“ملايين الوافدين ومليارات الدولارات”.. لبنان “يلتقط أنفاسه” في الموسم السياحي

أسرار شبارو – الحرة

“لبنان أمام فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسه خلال فصل الصّيف”؛ بهذه الكلمات بشّر رئيس اتحاد النقابات السياحية، بيار الأشقر، اللبنانيين، مطلعا إياهم على تسجيل قدوم نحو مليون و200 ألف شخص غالبيتهم من المغتربين، ما سينعكس ايجابا على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، بحسب قوله.




يوتوقعت تدفق بين مليارين وثلاثة مليارات دولار إلى البلد الذي يعاني منذ عام 2019 من أزمات متعددة على مختلف الأصعدة، وعلى رأسها شح الدولار وما نتج عنه من انهيار للعملة الوطنية، أصاب كل القطاعات بالصميم.

إنجاح موسم السياحة الذي يعتبر في غاية الأهمية للبنان ولكل لبناني، كما يقول الأشقر “مسؤوليّة الجميع، من رأس الهرم حتى كل مواطن على مختلف الأراضي اللبنانية”. وفي حديث لموقع “الحرة” عزا عدم ارتفاع أعداد المغتربين العام الماضي إلى أمور على رأسها الحجر الصحي الذي كان يفرض على القادمين لمدة 5 أيام، و14 يوما على من يغادر البلد.

من كل دول العالم ينتظر مطار رفيق الحريري الدولي وصول الوافدين الذين ارتفع عددهم خلال شهر مايو الفائت بنسبة 52,73 بالمئة عما كان عليه في مايو 2021، وسجل 234 ألفا و286 راكبا. في حين بلغ مجموع الرحلات الجوية لشركات الطيران الوطنية والعربية والأجنبية التي استخدمت المطار خلال شهر مايو الفائت 4096 رحلة بزيادة 46 بالمئة عن مايو 2021، منها 2052 رحلة وصول إلى لبنان بزيادة 46,67 بالمئة، و2044 رحلة مغادرة من لبنان بزيادة 45,37 بالمئة.

وبلغ مجموع الرحلات الجوية من لبنان وإليه، منذ مطلع العام 2022 وحتى نهاية شهر مايو، 17953 رحلة، مقابل 11707 رحلات في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2021، أي بارتفاع 53,35 بالمئة. وارتفع المجموع العام للمسافرين عبر المطار منذ مطلع العام 2022 وحتى نهاية شهر مايو مليونا و988 ألفا و10ركاب، بزيادة نسبتها 89,28 في المئة مقارنة بالأشهر الخمسة الأولى من العام الفائت 2021.

اكتمال الحجوزات

حجوزات الطيران والفنادق بلغت أقصاها، وحتى بيوت الضيافة وعددها 127 أيضا محجوزة بالكامل  لمدة ثلاثة أشهر، بحسب ما قاله وزير السياحة وليد نصّار، وهو ما أكده نقيب أصحاب مكاتب السفر والسياحة جان عبود الذي أطلع موقع “الحرة” على أن “حجوزات الطيران من مختلف دول العالم اكتملت من شهر يوليو وحتى سبتمبر، متوقعا زيادة عدد الرحلات خلال الأيام العشرة القادمة”.

ويقول وليد تمساح وهو مالك مكتب سياحة وسفر، وكيل لشركات طيران عالمية، أن “نحو 95 بالمئة من الرحلات اكتلمت حجوزاتها،  لكنه يلفت، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن هناك عددا كبيرا ممن يحملون الجنسية السورية من بين القادمين إلى لبنان “بعضهم لزيارة أهلهم والقسم الأكبر يتخذ من مطار رفيق الحريري محطة ترانزيت، كون لا يوجد أي شركة طيران في الغرب تحط في مطار دمشق، وكذلك حال الدول العربية باستثناء تلك التي تفتح مطاراتها أمام شركتي أجنحة الشام والخطوط الجوية السورية”.

سيحط يوميا في مطار بيروت “نحو 110 طائرات تقل كل منها  بين 150 و 160 راكبا، أي انه سيصل يوميا بين 17 ألف و19 ألف شخص وذلك على مدى ثلاثة أشهر”، بحسب عبود الذي شدد كذلك على أنه “لا يمكن مقارنة حركة المسافرين إلى لبنان العام الماضي بهذا العام، إذ حينها كان هناك اعتبارات مختلفة إذ بلغ عدد الوافدين اليومي في ذات الفترة التي نتحدث عنها ما بين 11 ألف إلى 12 ألف راكب”. أما نصّار فتوقع  “وصول ما بين 10 و 12 ألف شخص يوميا، أي أكثر من مليون وافد خلال الأشهر الثلاثة المقبلة”.

