من التلقين إلى الواقعيّة! – رامي الرّيس – نداء الوطن

نظرة «التلقين» التي يمتلكها معظم نواب الثورة سوف تتسبب بمزيد من الإرباك في العمل المؤسساتي، وسوف تؤدّي عمليّاً إلى تعميق الانقسام السياسي في البلاد، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات كبيرة على الاستحقاقات الدستوريّة المقبلة وفي طليعتها تشكيل الحكومة الجديدة وانتخابات رئاسة الجمهوريّة.

لا يستطيع النواب الجدد مواصلة سياسة «إعطاء الدروس» للآخرين في الوطنيّة والإستقامة والأخلاق. صحيحٌ أنهم وصلوا إلى الندوة البرلمانيّة بتصويت شرائح من المجتمع اللبناني لهم، وهذا موضع تقدير من دون شك؛ ولكن الصحيح أيضاً أن القواعد الشعبيّة جددّت ثقتها بنواب آخرين أيضاً.




الإنتخابات أصبحت خلفنا. اللبنانيون يتوقون لرؤية ممارسة سياسيّة عاقلة ومسؤولة. لقد شبعوا من الشعبويين والمتطرفين الذين دفعوا بالبلاد إلى الهاوية، والذين تتطلب مجابهتهم الكثير من المثابرة والتضحية نظراً لطبيعة التحالفات السياسيّة، والتشابكات التي ترتديها تلك التحالفات بما يتعدّى النطاق المحلي إلى البعد الإقليمي.

لا يمكن للنواب «التغييريين» المفاخرة بخرقهم القواعد التقليديّة في الإنتخابات النيابيّة الأخيرة من خلال إنكار الصفة التمثيليّة الواسعة التي نالتها أطراف أخرى كان لها مسيرتها النضاليّة الطويلة في تاريخ لبنان، حتى ولو لم يُعجب ذلك هؤلاء النواب. إن إنكارهم له لا يلغي وجوده.

يستطيع النواب الجدد ممارسة كل أشكال البهلوانيّات السياسيّة والإعلاميّة، ويحق لهم سرقة الأضواء من النواب «القدامى»، إذا جاز التعبير، ولكن سرعان ما سيؤدّي ذلك إلى «تبخّر» كل المفاعيل التي تنتج عن التغيير، وسوف يُسقط أية فرص جديّة أمام التغيير الحقيقي بعيداً عن المزايدات والمناكفات.

إن المقاربة الإستعراضيّة للعديد من النواب التغييريين في ملفاتٍ بغاية الحساسيّة والدقة سوف ينتج عنها المزيد من البعثرة للعمل البرلماني الذي يتطلب جهوداً مشتركة بين النواب وفي إطار اللجان النيابيّة لا سيّما في مجال إصدار التشريعات المطلوبة لمواكبة خطة الإنقاذ المنتظرة والتي يعوّل عليه اللبنانيّون للخروج من دوامة الأزمة غير المسبوقة إقتصاديّاً وإجتماعيّاً وماليّاً ومعيشيّاً.

السياسة، في نهاية المطاف، هي فن الممكن وليست فن الإنتقام. لقد أوصلت السياسات الإنتقاميّة التي اعتنقها العهد المريض البلاد إلى الهاوية، وهي عكست العبثيّة الفارغة التي لطالما كانت هي السائدة في سياسات تيّار العهد ومواقفه. وأدّت المناكفات الكيديّة عمليّاً إلى إهدار كل فرص إنقاذ لبنان من مآزقه المتوالدة تباعاً من كل حدب وصوب.

صحيحٌ أن السياسة لا تخلو في بعض الأحيان من شيء من الاستعراض المسرحي، وهو غالباً ما يكون تافهاً مثل أولئك الذين يمارسونه بانتظام، ولكن- في المحصلة النهائيّة- لا بد من مقارباتٍ جديّة وواعية لمختلف تعقيدات الملفات المحليّة إذا كانت الرغبة بالتغيير حقيقيّة فعلاً، وإذا كانت النشوة الإستعراضيّة قد وضعت أوزارها.

لا تستطيع تلك القوى التغييريّة الاستمرار في مقاربة الملفات الكبرى على قاعدة إنكار وجود القوى السياسيّة الأخرى. هي تعلم، أو من المفترض أن تعلم، أنها لا تستطيع إحداث التغيير السياسي المطلوب أو البدء بالإصلاحات الهيكليّة المنتظرة، من دون أن تعترف بوجود قوى سياديّة أخرى لها حضورها السياسي والبرلماني والشعبي الفاعل منذ عقود.

هذا يتطلب منها التواضع، والخروج سريعاً من نشوة الإنتصار، والإنتقال من دائرة الضوء الإعلامي إلى دائرة العمل السياسي المباشر بعد إجراء قراءة دقيقة لنتائج الانتخابات وما تولد عنها من فوز لأحزاب لها الباع الطويل في العمل الوطني. إن هي أنكرت وجود تلك القوى، فالقواعد الشعبيّة لم تفعل ذلك، بل إنها جددت لها الثقة السياسيّة للسنوات الأربع المقبلة.

ليس لبنان بحاجة إلى «صبية» جدد في السياسة، ففيه من «القدامى» ما يكفي! إنه بحاجة إلى الواقعيّة والأخلاق في السياسة، لا أكثر ولا أقل.