سمير عطا الله

الانحراف عن اللغة إلى اللهجة – سمير عطالله – النهار

بعد انتخاب الرئيس سليمان فرنجية العام 1970 أصبح الموظفون الزغرتاويون في كل الدوائر، يشددون على إظهار لهجته المفعمة بالأثر السرياني وضمّ المفردات، مهما كان مكانها في الإعراب. لم يمضِ وقت قليل حتى منح اتفاق القاهرة منظمة التحرير الكثير من السلطة والسيادة، فكان ان طغت اللهجة الفلسطينية ورنّتها القومية من الفصحى، وقلّدها كثيرون مبالغين في اعتماد الجزء الغزّاوي منها. وبعدها جاء الاخوة السوريون، وجلس قائدهم في قلعة الاستطلاع، وصارت اللهجة السورية لغة البلاد. وعندما خرجوا سارع اللبنانيون الى استعادة البناء اللغوي الخالي من المدّات والإطالة وطول الانتظار على الحواجز في شمس النهار وقمر الليالي. غادرت اللهجة السورية، ريفية أو شامية، وكانت اللهجة الجنوبية والبعلبكية في الانتظار. اللهجة ليست هوية صاحبها فقط، بل هوية السلطة والتفوق وصورة البلد. يكفي ان نستخدم الحرب على تقاسيم تشبه اللحن، حتى يدرك السامع والمتألم وبينهما الصامت، مَن أنت وما هي قوتك، وبالتالي مدى سلطاتك، ومدى ما يتعين عليك من خضوع.

خرق “التيار” ميزان القوى وفلسفة اللهجات، عندما استبدل الثورية والتضمين والايماء، بالمباشر: الرئيس القوي. وكانت تلك نقطة ضعف “التيار” كما يقول الاستراتيجيون في لغتهم العظمى. فالقوة تعبّر عن نفسها بالتواضع، لا بالعنجهيات. ولكن في غياب وسيلة أخرى، كالضمّة الزغرتاوية أو كسرتها، و”الآيش” الكسروانية، ارتأى مفكرو “التيار” تجاوز لطائف اللغة بالمباشر المتزعم منها: الرئيس القوي.




قوي على مَن؟ مَن هو العدو الذي تخيفه ضمن جمهورية واحدة، وبلد واحد؟ يحدث هذا عندما لا تكون الهوية واحدة ايضاً، أو، كما هو الحال في اوكرانيا، عندما تكون واحدة ومتفسخة، ثم متعادية، في مربع واحد.

تعبّر الهويات عن نفسها في أشكال كثيرة. وهي غالباً ذات تاريخ دموي ونتيجة حروب متوحشة وطويلة.

كل شيء على هذه الأرض لغة وهوية. هوية الورود ألوانها. وهوية النحل أصواتها. وما العالم إلاّ هويات، قال الاستاذ هيغل: حاجة كل كيان الى الكيان الآخر من اجل بقائه، والخوف من الكيان الآخر على وجوده. لذلك، تميّز الإنسان باللغة من دون سائر الكائنات من أجل ان تكون لديه خيارات كثيرة. للياسمين الجميل فوح واحد وتعبير واحد وموقف واحد من كل ما حوله، أما الكائن العجيب الذي هو انت، فقد أُعطي مليون فكرة ومليون تعبير، وعبارات للجمال والروعة والقوة والشتيمة والغنيمة الدعيّة والسفيهة. لغة للتقاتل ولغة للتواصل ولغة للغفران. واحدة للموت وواحدة للحياة والغناء مع عمر الخيّام، أَولى بهذا القلب أن يخفقا.

اللهجة إضافة توكيدية على اللغة، في حال قصّرت هذه في نقل الرسالة. لذلك، يجيدها الاطفال في التعبير عن مشاعر الكبار وغاياتهم وحروبهم. حروب في الألعاب والحارات، تحاكي ضغائن الكبار ومكنوناتهم ونزعات التوحش والتسلط فيهم. لاحظ ان الغضب والكره لا يولٍّد الشعر إلاّ نادراً. وعلى شكل حماسيات منظومة غالباً ما تعوزها القوافي وتحشرها ندرة الاوزان. ومقابل ألف شاعر جميل هناك حطيئة واحد وبضعة من فرزدق أو جرير. وقباحة الهجاء على وزن واحد ونفَس واحد ونفْسٍ واحدة. لاحظ، رجاء، عبقرية اللغة وكيف يؤدّي تحريك حرف واحد في كلمة واحدة، بين الفتح والسكون، من معنى الى معنى. يستطيع الفرد ان يغيِّر الحركات عشرات المرات من دون لمسة عبقرية واحدة في التعبير. يستطيع ان يربح ملايين الدولارات في هوليوود الى جانب طرزان، لكن ينتهي الفيلم وهو قرد سعيد يؤدّي عشرات الحركات من دون ان يتمكن من لفظ اسم حبيبته شيتا. يحدث هذا ايضاً في عالم الناس والبشر. يردد الألوف منهم ويقلّدون من دون ان يقولوا أو ان يكتبوا كلمة واحدة. فالشرط الأساسي، وهوَ العقل، لا وجود له إلا كرسم على لوح على جدار. والثلاثة جماد لا ينطق.