ثمانون بالمئة من الحركة السياحية المتوقعة هي لزيارات عائلية، كما يشير تمساح، “وبسبب أزمة الكهرباء فإن العدد الأكبر منهم سيفضل المكوث في الفنادق كون المنازل تغمرها الظلمة ليلا ومحرومة من تشغيل المكيفات”، طالبا من “الدولة اللبنانية إعطاء الإذونات لشركات الطيران لوصول مزيد من الرحلات كي يتمكن أكبر عدد من الراغبين بالقدوم إلى لبنان من القيام بذلك”.

ولإنجاح الموسم السياحي، طلب نصّار من الإدارة الإعلامية لـ”حزب الله” و”حركة أمل” تخفيف الصور والرموز الموجودة على طريق المطار ورفع صور معالم لبنان السياحية، مشددا خلال حديث تلفزيوني على أنها المرة الأولى التي يطلب فيها بكل موضوعية ومحبة واحترام.

الرد على طلب نصّار جاء من رئيس بلدية الغبيري، معن الخليل، الذي قال خلال حديث تلفزيوني “في طريق المطار لا يوجد لوحات مخالفة للقانون، وتشجيعا للسياحة إن كان الوزير يريد أن يرخص مزيد من الاعلانات، فنحن نرحب بذلك”.

دولرة وحرمان

قبل أيام أصدر وزير السياحة تعميما سمح من خلاله للمؤسسات السياحية بشكل استثنائي واختياري بإعلان لوائح أسعارها بالدولار الأميركي على أن تصدر الفاتورة النهائية بالليرة اللبنانية أو بالدولار الأميركي حتى نهاية سبتمبر المقبل، مبررا قراره بالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وخصوصا لناحية تقلب سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية وتمكينا لحسن مراقبة ومقارنة الأسعار.

دولرة القطاع السياحي شكلت صدمة للبنانيين المقيمين الذين يعجز معظمهم عن شراء سندويش وليس فقط زيارة مطعم أو مسبح، حيث أطاح سعر صرف الدولار بقدرة فقراء لبنان حتى على تأمين المواد الغذائية الضرورية، وقد ذكر التقرير المشترك الصادر عن برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، لبؤر الجوع الساخنة، أن لبنان لا يزال من ضمن البلدان التي تشكل بؤرا ساخنة للجوع.

لا تقل قيمة فاتورة مطعم لعائلة من أربعة أشخاص عن مليون ليرة، أي ما يفوق الحد الأدنى للأجور بـ325 ألف ليرة، هذا إذا افترضنا أن الأمر اقتصر على طلب الدجاج، أما إذا وقع الاختيار على اللحم والسمك عندها لن يكفي راتب بأكمله لتسديد الفاتورة، من هنا أصبحت السياحة في لبنان حكرا على الأجانب والمغتربين، حيث بات أرخص على اللبناني المقيم السفر إلى تركيا وغيرها من البلدان إذا أراد الترفيه.

وفقا لبرنامج الأغذية العالمي، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في لبنان بصورة إجمالية بنسبة 1000% منذ بدء الأزمة الاقتصادية، وبلغ التضخم نسبة 215% في شباط 2022، ولم ينس اللبنانيون بعد التقرير الذي نشرته “اليونيسف” في شهر يوليو الماضي، وذكرت فيه أن أكثر من 30% من أطفال لبنان ينامون ببطون خاوية، لعدم حصولهم على عدد كاف من وجبات الطعام، في حين لا تملك 77% من الأسر ما يكفي من غذاء أو مال لشراء الغذاء.

وعن دولرة فاتورة المطاعم، شرح أمين سرّ نقابة المطاعم خالد نزهة قائلا “نحن نسعر بالدولار ويمكن الدفع بالليرة اللبنانية على سعر صرف السوق الموازية اليومي، كون كل التجار يحاسبون المطاعم بالعملة الخضراء سواء تعلق الأمر بالمازوت أو الغاز أو اللحم وغيرها”.

وأضاف في حديث لموقع “الحرة” “لم يعد الأمر كما في السابق حين كنا نحاسب على سعر الصرف الرسمي أي 1500 ليرة، حيث كانت المطاعم تشتري ما تحتاجه على مدى شهر، اليوم صاحب المطعم مجبر على الدفع مباشرة في وقت ارتفعت فيه الكلفة بنسبة كبيرة، لاسيما أسعار المحروقات”.

لكن لا ضمانات لثابت أسعار السلع كما يؤكد  الباحث الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة لموقع “الحرة” “سيستغل التجار هذا القرار لتحقيق أرباح سواء من المقيمين أو المغتربين والسياح، حيث سيتم رفع الأسعار، عدا عن العمولات في حال جرى الدفع ببطاقة الائتمان، أما إذا قرر الزبون الدفع بالليرة اللبنانية فسيتم احتساب سعر الصرف كما يهوى صاحب المطعم، إذ لا عدد كافيا من المراقبين لدى وزارتي السياحة والاقتصاد لضبط الوضع”.

