الوليد بن طلال ملك الاستثمار السعودي لن يحكم المملكة القابضة وحده بعد الآن

ظل الأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزيز لسنوات الواجهة الدولية للاستثمار السعودي، وتمكن من تأسيس شركة المملكة القابضة التي تستثمر في أكبر القطاعات عالميا، لكن تقارير تفيد بأنه ربما لن يكون قادرا بعد الآن على تصدر الساحة وحده، فقد أصبح صندوق الاستثمارات العامة السعودي يملك حصة أقلية في الشركة القابضة، ومن المستبعد أن يكتفي الصندوق السيادي بالبقاء على الهامش.

وعلى مدى سنوات، تمكن الأمير الوليد بن طلال من جمع مئات الملايين من الدولارات بالاستثمار في شركات عدة، منها سيتي غروب وأوبر وتويتر باستقلالية شبه كاملة.




ونقلت وكالة رويترز عن مصدرين مطلعين على أحوال قطاع الأعمال السعودي قولهما إن صندوق الثروة السيادي، وهو مرتكز خطة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد السعودي، يريد أن يكون للجنة الاستثمار بشركة المملكة القابضة نفوذ في اتخاذ القرار أكبر مما كان عليه الأمر في السابق.

وقال مستثمر في صندوق سيادي بالخليج “صندوق الاستثمارات العامة يريد أن يكون مستثمرا نشطا”، وأضاف “لجنة الاستثمار بالمملكة القابضة هي بالأساس الوليد ولا أتصور أن الصندوق سيخضع لتوجيهات الأمير محمد بن سلمان”.

ورفض صندوق الاستثمارات العامة والمملكة القابضة والأمير الوليد والمتحدث باسمه، عندما اتصلت بهم رويترز، التعليق على ما يعنيه امتلاك الصندوق لحصة أقلية في المملكة القابضة بالنسبة للاستثمارات المستقبلية.

ظل الوليد (67 عاما) لفترة طويلة يحكم قبضته على أسهم شركة المملكة، إذ كان يحوز كل أسهمها باستثناء حصة خمسة في المئة طرحها في البورصة السعودية حتى اشترى صندوق الاستثمارات العامة، وحصة 16.87 في المئة مقابل 1.5 مليار دولار الشهر الماضي.

وجاءت الصفقة بعد مضي أكثر من أربعة أعوام على إدراج اسم الوليد في قائمة استهدفتها حملة لمكافحة الفساد أمر بشنها ولي العهد السعودي. واحتُجز الوليد لثلاثة أشهر في فندق ريتز كارلتون الرياض مع العشرات من أفراد العائلة الحاكمة وكبار المسؤولين ورجال الأعمال.

أطلقت السلطات سراح أغلب المحتجزين بعد التوصل إلى تسويات مالية، وقال الوليد في مارس 2018 إنه أبرم اتفاقا سريا مع الحكومة.

ولم يتّضح ما إذا كانت صفقة صندوق الثروة السيادي لشراء حصة في شركته مرتبطة بهذه التسوية. وقال المتحدث باسم الأمير الوليد، حفيد الملك عبدالعزيز آل سعود أول ملوك السعودية ورياض الصلح أول رئيس وزراء للبنان، إن التسوية كانت مجرد صفقة أعمال.

وأُبرمت صفقة الصندوق السيادي بأدنى سعر للسهم خلال ذلك العام ودون أي علاوة سعرية على السهم. والمصرفيون الذين عادة ما يجرون معاملات الصندوق أو الأمير الوليد لم يكن لهم دور في هذه الصفقة وفقا لمصدرين مطلعين.

وحصلت الحكومة السعودية على حصص سيطرة مباشرة على بعض شركات رجال الأعمال السعوديين الذين اعتقلوا في 2017، ومنها مجموعة بن لادن للمقاولات وشركة أم.بي.سي للإعلام، في إطار تسويات إطلاق سراحهم.

لكن بعض المحللين قالوا إن تدخل الدولة في المملكة القابضة يمثل تغيرا في استراتيجية الحكومة السعودية، إذ إن الحصص في الشركات الأخرى مملوكة لوزارة المالية وليس للصندوق السيادي.

وقال جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي المختص بشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى كابيتال إيكونوميكس، “هذه دلالة على تغيير في الأسلوب… مع امتلاك صندوق الاستثمارات العامة للحصة يمكن اعتبارها الآن بدرجة أكبر فرصة استثمارية”.

وقال جيم كرين، الباحث في معهد بيكر بجامعة رايس الأميركية، إن دور الصندوق السيادي هو كسب ما يكفي من الدخل من خلال الاستثمارات لتطوير قطاعات جديدة في الاقتصاد السعودي، في حين أن وزارة المالية تُعتبر بدرجة أكبر الوصي على الإنفاق اليومي وأقل اهتماما بالاستراتيجيات أو إقبالا على المخاطر.

