مع بدء إضراب مفتوح.. الدوائر الرسمية في لبنان تغلق أبوابها

أسرار شبارو – الحرة

أغلقت الدوائر الرسمية في لبنان أبوابها إلى أجل غير مسمى، مع بدء موظفي الإدارة العامة في 13 من الشهر الجاري إضراباً مفتوحاً إلى حين تحقيق مطالبهم وعلى رأسها تصحيح أجورهم وبدلات النقل والتقديمات الصحية والتعليمية .




خطوة موظفي الإدارة العامة لم تكن مفاجئة، فمنذ ما يزيد عن العام بدؤوا إضراباً تحذيرياً اتخذ منحى تصاعدياً، حتى وصل الأمر إلى العمل يوماً واحداً في الأسبوع على أمل أن يتم أخذ مطالبهم بعين الاعتبار، وعندما لم يتحقق ذلك لم يجدوا أمامهم سوى “الاعتكاف”، علّ صرختهم تجد هذه المرة آذاناً صاغية.

مع ارتفاع سعر صرف الدولار وانخفاض قيمة العملة الوطنية تآكلت أجور موظفي الإدارة العامة حتى خسرت 95 في المئة من قيمتها، وأصبحت تتراوح بين 1.5 دولار و3 دولارات يومياً، كونها لا تزال على سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة، وهي مرشحة للتآكل أكثر مع استمرار سعر صرف الدولار بالارتفاع ومعه الأسعار والرسوم والضرائب.

حدد القانون رقم 46/2017 (سلسلة الرتب والرواتب) راتب الفئة الخامسة في الإدارة العامة بـ950 ألف ليرة  أي 633 دولاراً على سعر الصرف الرسمي، حيث أصبح يعادل اليوم حوالي 33 دولاراً على سعر السوق الموازية.

حلول “ترقيعية” اتخذتها الحكومة في محاولة لتسيير مؤسساتها، من بينها رفع قيمة بدل النقل إلى 64 ألف ليرة يومياً وتقديم مساعدة مالية لا تقل عن مليون ونصف المليون ليرة (تطال الشريحة الأكبر من الموظفين) ولا تزيد عن الثلاثة ملايين ليرة (جزء من موظفي الفئة الأولى)،  إلا أن عدم توفر السيولة حال دون إمكانية دفعها بشكل منتظم، وما زاد الطين بلّة رفع الدعم عن المحروقات والمواد الغذائية ومعظم الأدوية وغيرها.

وصل الوضع سوءاً إلى حد “عدم تشغيل بعض موظفي الادارة العامة التلفاز خشية من أن يشاهد أولادهم إعلانات المأكولات فيشتهونها ويعجز رب الأسرة عن شرائها”، بحسب ما أكدته رئيسة رابطة موظفي الإدارة العامة، نوال نصر.

وتساءلت: “كيف يمكننا تأمين الطعام وأقساط مدارس أبنائنا وفواتير الكهرباء والماء والإنترنت لزوم الدراسة وغيرها، إنه الإمعان في إذلالنا، تجويع وقمع وتعنيف نفسي، ومواجهة الموت عندما لا نستطيع دخول المستشفى لعجزنا عن دفع فاتورة الاستشفاء”.

وتابعت في حديث لموقع “الحرة”: “هل المطلوب إبادتنا؟ وصلنا إلى الحد الأقصى من الإفلاس النفسي والمعيشي، لذلك 96 في المئة من موظفي الإدارة العامة التزموا بالإضراب حيث سجلت بعض الاستثناءات لتلبية الحاجات الملحة والضرورية للمواطنين، لا بل هناك إدارات شاركت لأول مرة بالإضراب كوزارة الصحة، التي قرر موظفوها العمل ليوم واحد فقط في الأسبوع لتسيير معاملات المواطنين”.

الوسيلة الوحيدة

في شهر مايو الماضي بدأت رابطة الموظفين الإضراب ليوم واحد أسبوعياً ثم يومين في الأسبوع، إلى أن أعلنت الإضراب العام في الأول من أكتوبر الماضي، حينها سارع رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، إلى الاجتماع بممثلين عن الرابطة، ليشكل بعدها لجنة لبحث مطالب الموظفين.

