هجرة الكفاءات.. لبنان بلا أطباء أو ممرضات!

يجتمع الآباء اليائسون خارج أحد المستشفيات اللبنانية الرائدة طلبا لمساعدة أطفالهم المرضى، بينما تبقى الأسرّة داخل وحدة العناية المركزة للأطفال فارغة وغير مراقبة.

قال إيلي شويري رئيس قسم العناية المركزة للأطفال بالمستشفى، إنه لا يوجد عدد كاف من الممرضين والممرضات لإبقاء الوحدة مفتوحة، ويضطر الموظفون إلى رفض تحويل الأطفال المرضى، حيث تسبب نزوح جماعي للعاملين الطبيين على مستوى البلاد في إنهاك النظم الصحية.




وقال شويري، من مستشفى أوتيل ديو دي فرانس في بيروت، الذي لا تزال وحدة الأطفال به فارغة “يموت الأطفال لأنهم لا يمكن رعايتهم. إنه وضع مأساوي وكارثي”.

ما يقرب من 40 في المئة من أطباء لبنان وحوالي 30 في المئة من الممرضين غادروا البلاد منذ انهيار الوضع في 2019

ويشهد الاقتصاد اللبناني حالة من السقوط الحر منذ 2019، حيث فقدت عملة البلاد أكثر من 90 في المئة من قيمتها، مما دفع ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان لبنان إلى الفقر، ودفع العديد من الأطباء والممرضين والممرضات إلى البحث عن فرص أفضل في الخارج.

وانهار النظام الطبي في لبنان، الذي كان من بين الأفضل في الشرق الأوسط، حيث تكافح المستشفيات والعمليات الجراحية للتعامل مع الموظفين المغادرين.

وذكرت منظمة الصحة العالمية في سبتمبر 2021 أن ما يقرب من 40 في المئة من أطباء لبنان وحوالي 30 في المئة من الممرضين غادروا البلاد منذ أكتوبر 2019.

ولا يزال المزيد في طور تجهيز أوراقهم للهجرة، حسب نقيب الأطباء شرف أبوشرف. وقال إن العديد من المغادرين متخصصون على درجة عالية من الكفاءة مثل الجراحين وأطباء الطوارئ وأطباء العناية المركزة، مما أجبر المراكز الطبية على إغلاق بعض الأقسام حيث لم تعد الخبرة موجودة.

وشهد مستشفى أوتيل ديو دي فرانس، أحد أكبر المستشفيات وأكثرها شهرة في البلاد، مغادرة 133 من أصل 500 ممرض منذ بداية الأزمة.

وقال شويري إن “أسوأ جزء هو أن المزيد من العائلات تحاول جاهدة إدخال أطفالها المرضى إلى المستشفيات”. وأشار إلى أن العديد من المستشفيات لم تتمكن من تحمل تكاليف اللقاحات المستوردة في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى “وجود مجموعة كبيرة من الأطفال غير محميين من الأمراض وآثارها”.

أوضاع متدهورة

يقول عمال الرعاية الصحية إنهم يكافحون للتعامل مع الانخفاض في مداخيلهم نتيجة الانخفاض الكبير في قيمة العملة وتزايد أعباء العمل التي ترهقهم وتجعل المرضى معرضين للخطر.

وقالت نقيبة الممرضين والممرضات ريما ساسين قازان إن المستشفيات تطلب الآن من الممرضات رعاية ما يصل إلى 20 مريضا في وقت واحد، وهو ما يمثّل انتهاكا للإرشادات الصادرة عن نقابة الممرضين التي توصي بحد أقصى سبعة مرضى لكل عامل في الخدمة.

وقال أحد المهنيين الطبيين الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته إن “هجرة الأدمغة في مجال الرعاية الصحية تهدد صحة الملايين من الناس ويحتاج القطاع بشكل عاجل إلى الإنعاش”.

وبدأ الأطباء والمستشفيات إضرابا لمدة يومين في مايو، ولم يقبلوا سوى الحالات الطارئة ومرضى غسيل الكلى، وذلك احتجاجا على سياسات البنك المركزي التي قالوا إنها تعيق قدرتهم على العمل ودفع رواتب الموظفين.

ووصلت فيمة الليرة اللبنانية إلى 1500 مقابل الدولار، لكن أسعار السوق السوداء المستخدمة على نطاق واسع أدت إلى انخفاضها إلى 28000 وهو تفاوت يؤثر بشكل كبير على نفقات المستشفيات وإيراداتها وقيمة الرواتب.

وقال وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية فراس الأبيض إن الوزارة تعمل على وقف نزوح العاملين الصحيين. وصرّح لمؤسسة تومسون رويترز أن “الخطة تشمل زيادة الاستثمار في البنية التحتية الصحية، وأجور عادلة للعاملين، وخلق بيئة شاملة تفيدهم وتشجعهم على البقاء في البلاد”.

وقالت الممرضة منال زعيتر، البالغة من العمر 32 سنة، إنها لم تكن تنوي مغادرة لبنان، لكن الأزمة أعادت تشكيل خطط حياتها. وغادرت إلى بلجيكا العام الماضي لأنها أرادت أن تعيش في بيئة أكثر استقرارا.

وأضافت ” أحتاج إلى ألا أعيش في ذعر بشأن سلامة أطفالي، ويساعدني هذا في التركيز على عملي وواجباتي”.

ارتفاع الأسعار

تفاقمت الأزمة الطبية في لبنان بسبب نقص الأدوية والإمدادات الأخرى. فكثيرا ما يُطلب الدم والأدوية الأساسية بما في ذلك المسكنات على وسائل التواصل الاجتماعي. كما ارتفعت تكاليف الفواتير الطبية بشكل حاد، مما جعل الفقراء يكافحون من أجل الحصول على الرعاية.

ويضطر العديد من المرضى اللبنانيين إلى دفع الفواتير مقدما، حتى لو كان يحق لهم استردادها من الدولة. ومع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية، بدأت بعض المستشفيات في تحصيل الرسوم بالدولار، مما أدى إلى ارتفاع التكاليف.

وتحول بعض الناس إلى الطب البديل لأنهم لا يستطيعون تحمل أعباء العلاج في المستشفيات.

وتعرضت جومانا الكريم، وهي من سكان بيروت وتبلغ من العمر 40 عاما، إلى سقوط تسبب لها في انزلاق غضروفي وكان من المقرر أن تخضع لعملية جراحية.

وقالت الكريم، وهي مدرسة في مدرسة خاصة “لم أستطع المشي أو النوم بسبب الألم الشديد في ساقي.لم أتمكن من إجراء العملية لأن المستشفى كان دون كهرباء طوال اليوم المحدد للعملية. ولحسن الحظ، جعلني هذا أفلت من الديون الضخمة التي كنت سأقع فيها لدفع تكاليف الجراحة”.

وتحاول الآن الاكتفاء بالأدوية العشبية حيث نفد المال المخصص للمسكنات والاستشارات الطبية وقالت “طب الأعشاب لا يساعد، لكنني على الأقل أحاول أن أفعل شيئا أتحمل تكلفته”.