تصاعُد القمع معطوفاً على نفوذ “حزب الله”

مجد بو مجاهد – النهار

يغيب حضور لبنان عن الدول المتغنّية باحترام مبادئ الحريات العامة وحقوق الإنسان. وتبدو حلّته شاحبة وباهتة بعدما أطفأ واقع الممارسات سبل التقاط البلد أوكسيجين الديموقراطية، مع استفحال مظاهر الانتهاكات والتهديد وتركيب الملفّات التي تطاول الصحافيين والقوى السياسية المعارِضة لمحور “الممانعة”. ولم يتأهّل لبنان العام المنصرم إلى باكورة الدول المكلّلة بثوب الديموقراطية. وقد أظهر تقرير “إيكونوميست إنتليجنس يونيت” الخاص بـ”مؤشّر الديموقراطيّة” في العالم، تراجع لبنان إلى مصاف “الأنظمة الاستبداديّة” مع تدهور نتيجته على نحو كبير إلى 3.84 عام 2021 محتلّاً المرتبة 111 عالميّاً. ويترافق تدهور واقع الحريات مع تقهقر معيشي ومحاولة استنساخ تجارب أنظمة اقتصادية تابعة لدول شمولية وتوتاليتارية، بما يشمل محاصرة مؤسّسات الدولة اللبنانية وهويّة البلاد حتى الاستنزاف والتهديم. ولم تعد الإشكالية المطروحة متعلّقة بالهواجس لناحية تردّي واقع الحريات في لبنان، بل بات لسان حال مؤسسات حقوقية: متى يمكن أن يعود لبنان دولة ديموقراطية فعليّة؟




وقد بدأت مؤشرات الضغط تتظهّر بشكل أكبر على معارضي “#حزب الله” من خلال الدعوى القضائية التي تقدّم بها عبر النائب ابراهيم الموسوي على النائب السابق فارس سعيد في تشرين الثاني 2021. وقرأ محللون في الدعوى المقدّمة يومذاك أسلوباً جديداً يعتمده “حزب الله” للمرة الأولى مع معارضيه على خلفية تصاريح سياسية. ويقول لسان حال سعَيد إنه “لا يزال تحت ضغط الدعوى الوجاهية ويتعرّض كأي مواطن آخر، لكن المهم يبقى في ألّا تضيق مساحة التعبير من خلال محاولة “حزب الله” والأجهزة الأمنية التي تدور في فلكه، استنساخ تجربة الجهاز الأمني اللبناني – السوري عبر جهاز أمني لبناني – إيراني يضع يده على البلد ويحاول قمع معارضيه”. ويقرأ لـ”النهار” في “تأجيل مسار الدعوى القضائية إلى كانون الأول المقبل، حتى ما بعد موعد الانتخابات النيابية، كي لا تتحوّل الدعوى إلى معطى ينعكس ايجابياً على حظوظه الانتخابية ولاعتبارات الرهان على إمكان ممارسة ضغط على القضاء”. ويرى سعيد أن “التميّز الذي تحدّثنا به كلبنانيين بالنسبة لموضوع الحريات مقارنة مع سوريا والعراق قد سقط، لأن الحاكم واحد والاحتلال واحد في البلاد الثلاثة حالياً. وبات أسلوب التعامل مع موضوع حريّة التعبير والكتابة والعمل السياسي والحرية الصحافية هو نفسه أيضاً. وقد التحق لبنان بدائرة القمع الممارسة على شعوب مجاورة، في ظلّ وسائل ترويع أكثر تطوّراُ بعدما أصبحت وسائل التعبير أكثر حداثة”.

وتشابهت خطوة تقديم الإخبار مع الصحافي #طوني بولس. ويعبّر بولس لـ”النهار” عن “ترافق الاخبار الذي تقدّم به “حزب الله” مع تحريض كبير على الصحافيين وهدر دمهم عبر الجيوش الالكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي”. ويتساءل: “لماذا تحويل القضية إلى فرع أمنيّ طالما أنها مرتبطة بتصريح صحافيّ إلى وسيلة إعلامية؟”، طارحاً أسئلة حول “استنسابية في قبول الإخبارات في غياب المعايير الواضحة”. ويقول: “تكمن المفارقة أن الدولة تحوّلت أداة ترويع في غضون السنوات الماضية خلال العهد الحالي الذي تماهى مع “حزب الله” في تحويل الدولة إلى أمنية. وتهمّش دور محكمة المطبوعات وتحولت الملاحقات إلى الفروع الأمنية بما شكل انتكاسة كبرى للديموقراطية”. ويرى في “تحويل القضية إلى جرائم المعلوماتية أو أي فرع أمنيّ بدلاً من محكمة المطبوعات، بمثابة انتهاك للآلية القانونية بهدف الضغط المعنوي على الصحافيين ومحاولة استغلال القضاء لأهداف الترهيب ومحاولة الإخضاع ومنع التحقيقات في الاغتيالات وترويع الصحافيين”. وهو بصدد تحضير دعوة قضائية وتحويلها قضية رأي عام أمام النيابة العامة الاستئنافية نفسها في جبل لبنان.

يقارب المسؤول الاعلامي في #مؤسسة سمير قصير جاد شحرور واقع الحريات في لبنان، انطلاقاً من تأكيده لـ”النهار” أنّه لم يعد جائزاً السؤال إذا كان لبنان قد تحوّل دولة قمعية، باعتبار أنّ عدد الانتهاكات ومؤشر الأرقام يؤكّد أنّ الحريات لم تعد موجودة. ويتمثل السؤال الأساسي برأيه في ما “إذا كان هناك لا يزال من هامش للرأي الآخر، بغضّ النظر عن الانتماء لأي فريق سياسيّ أو اعتباره حيادياً. ويدور النقاش راهناً حول ما إذا كانت حقوق الإنسان موجودة في لبنان أو غير موجودة. ويتّضح بحسب التقارير المحلية والدولية المتعلّقة بحرية التعبير في لبنان، أن الحريات غير موجودة وسط الاغتيالات والتهديدات وعمليات القمع. ولم يعد هناك ديموقراطية في لبنان. ولا يعتبر الموضوع محصوراً بعدد الانتهاكات”. وبالنسبة لشحرور فإن “خطاب الكراهية حاضر لدى الأحزاب بنسب متفاوتة، وكلّ فريق لديه أدواته للرد على الفريق الآخر. وتختلف الأدوات لكن الأحزاب لديها المنهج نفسه، لا حزب واحد فحسب. وتخطف السلطة مجتمعة نظام الديموقراطية في لبنان. ويرتبط واقع لبنان الغد بالمسار السياسي في البلاد، في ظلّ دور للمشرّع والحكومة التنفيذية. ويرسم تغيّر الأشخاص في المواقع النيابية والحكومية والرئاسية السياسة الثقافية في لبنان. ولا بدّ أيّ تغيير أن يأتي من خلفيّة متعلّقة بحقوق الإنسان والحرية الصحافية والإعلاميّة. ويغيّر دخول روحية جديدة إلى السلطات الواقع العام، من خلال الخروج من دوامة المحاصصة السياسية واختيار وزراء أصحاب معرفة واحترام لحقوق الإنسان”. ويستنتج أنّها “معركة شعب… لا معركة الصحافة فحسب”.