وأضافت نصر “كما يقول المثل تمخض الجبل (اللجنة) فأنجب فأراً، فكل ما توصلت إليه اللجنة إعطاءنا مساعدة هزيلة لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا توازي واحد في المئة من حقوقنا وحاجاتنا، وهي عبارة عن دفع نصف راتب شهرياً وتعديل بدل النقل من 24 ألف ليرة إلى 64 ألف ليرة”.

المساعدة التي تم إقرارها لم تكن قابلة للتنفيذ عملياً كونها مشروطة بحسب نصر “بحضور الموظفين إلى مكاتبهم ثلاثة أيام في الأسبوع،  وفي الواقع الراتب وبدل النقل والمساعدة الاجتماعية لا تكفي جميعها ثمن محروقات لكي يصل الموظف إلى مكان عمله”.

معاناة موظفي الإدارة العامة لم تحرك ضمائر المسؤولين، من هنا كما تقول نصر “لم يعد باستطاعتنا خدمة المواطن باللحم الحي، ولم نجد أمامنا وسيلة لإيصال صرختنا سوى في الإضراب المفتوح”.

وبعد إعلان الإضراب أجرى ميقاتي اتصالاً بوزير المال، يوسف خليل، تم خلاله البحث في ملف الأجور والمخصصات المستحقة للموظفين وضرورة دفعها في المواعيد المستحقة لها من دون تأخير.

وأكد ميقاتي أن “حق الموظفين مقدس والحكومة تتفهم صرختهم وتسعى قدر الإمكانات المتاحة لتوفير مستلزمات الصمود في هذه المرحلة الصعبة”، مشدداً في الوقت ذاته “على ضرورة استمرار عمل إدارات الدولة والمؤسسات العامة وإنتاجيتها لتسيير شؤون الموظفين وتأمين الإيرادات التي تحتاجها الدولة”.

كما اجتمع ميقاتي مع وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال، مصطفى بيرم، الذي قال بعد الاجتماع إن “مسألة الرواتب والمعاشات للقطاع العام، لا يمكن تركها لأنها مرتبطة بالأمن الاجتماعي، وهي آخر ما تبقى للموظف الذي يعاني ما يعانيه”.

وأضاف “استأذنتُ الرئيس ميقاتي لدعوة رابطة موظفي القطاع العام للتواصل والاجتماع في وزارة العمل للاتفاق على خارطة طريق للوصول لبعض الحلول الأساسية التي لا يمكن السكوت عنها، فحقوق الموظف اليوم باتت صفراً، وهذا لن نسمح به، ولا بد من إعطائه شيئا من الحقوق لاستمرار الإدارة اللبنانية”، وشدد على أن “هدفي تطمين الموظفين بأنه ممنوع المس بالرواتب وإلا ستنهار الدولة”.

“إبادة جماعية”

وفي محاولة لإيجاد حلول، بحث رئيس الاتحاد العمالي العام، بشاره الأسمر، مع ميقاتي موضوع إضراب الإدارة العامة، حيث أكد حق موظفي القطاع العام بزيادة رواتبهم وبدل النقل والمدارس والطبابة، طارحاً دفع مبلغ 150 ألف ليرة كبدل نقل يومي وأن تدفع المنح الاجتماعية والمبالغ المقطوعة كما هو وارد في الموازنة التي لم تقر حتى الآن.

تنقسم قضية الإدارة العامة، بحسب أستاذ السياسات العامة والتحديث الإداري في الجامعة اللبنانية، الدكتور برهان الدين الخطيب، إلى قسمين: “الأول مرتبط بالمستلزمات التي يجب توفيرها للموظف كي يتمكن من إنجاز عمله، حيث أن هناك نقصاً كبيراً جداً بالمعدات والتجهيزات والوسائل التي تمكّنه من القيام بمهامه، لا بل أصبحت الدوائر الرسمية تفتقد إلى مسلتزمات النظافة كون الميزانية المخصصة لها لا تسمح بذلك!”.