بعد أن كا،ن قطاع المطاعم يحتضر، أخذ نفسا بحسب ما يصف نزهة، مشيرا إلى أن “من تمكن من الصمود والاستمرار وضعه أفضل الآن، في حين نأمل أن تعاود المطاعم التي أجبرتها الظروف الاقتصادية على غلق أبوابها إلى العمل مجددا، وها نحن نعول على السياح الذين يأتون بكثرة من العراق ومصر والأردن، وننتظر من الخليجيين أن يزوروا بلدهم الثاني لبنان حيث اعتادوا على تمضية الصيف وإقامة الاعراس والتعلم والطبابة”.

إيجابية محدودة

الآثار الإيجابية لحركة القادمين على الاقتصاد لا تتعلق فقط، كما يقول الأشقر، “بالمطاعم والفنادق وغيرها من المؤسسات السياحية بل أن كل القطاعات تستفيد منه، من سائق سيارة الأجرة إلى السوبرماركت إلى القطاعين الزراعي والصناعي”. والسوق اللبناني متعطش، يشدد نزهة، “للمغتربين والأموال التي يصرفونها بعد الفترة الصعبة التي مرّ بها، وسيلمس القادمون  الفرق الكبير في الأسعار بين البلد الذي يعيشون فيه ولبنان نتيجة تدهور سعر صرف العملة الوطنية”.

ضخ الإيجابية في الأجواء لم يحل دون تعبير الخبير الاقتصادي، لويس حبيقة، عن أسفه كون “في كل مرة يجري فيها الحديث عن صيف واعد يخرج السياسيون بتصريحات عن صراع محتمل، واليوم يتكرر الأمر”، متسائلا في حديث لموقع “الحرة” “من سيقصد لبنان في ظل هذه الأجواء المتوترة؟! في الحقيقة أنا غير مطمئن وإن كنت أتمنى أن يصل العدد الذي أعلن عنه”.

كذلك تمنى نزهة  أن يسود الهدوء والاستقرار المالي والصحي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي، والأهم، كما يشدد السياسي، “لا بد من هدنة سياسية كي نتمكن جميعا من النهوض ببلدنا”.

للاطلاع على التحضيرات الجارية استعدادا لبدء الموسم السياحي، قام رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، بجولة في مطار رفيق الحريري الدولي، حيث عبّر عن اطمئنانه لسير الإجراءات في المطار، وقال: “نُدرك الأوضاع والصعوبات، ولكن رغم ذلك، وبعد الجولة التي قمت بها، أنا مطمئن جدا، وأهلا وسهلا بأهل البلد الذين ننتظرهم في بلدهم”.

وفي ما يتعلق بموضوع الأمن داخل المطار، قال ميقاتي “نحن بحاجة إلى 100 عنصر أمن إضافي، وسنقوم باجتماعات مع الوزراء والمعنيين أمنيا لتعزيزه”. وأكد وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، خلال الجولة التي رافق فيها ميقاتي أن “الأمن في لبنان بحالة جيّدة، والصيف واعد، ونُطمئن الوافدين أن جهاز أمن المطار يقوم بواجبه لأن هذا الأمر يتعلق بسمعتنا”.

وفيما إن كان  إدخال العملة الخضراء سيؤدي إلى خفض سعر صرف الدولار، أجاب حبيقة “بالتأكيد سيؤثر وسيساهم في انتعاش البلد لكن لفترة مؤقتة أي لأشهر معدودة، كون لبنان يحتاج إلى استثمارات وليس فقط زيارات نقدّرها، وذلك لكي يكون التأثير الإيجابي دائما”.

سعر صرف الدولار لم يعد مرتبطا، كما يقول عجاقة، “بالعرض والطلب الاقتصادي، بل بالسياسة”. ويضيف “قسم كبير من هذه الأموال سيصرف في السوق الداخلي أي في العملية التجارية الطبيعية في المطاعم والفنادق وغيرها، في حين أن القسم الآخر سيذهب إلى السوق السوداء، من هنا استبعد أن يكون لأموال القادمين تأثير كبير على سعر صرف الدولار”.

قدر البنك الدولي حجم تحويلات المغتربين الوافدة إلى لبنان بـ6.6 مليار دولار في العام 2021 مقابل 6.2 مليار دولار في العام 2020، ليحلّ لبنان في المركز الثالث إقليميا بعد مصر (31.5 مليار دولار) والمغرب (10.4 مليار دولار).

وفي الوقت الذي يبدي فيه المسؤولون تفاؤلهم بتدفق مليارين إلى ثلاثة مليارات دولار، يلفت عجاقة إلى أن حجم التداول على منصة صيرفة يبلغ شهريا مليارا و980 مليون دولار، اذ بمعدل يومي يتم التداول بـ 90 مليون دولار على فترة عمل 22 يوما في الشهر، صرف منها كمُعدّل شهري مليارا و268 مليون على الاستيراد، أما الباقي (أي 712 مليون دولار) فأغلب الظن أنها ذهبت لتحقيق أرباح لمن يشترون من المنصة على سعر 24,500 ليرة ويبيعون في السوق السوداء على سعر صرف 28 ألف ليرة”.