هواجس صعوبة التأليف… ومؤشّر الخفوت الحكوميّ

مجد بو مجاهد – النهار

تباشر القوى السياسية عقد مشاوراتها الداخلية واجتماعاتها التنسيقية مع الكتل النيابية التي تشبهها في العناوين الاستراتيجية. ويحضر موضوع الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار رئيس مكلّف تشكيل الحكومة عنواناً أساسياً على طاولة المحادثات. ولا يبدو أن المؤشّرات ترسم أيّ بصيص انقشاعٍ مقبل في التأليف القريب أو البعيد، على تعدّد سيناريوات التشكيل التي يبدو أنها تقود جميعها إلى طاولة حكومة تصريف الأعمال، وفق ما يستنتج من انطباعات تكتلات بارزة، لا تستقرئ أفقاً مفتوحاً أمام العقبات التي يمكن أن تتظهّر أمام الرئيس المكلّف المقبل. وتخفت أضواء الرهان على حكومة جديدة لجملة معطيات تنطلق من التلويح باشتباك سياسي مرتقب حيال نوع الحكومة وشكلها ودورها السياسي، خصوصاً أن ثمة محاذير متظهّرة لجهة كيفية مقاربة محور “الممانعة” للاستحقاق الحكومي وسط هواجس من اقتراح اشتراطات تقف حجر عثرة في وجه بداية تطبيق البنود الإصلاحية. ولا يخفى أنّ الأجواء المتحدّثة انطلاقاً من الكواليس المقرّبة من الرئيس نجيب ميقاتي تبدو غير مرتاحة عموماً للصورة المقبلة والظروف المحيطة بالمرحلة المقبلة على تنوّع احتمالاتها تكليفاً وتأليفاً أو تصريفاً للأعمال، لجهة العوائق التي يمكن أن تؤثر سلباً على أي جهود مبذولة للبدء بالمعالجة التطبيقية للإصلاحات الضرورية. وتطرح تساؤلات جليّة حول مدى إمكان تحقيق التوافق على مضمون البرنامج الاقتصادي بين الأحزاب التي منها من بدأ يلوّح بطرح فكرة حكومة خارج الاعتبارات التقنية.




وعلى هامش الواقع المراوح مكانه حتى اللحظة، تقرأ الأحزاب السيادية في سياق تطوّرات المرحلة وصعوبة الوصول إلى تشكيل حكومة جديدة لاعتبارات الشروط التي يمكن أن تضعها قوى “الممانعة”، خصوصاً أن الكتل السيادية بدأت تستشعر “ضوضاء” على طريقة مداولات بين فريق 8 آذار غايتها الوصول إلى “تأليف قبل التكليف” بدءاً من شكل الحكومة ونوعها ووصولاً إلى وزرائها. ويردّد نواب سياديون أنه لا بدّ من الاختيار بين “حكومة مئة ألف صاروخ” أو “حكومة إصلاحية” قادرة على التواصل مع العرب. وفي الغضون، انبثقت أجواء مؤكّدة على أهمية تنسيق الكتل السيادية مع بعضها البعض في مقاربة الاستحقاقات المقبلة. ولوحظ أن مؤشرات التقارب والتشاور بين الكتل والشخصيات السيادية التي انبثقت من استحقاق الانتخابات النيابية الماضية، بدأت تتظهّر بشكل أكبر خلال الأيام الماضية بما يرسم علامات إيجابية لناحية الوصول إلى مقاربات موحّدة.

إلى ذلك، انعقد لقاء ضمّ عن “اللقاء الديموقراطي” كلاً من النائبين أكرم شهيب ووائل أبو فاعور في معراب في إطار التشاور مع “القوات اللبنانية” في عناوين المرحلة. وتشير معطيات “النهار” إلى أن الاجتماع أكّد ضرورة توافق القوى السيادية مع بعضها البعض، في مقاربة عناوين المرحلة المقبلة وللعمل على وصول حكومة تستطيع كرئاسة وكفريق وزاريّ التحدّث إلى العرب ومعهم، بما يتوافق مع الرؤية والمصالح اللبنانية – العربية. وأشار الاجتماع إلى أهمية تشكيل حكومة قادرة على متابعة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وانطلقت مقاربة التقدمي الاشتراكي و”القوات” من هذه العناوين لتؤكّد أنّ المعطى لا يرتبط والانطلاق من تسمية موحّدة بقدر ما يتناول العناوين التي يستوجب أن يكون رئيس الحكومة المقبلة قادراً على بلورتها بما يتجانس مع القدرة على تلبية المطالب المعيشية للمواطن أولاً، والتي تمرّ بالإصلاحات والانفتاح على المجتمع العربي والدولي. وتطلق مقاربة “القوات” والتقدمي تحذيرات من مقاييس حكومية مقبلة مرتبطة باعتبارات المصالح السياسية، مع إشارتها ضرورة ابتعاد أي فريق وزاري مقبل عن تسلّط محور “الممانعة”.

وتلفت مصادر نيابية في “اللقاء الديموقراطي” إلى أن الهواجس نفسها التي تتكرّر في كلّ استحقاق حكوميّ مرتبطة بالشروط التي توضع مسبقاً على الرئيس المكلّف قبل تكليفه. وقد شهدنا في المرّة السابقة تأخيراً في موعد الاستشارات وبيانات صدرت قبل إتمامها وكأنها تشكّل بمثابة ضغط للاستقواء وفرض شروطها على الرئيس المكلّف في الموضوع المحاصصيّ واختيار الوزارات وتعيين الأشخاص. وتشير إلى أن “اللقاء الديموقراطي” لم يتّخذ قراره بالمشاركة في الحكومة من عدمها، مع الإشارة إلى أن الجوّ الداخلي الحزبي غير متحمّس للمشاركة في الحكومة المقبلة. وتنخفض الحماسة لجهة المشاركة الحكومية لدى فئة من البيئة الجماهيرية المؤيّدة للحزب التقدمي، باعتبارها أنّ المجالس الوزارية المتعاقبة في السنوات الماضية لم تكن صاحبة القرار الفعلي الجديّ والنهائيّ للإنقاذ، بل واجهت حواجز منعتها من تنفيذ سياساتها والوصول إلى تحقيق الإصلاحات المنشودة والمنتظرة. وتدعو مصادر “اللقاء الديموقراطي” للعمل على تشكيل حكومة بعنوان يحدّد بنود الأشهر الأربعة المقبلة على أساس تفعيل الاصلاحات واستكمال المشاورات مع صندوق النقد الدولي. وترفض منطق تشكيل حكومة غايتها استلام السلطة ومعطوفة على تعطيل استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية. ولا تعتبر أن ثمّة ضرورة للبحث عن تغيير جذري في شكل الحكومة المقبلة، بل الانطلاق من المضمون واستكمال عناوين حكومة تصريف الأعمال للتأسيس للمرحلة المقبلة الممتدة أربعة أشهر. ويحذّر “اللقاء الديموقراطي” من نغمة العودة الى نظرية الثلث المعطّل التدميرية التي أدّت إلى الانهيار، مع تأكيده ضرورة أن يكون مجلس النواب المصدر المعتمد عليه لحيازة الحكومة الثقة. ويتخوّف من الاتجاه إلى الفراغ في سدّة الرئاستين الأولى والثالثة التي يمكن أن تؤدي إلى سيناريوات أكثر دراميّة. ويعتبر أي تأجيل للاستحقاقات الدستورية هو بمثابة جريمة بحقّ الوطن.