هوكشتاين: أعطوا شيئاً لإسرائيل!

سابين عويس – النهار

بدأت الزيارة المنتظرة لمسؤول أمن الطاقة في الادارة الاميركية #آموس هوكشتاين المكلَّف دور الوساطة في المفاوضات غير المباشرة بين #لبنان واسرائيل، وذلك بناء على طلب رسمي لبناني من أجل معاودة المفاوضات والتعامل مع الازمة المستجدة بفعل بدء إسرائيل عمليات استخراج الغاز من حقل “كاريش”. والزيارة التي تأتي بعد عام على توقف المفاوضات، واربعة اشهر على زيارة الوسيط الاميركي في شباط الماضي، تتسم بأهمية بالغة نظراً الى ما ستحمله من دلالات من شأنها ان تبلور الموقف الاميركي حيال لبنان، وترسم خريطة الطريق التي سيسلكها البلد في المرحلة المقبلة، وهي في الواقع تذهب في اتجاهين: إما التفاهم على الحل، وإما الذهاب الى جولة جديدة من المماطلة واستنزاف الوقت الذي سيكون أثره على لبنان المنهار سياسيًا واقتصاديًا سيئاً وخطيراً جداً.




اهمية الملف المفتوح في توقيت ملتبس تزامن مع وصول الباخرة اليونانية ومباشرتها أعمالها، انه دفع الدولة بكل مكوناتها الى إظهار الحرص والجهد من اجل توحيد الموقف اللبناني الرسمي، خصوصاً ان هذه المكونات عينها كانت استمهلت هوكشتاين حتى انجاز الانتخابات النيابية، على ان تبلغ موقف لبنان في شكل رسمي غداة ذلك. لكن عقارب الساعة تدور، ولم يكن أي مسؤول في وارد فتح الملف الآن، سيما وان البلاد على اعتاب استحقاق تشكيل حكومة جديدة، وقد مضى على انجاز الاستحقاق النيابي شهر كامل، ولم يبادر رئيس الجمهورية الى تحديد موعد للاستشارات النيابية الملزمة، تمهيداً لإطلاق المسار الدستوري للتكليف فالتأليف.

الاهمية معطوفة كذلك على التهديدات الاسرائيلية العالية النبرة ضد لبنان، تواكبها تهديدات مماثلة من قِبل “حزب الله”، وان كانت ربما أقل حدة، بعدما وضع الحزب موقفه ورد فعله تحت سقف الدولة وما تتبناه من موقف رسمي، علماً ان الدولة لن تتبنى أي موقف ما لم يكن صادراً او منسقاً مع الحزب!

الايام القليلة الماضية منذ تفجُّر هذا الملف كانت كافية لكل مسؤول او معني لأن يدلي بدلوه، ويزايد على الآخرين. واليوم، ومع وصول هوكشتاين ومباشرته فوراً لقاءاته، يرمي هؤلاء الكرة في مرمى الوسيط، لعله يكون حاملاً شيئاً جديداً يساعد لبنان على الالتفاف على فكرة الموقف الموحد، وهي فكرة غير قابلة للتنفيذ، رغم ان الجيش والحزب قد وضعا موقفيهما وقراريهما تحت سقف الدولة والتزاما قرارها. وفي اعتقاد هؤلاء ان الاستماع الى ما لدى الرجل في هذا الشأن، يمكن ان يسهم في تنصلهم من اعلان اي موقف يستبق ما يمكن ان يحمله معه. لكن الواقع ان الرجل يأتي بناء على طلب لبنان، لتبلّغ الموقف اللبناني في شكل رسمي، ولو كان تبلغه مسبقاً في شكل شفهي، ليبنى على هذا الموقف المقتضى، علماً ان الثابت والاكيد ان الخط 29 ليس على اجندة التفاوض الذي كان انتهى قبل عام عند نقطة الخط 23 مع اقتطاع جزء منه بنسبة 20 في المئة لمصلحة اسرائيل، النقطة التي يرفضها في شكل قاطع لبنان على قاعدة ان لا تقاسم حقول وبلوكات، وان كان برعاية وتنفيذ شركات اميركية.
وفي وقت يغرق لبنان في البحث عن مخرج يوائم ما بين الشروط الاميركية الاسرائيلية، وعدم التنازل عن حقوقه في ثروته النفطية، حتى لو كان الحلقة الأضعف في التفاوض، الا ان الامر الذي يكتسب اهمية بالغة في تحديد مصير هذا التفاوض يكمن في الموقف الاميركي، وفق ما تقول اوساط سياسية مطلعة على جوانب هذا الملف. ذلك ان للموقف الاميركي ان يحدد المسار الذي سيسلكه الملف واستطراداً الوضع اللبناني برمّته.

وتعول هذه الاوساط على ما سينقله هوكشتاين عن ادارة بلاده حيال لبنان وسياستها تجاهه، هل هي تعتزم دعم البلد ام سحب يدها منه؟ فالبلاد غارقة اليوم في حال المراوحة ما بين عدم توحد الموقف اللبناني الرسمي والحسم على قاعدة اعطاء شيء لإسرائيل. هذا ما كان سمعه اللبنانيون من هوكشتاين في زيارته الاخيرة: أعطوا شيئاً لاسرائيل من اجل الوصول الى قواسم مشتركة تنجز الاتفاق.

في لقاءات هوكشتاين الآن، سيتكشف الموقف الاميركي وما اذا كان ثمة قرار بدعم لبنان واقفال الملف او الابقاء على “الجرجرة” مع ما يعنيه الخيار الاخير من انفتاح لبنان على كل الاحتمالات السيئة والمحظورة، بما فيها وفي الدرجة الاولى الخطر الامني الذي يراوح ما بين الاضطرابات وتعكير الاستقرار وصولًا الى المواجهة والحسم العسكري.

فهل يحمل الوسيط دعماً اميركياً يساعد لبنان على تخطي القطوع فيرسي أسس الترسيم، تمهيداً لوضع البلد على سكة الإفادة من ثروته ولو بعد سنوات، ام تستمر حال “الجرجرة”، عاكسة لامبالاة اميركية باستقرار البلد، ما سيجعلها مفتوحة على أقصى احتمالات المواجهة؟