أما القسم الثاني فيرتبط، كما يشير الخطيب في حديث لموقع “الحرة”، إلى “عدم قدرة الموظف على الوصول إلى مكتبه لعدم تأمين الدولة أي وسيلة لذلك، سواء وسائل نقل كالباصات التي تؤمنها الشركات الخاصة لموظفيها أو بدل نقل عادل، في وقت تخطى سعر صفيحة البنزين الحد الأدنى للأجور حيث وصل إلى 691 ألف ليرة (95 أوكتان) و702 ألف ليرة (98 أوكتان)”.

ويشرح “منذ أكثر من سنة تراجع حجم ما تنجزه الإدارة العامة، بعدما عجز الموظفون عن الوصول إلى مراكز عملهم، إذ منهم من يسير لنحو ساعة وبعضهم من يعتذر عن المجيء لعدم قدرته على ملء خزان وقود سيارته بالبنزين”.

سبق أن طرح الخطيب تأمين قسائم بنزين للموظفين لحل جزء من المشكلة ويقول: “ربما هذا أسرع حل ومع ذلك لم يلق تجاوباً، وذلك بدلاً من أن يكون تأمين نقل الموظف من المسلمات التي لا تستدعي حتى أن يطالب به، أما الوعود فهي كثيرة، بعض الدوائر لم تحصل على شيء منها والبعض الآخر يحصل عليها بشكل متقطع”.

وفيما يتعلق ببدل النقل تقول نصر: “مطلبنا يكمن بإعطائنا قسائم بنزين كل بحسب المسافة التي يقطعها من منزله إلى مركز عمله، ولا ننسى ضرورة ترجمة تعويضات الصرف التي أصبحت تعادل ألفي إلى ثلاثة آلاف دولار وذلك بعد أربعين سنة خدمة، باختصار نريد الحدّ الأدنى المطلوب للحياة الكريمة”.

ويرى الخطيب أنه أمام السلطات اللبنانية مروحة حلول كي تستمر الإدارة العامة في أداء مهامها ولكن الخشية من أن يكون خلف الأكمة قرار غير معلن لخفض عديد موظفي القطاع العام استجابة لمطالب المؤسسات الدولية، لا سيما صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى أن حجم هذا القطاع كبير.

ويضيف “ما يحصل قد يكون وسيلة ضغط للترشيق الوظيفي، الوضع يتطلب طرح الأمور بصورة واضحة، وإذا كان هذا هدف الدولة فإنها ترتكب خطأ جسيماً سيؤدي إلى خسارتها كفاءاتها وكادراتها، فالموظف الذي لا يمكنه تأمين لقمة عيشه سينزح إلى القطاع الخاص أو سيهاجر، فراتبه لا يكفيه مستلزمات العيش الكريم، حيث أصبح موظف القطاع العام أفقر الطبقات الوظيفية مقارنة مع القطاع الخاص والمهن الحرة”.

“لا يوجد إحصاء رسمي دقيق حول عدد العاملين في مؤسسات الدولة”، بحسب تقرير لشركة “الدولية للمعلومات”، وذلك لعدة أسباب “منها تعدد التسميات الوظيفية (موظف، متعاقد، أجير، متعامل) وتعدد الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، ولكن الرقم الصحيح إلى حد ما هو نحو 320 ألفا”.

ويتوزع العاملون بالقطاع العام بحسب “الدولية للمعلومات” على الشكل التالي: 120 ألفاً في القوى الأمنية والعسكرية، 40 ألفاً في التعليم الرسمي، 30 ألفا في الوزارات والإدارات العامة، 130 ألفاً في المؤسسات العامة والبلديات، ويضاف إلى هؤلاء نحو 120 ألفاً من المتقاعدين أكثريتهم من العسكريين والمدرسين.

إشارة البعض إلى وجود تضخم في الإدارة العامة وإلى ضرورة ترشيقها، أمر ترفضه نصر إذ ترى أن “ما يجري ليس ترشيقاً للإدارة العامة، وفق ما يُحكى عن شرط من شروط صندوق النقد الدولي، بل هو تهجير للطاقات الشابة والكفؤة منها، إنه إبادة جماعية ومجزرة بحق العائلات لن نقبل أن تستمر”.