وقال أحد المصدرين المطلعين على أعمال المملكة القابضة إن أسلوب الأمير الوليد في الاستثمار كان يعتمد على الفرص الجديدة، التي قد تكون مربحة للغاية لكنها تنطوي على مخاطر، فضلا عن التطلع إلى الأسهم المقدرة بأقل من قيمتها.

وقال كرين مؤلف كتاب “ممالك الطاقة: النفط والبقاء السياسي في الخليج الفارسي” إن الصندوق السيادي “يشتري بالأساس حصة في سجل استثمارات الأمير الوليد الناجحة، وطالما ظل بمقدور الوليد اقتناص صفقات رابحة سيستفيد السعوديون”.

أسلوب الأمير الوليد في الاستثمار كان يعتمد على الفرص الجديدة، التي قد تكون مربحة للغاية لكنها تنطوي على مخاطر

لمع نجم الأمير الوليد على الساحة الدولية بعد رهانه الكبير الناجح على سيتي غروب في تسعينات القرن الماضي، وكان من أوائل المستثمرين في أبل.

وقام الأمير وشركة المملكة القابضة باستثمار مشترك قيمته 300 مليون دولار في تويتر في 2011، ثم رفع حصته في 2015. وفي الشهر الماضي اتفق على إدخال حصة تبلغ قيمتها الآن 1.89 مليار دولار في صفقة استحواذ إلون ماسك، بدلا من استرداد أمواله والخروج منها.

وعلى الرغم من أن خطوة الصندوق السيادي قد تؤثر على نطاق قدرة الوليد على المناورة، فإن المملكة القابضة ستستفيد من نفوذ الصندوق السياسي والمالي عند إبرام الصفقات، حسبما قال المصدران القريبان من المملكة القابضة.

واتخذ صندوق الاستثمارات العامة خطوات جريئة لتعزيز مكانته في مجالات الأعمال والرياضة، منذ أن تحول إلى مستثمر أكثر نشاطا في 2015.

واشترى الصندوق حصة بقيمة 3.5 مليار دولار في شركة أوبر قبل إدراج أسهمها في البورصة، واستثمر 45 مليار دولار في صندوق التكنولوجيا التابع لسوفت بنك، كما اشترى 80 في المئة من نادي كرة القدم البريطاني نيوكاسيل يونايتد العام الماضي، وهز عالم الجولف ببدء الدوري السعودي للجولف.

ويدير صندوق الاستثمارات العامة السعودي حاليا أصولا تقدر بأكثر من 600 مليار دولار، رغم أن أداء سجله الاستثماري كان مختلفا، إذ حقق أرباحا طائلة من الاستثمار في لوسيد لصناعة المركبات الكهربائية قبل إدراجها في البورصة، لكن استثماره في سوفت بنك كان أكثر تقلبا، بعدما أثّر ارتفاع الأسعار وعدم الاستقرار السياسي على أسهم شركات التكنولوجيا التي كانت تحقق نموا عاليا.

ويدعم صندوق الثروة السيادي مشروعات الأمير محمد بن سلمان العملاقة في خطته لتنويع الاقتصاد ضمن رؤية 2030.

ويرى مستشار العقارات نايت فرانك أن مشروعات تطوير قطاع السياحة الناشئ في السعودية، والتي تشمل بناء مدينة خضراء مستقبلية شاسعة باسم نيوم بتكلفة 500 مليار دولار، ستتجاوز قيمتها تريليون دولار.

لكن الرياض واجهت صعوبات في جلب العدد المأمول من المستثمرين، ويمكن للصندوق السيادي أن يستفيد من علاقات الأمير الوليد بأطراف رئيسية في قطاع الفندقة، بفضل حصص يملكها في سلاسل فور سيزونز وفيرمونت ورافلز وسويس أوتيل.

ورغم شهرة الأمير الوليد الواسعة، فقد ظل قريبا من جذوره. فكثيرا ما ينطلق في قلب الصحراء السعودية حيث يقضي أوقاتا مع ضيوفه ويلتقي بشيوخ القبائل وعائلاتهم.

وقالت ثلاثة مصادر إن نجله خالد بن الوليد شق مسارا خاصا به، فاستثمر في التكنولوجيا والعقارات والصناعات الغذائية وسلاسل مطاعم المأكولات النباتية، مما أثار تساؤلات عمن سيخلف الأمير الوليد في قطاع أعماله.

وقال مصدر بقطاع المال إن صندوق الاستثمارات العامة قد يرشّح شخصا آخر يعتبره الوليد خليفته في أعماله.

وقال المصدر “إذا أخرجت الأمير من المعادلة تصبح المملكة القابضة مجرد شركة استثمار قابضة سعودية. أعتقد أن العديد من هذه الصفقات ما كان يمكن إبرامها من دونه”.