خُلق الإنسان ومعه لغته لكي لا يشعر بالعزلة. لغة يضرع بها الى الله، ويكتب بها الشعر والرسائل والذكريات. وبذلك، اصبح له ماضٍ وتاريخ، بعكس زملائه على الأرض، وفيما تُركت جميع المخلوقات الأخرى تهيم في الغابات والبراري، اُعطي هو وسيلة للحوار والبناء وإنشاء نظرية المجموعة والعمل الجماعي. وتعلّم من مراقبته لحركة التاريخ أن السلم الجماعي افضل من الحروب الجماعية، والمصالحات اجدى من العداوات، والتفاهمات اكثر تحضراً من الحماقات. لكن الامثولات هشّة قصيرة البقاء. فما ان يعقل حتى يصبح به الجنون. وما ان ينتهي من بناء عظيم حتى يبدأ دماراً شيطانياً رهيباً.

بعد قيام الوحدة الاوروبية وسقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة، ظن اهل القارة أن لا حماقات جماعية بعد الآن. لقد ذهب الى الأبد زمن العقل الاحمق بعد البادىء من العصور. منذ ان جرّ اهل طروادة حصان الأعداء المشتبه فيه الى داخل جزيرتهم، ومنذ ان ارتكب شارل الثالث عشر حماقة غزو الروسيا، التي كررها امبراطورالحماقات نابوليون بونابرت، ثم كررها الرقيب النمسوي ادولف الذي مشى خلفه جنرالات وماريشالات المانيا على وقْع الجزم “اللمّاعة”.

لا حماقات بعد الآن. تنفس الاوروبيون ملء صدورهم وملأوا الشواطىء المشمسة عراة وشبه عراة. خفّضوا اسبوع العمل الى 36 ساعة، وزالت الهموم بحيث انتخبت فرنسا فخامة المسيو هولاند الذي يتنقل تحت شرفات العاشقات في الليالي، مثل كازانوفا، ولكن ناقصاً القيافة والوسامة والثقافة، وما يسميها الزعيم سليمان فرنجية “العدّة”. اطمأنت اوروبا الى سلامها حتى طفقت تبحث عن الباهتين تملأ بهم المستشاريات التاريخية ودور المقامات العالية: بوريس جونسون خلفاً لونستون تشرشل. والألماني (لم احفظ اسمه بعد) خلفاً للعزيزة انغيلا، أهم المانية بعد كاترين العظمى، التي صارت امبراطورة على الروس بجمالها وطموحها. كذلك لحق البهت بالقارة الهندية التي أحلّت محل نهرو متأنقاً بلا قيافة ولا قامة. وأما في القارة الاميركية فها هو جو بايدن يخلف دونالد ترامب ومعه الخلّاقة السيدة كامالا هاريس. واللَّهُم احمِ المسز هاريس في يقظتها الدائمة في كرسي الرجل النائم.

عندما يحل منطق اللهجة محل منطق اللغة وسعتها ودقة عباراتها، يتحول الحوار الى عدم. ويحوّل معه الأشياء الى عدميات ايضاً. تغلق قاعات الحوار وتفتح شرفات الردح التي حلّت محلها الآن شبكات التواصل وآداب السموم والنفخ في آتون الحقد.

تصغّر الهويات مسافة الرؤية وتشوّه قياسات الرفعة. ويصبح الطريق المسدود هو المنطلق، فتنتهي الأشياء حيث تبدأ. وتعتاد الناس الذهاب الى العرس بعبارات ولغة الطلاق. ويُرمى كل شيء الى منطق العدم. ولكي تعرف ماذا أعني بذلك، اقرأ البيانات الصادرة عن فريقي القتال في اوكرانيا. كل واحد يصف الآخر بـ”العدو” من أجل ان يكون البعض أكثرعربدة.