. وبلغ معدل البطالة في الولايات المتحدة 3.6% في مايو/أيار.

تلك النسب الخاصة بالتضخم وأسعار الفائدة في الولايات المتحدة تختلف بطبيعة الحال عن نظيراتها في الدول العربية، التي تسجل أرقاماً أعلى بكثير في نسب التضخم والبطالة، ومن المتوقع أن يؤثر رفع سعر الفائدة الأمريكي بصورة سلبية للغاية على أغلب اقتصادات الدول العربية، باستثناء الدول الخليجية التي سارعت هي الأخرى برفع أسعار الفائدة، لكن أسعار النفط والغاز المرتفعة تمثل عامل دعم أساسياً لاقتصاداتها.

أما مصر، على سبيل المثال، فيعتمد اقتصادها خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير جداً على الديون، وبالتالي فإن أسعار الفائدة لابد أن تظل مرتفعة لجذب الاستثمارات والمقرضين من الخارج، وللحفاظ على قيمة العملة وتوفير تمويل لعجز الميزان التجاري (الصادرات – الواردات)، وعجز الميزانية الحكومية أيضاً.

لكن رفع الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة يمثل أزمة كبيرة للاقتصاد المصري، لماذا؟ لأن جاذبية أسعار الفائدة تأتي من مقارنتها بسعر الفائدة في مكان آخر، وتحديداً بمقارنة أسعار الفائدة في الاقتصادات الرئيسة، لكون الاستثمار فيها أقل خطراً من الاستثمار في بلد مثل مصر.

وذلك يعني أن رفع سعر فائدة الفيدرالي الأمريكي سيعني ضرورة رفع سعر الفائدة في مصر، للإبقاء على جاذبية اقتصادها للخارج، خصوصاً أن مصر تمر منذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا بحالة من انسحاب رؤوس الأموال من السوق، خوفاً من تبعات الحرب على مصر، والتي أجبرت البلاد على تخفيض قيمة العملة، ورفع سعر الفائدة لـ4 أضعاف الزيادة في سعر فائدة الفيدرالي الأمريكي، وطلب قرض من صندوق النقد.

ولكون مصر تستدين من الداخل والخارج؛ فرفع سعر فائدة البنك المركزي المصري يعني أن كلفة الديون المصرية الداخلية سترتفع؛ لأن المقرضين المحليين سيرفعون فائدتهم على الحكومة أيضاً، كما أن مصر إذا مرت بحالة من الركود فلن تستطيع تحفيز الاقتصاد عن طريق تسهيل تمويل الشركات؛ لأنها ستضطر للمحافظة على سعر فائدة مرتفع، لا تتمكن غالبية الشركات المصرية من تحمل تكلفة الاقتراض عليه.

ويشبه التأثير السلبي على مصر الأثر على دول أخرى في العالم، فبينما تحتاج الدول التي تثبت عملتها أن ترفع سعر الفائدة بالنسبة نفسها، على دول أخرى أن تدرس حالتها الاقتصادية، ومتابعة أسعار الفائدة في الأسواق العالمية، خصوصاً إذا كانت محتاجة للاقتراض من الخارج في المستقبل، وما دامت أسعار الفائدة في ارتفاع.

الخلاصة هنا هي أن رفع البنك المركزي الأمريكي أسعار الفائدة ساهم في تعزيز الطلب على الدولار؛ ما أدى إلى ارتفاع قيمة العملة بنسبة 10% منذ بداية العام، ووضع ذلك دولاً أخرى، خصوصاً الأسواق الناشئة التي لديها ديون كبيرة بالدولار، تحت ضغط هائل.