وتشدد على أن “الإدارة العامة ليست بحاجة إلى أي ترشيق  فهي تعاني من شغور في الألوف من المراكز الوظيفية، وموظفو الإدارة العامة لا يصل عدد المعينين منهم وفقاً للأصول إلى 15 ألف ما بين موظفي ملاك ومتعاقدين وأجراء، إضافة إلى الذين تم تعيينهم بعد صدور قرار وقف التوظيف عام 2017، والحديث عن التضخم ينطبق على أسلاك أخرى وليس على العاملين في الإدارة العامة”.

حقوق مقدسة

يشهد لبنان منذ صيف 2019 انهياراً اقتصادياً متسارعاً، حيث فقدت “العملة المحلية حوالي 82 في المئة من قوتها الشرائية مقابل الدولار، ما بين عامي 2019 و2021” بحسب ما أعلنته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا”.

وأشار تقرير لـ”الإسكوا”، الذي صدر في شهر سبتمبر الماضي، إلى أن “الفقر تفاقم في لبنان إلى حد هائل في غضون عام واحد فقط، إذ أصبح يطال 74 في المئة تقريبا من مجموع السكان، وإذا ما تم أخذ أبعاد أوسع من الدخل في الاعتبار، كالصحة والتعليم والخدمات العامة، تصل نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد إلى 82 في المئة”.

وفيما إن كانت لدى الدولة اللبنانية القدرة على تلبية مطالب موظفي الإدارة العامة، قال الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان: “عملياً رواتب موظفي القطاع العام تشكل النسبة الأكبر من نفقات الخزينة العامة ولكي تتمكن الدولة من دفع متطلبات الموظفين يجب أن يكون لديها إيرادات كافية، وهو ما ليس متوفراً حالياً، ربما يمكن ذلك بعد إقرار الموازنة العامة ورفع الدولار الجمركي، لكن في ظل الظرف الحالي الأمر معقد جداً”.

ويؤكد أبو سليمان لموقع “الحرة” أن شلل الإدارة العامة سينعكس على مداخيل الدولة “فالدوائر الرسمية هي من تسيّر أمور الدولة وتجبي الضرائب والرسوم، وللخروج من هذا النفق المظلم يجب البدء بالإصلاحات التي تطالب بها المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي كخطوة أولى نحو توقيع اتفاق مع هذا الصندوق، إذ عندها فقط يمكن لجم الانهيار”.

حقوق موظفي الإدارة العامة من “المقدسات”، كما تصفها نصر “ومن غير الوارد التنازل عنها وعلى المواطنين الوقوف إلى جانبنا لمنع أي مخطط يتم رسمه من أجل إنهاء هذه الإدارة ودولة الرعاية الاجتماعية، صمام أمانهم المعيشي والاجتماعي والتربوي والحياتي على كل الأصعدة”.

وتضيف “قيمة كتلة رواتب العاملين في الإدارة العامة بلغت بموجب الموازنة بعد سلسلة الرتب والرواتب فقط  612 مليار ليرة، منها الثلث مساهمة لرواتب مستخدمي أوجيرو الذين لا يصل عددهم الى 2500 مستخدم، وهذه المفارقات كثيرة”.

يوماً بعد يوم يثبت المسؤولون اللبنانيون كما يقول الخطيب “أنهم غير مسؤولين وغير مبالين بمعاناة اللبنانيين، فالموظف في النهاية مواطن، وإضراب الإدارة العامة يعني حرمان المواطنين من الخدمات التي يحتاجونها ومنها ما هو مصيري كما حال قطاع الصحة وغيره”.

ويؤكد أن “المسألة تحتاج إلى قرار سريع، فالوضع خطير جداً، لكن المسؤولين ليسوا أصحاب قرار، الدولة تنهار وهم لا يتحركون لوضع دراسة جدية للخروج من الأزمة”.