من يتأهل لقيادة السنة في غياب الزعامة؟

سابين عويس – النهار

على مشارف استشارات نيابية ملزمة لتكليف شخصية سنية تشكيل حكومة جديدة غداة انتخاب المجلس النيابي، ووسط البحث الجاري عن المرشح المؤهل لهذه المهمة القصيرة والمؤقتة قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، تنشغل الأوساط السياسية، كل وفق اجندتها وحساباتها، بطرح اسماء والتسويق لأخرى، إما من باب المزايدة او من باب النكد السياسي في وجه رئيس حكومة تصريف الاعمال #نجيب ميقاتي، الشخصية الأكثر حظاً للبقاء على رأس السلطة التنفيذية.




وفيما يبدو المشهد مركزاً على ضرورة قيام رئيس الجمهورية بالدعوة الى الاستشارات، لقاء انطلاق مشاورات على مستوى الكتل النيابية، ولا سيما المعارضة منها او الداخلة مجدداً الى البرلمان، ان لجهة التوافق على اسم من خارج التقليد، كما هي حال نواب التغيير، او لجهة طرح مواصفات ومؤهلات المرشح، كما فعل حزب “#القوات اللبنانية”، يبدو جلياً ان اللاعبين الاساسيين في هذا الاستحقاق هم من خارج الطائفة المعنية مباشرة به، الا وهي الطائفة السنية، التي كشفت مرة جديدة عن مرحلة متقدمة من التشتت والضياع.

أولى ملامح التشتت برزت مع اعلان رئيس تيار “المستقبل”، والاكثر تمثيلاً للطائفة عبر كتلة نيابية وازنة أستمدها من زعامته للطائفة، تعليقه عمله السياسي الى جانب تياره وعائلته، وذلك على مسافة أشهر قليلة من موعد الاستحقاق النيابي. كان لهذا القرار وقع زلزالي على الطائفة عموماً والتيار الأزرق في شكل خاص. فالرجل غادر الساحة السياسية ولم يقدم وكيلاً له يتابع المهمة وشؤون الطائفة والتيار، كما انه لم يرسم خارطة طريق لمرحلة ما بعد الحريرية. ثمة من رأى في تلك الكلمات القليلة التي عبرت عن قراره بأقل من عشر دقائق انسحاباً تكتيكياً قائماً على حسابات اختبار قوة الرجل ومكانته في طائفته، فيما ذهب آخرون الى اعتبار ان الرجل انتهى وان الانتخابات النيابية ستكرس نهاية الحريرية السياسية وحتى الاقتصادية، وبدأوا البحث عن البديل. وساهم الاستحقاق النيابي في إطلاق شهية الراغبين في التقدم على الساحة، ان لم يكن لملء فراغ الزعامة، وإنما أقله لحجز مقعد في القطار السائر على طريقها.

امام مشهد المرشحين، كان لافتاً عزوف الرئيس تمام سلام عن الترشح والتراجع خطوات عن المشهد انسجاماً مع قناعاته في الدرجة الاولى، ومع قرار الحريري تباعاً. كذلك فعل الرئيس نجيب ميقاتي وإنما التزاماً بموقعه في رئاسة الحكومة ورغبته بألا يكون طرفاً في الانتخابات، والعين مستقبلاً على العودة الى السرايا على رأس اي حكومة ستشكل بعد الانتخابات، متكئاً على دعم لم يبخل به الحريري عليه في بداية المشوار الانتخابي.

اما الرئيس الأسبق للحكومة واليد اليمنى للرئيس الأب رفيق الحريري، فؤاد السنيورة، وإذعزف بدوره عن الترشح، الا انه قاد تشكيل لائحة انسجاما مع قناعته بعدم صوابية الانسحاب وترك الساحة السنية امام نفوذ “حزب الله”.

لم تنجح تغريدته غداة قرار الحريري في تغطية التباعد السائد بينهما والذي بلغ حد الجفاء والمواجهة. قال له ” اخي سعد، معك رغماً عن قرارك، ومعك رغماً عنهم”. لكن الوقائع الانتخابية والتصويت السني خذل الرجل، على خلفية انه اختار ان يسير عكس قرار رئيس التيار بالانتخابات، فكان الحريري ضده رغماً عن قراره وضده كذلك رغماً عنهم. اذ نجحت مقاطعة الحريري وجمهوره للائحة السنيورة بتشرذم الأصوات ووصول مرشحين من خارج المزاج المستقبلي.

على مقلب آخر، برزت عودة الراعي السعودي الى الساحة مواكبة برعاية روحية من دار الفتوى، كان هدفها الأساس حث السنة على التصويت، والحد من أضرار انسحاب الحريري وتشرذم الصف السني. وقد ساعد موقف المرجع الروحي للطائفة مدعوماً من الراعي الإقليمي على دفع شخصيات سنية الى التقدم، منها من يدور في الفلك المستقبلي او قريب منه، ومنها من هو خارجه. وكان لافتاً ان المرشحين السنة الدائرين في فلك المستقبل لم يقدموا أنفسهم على انهم بدائل، بل على العكس تبين انهم ترشحوا مظللين بالعباءة الحريرية وان ضمناً.

وحده النائب فؤاد مخزومي من خارج النادي المستقبلي السابق (اشرف ريفي او مصطفى علوش) خاض معركته گرأس حربة ضد “حزب الله” في تبنٍ واضح للمعارضة للمحور الإيراني. الا ان النتائج خذلته هو ايضاً بحيث لم ترتق الى مستوى طموحاته والجهود المالية واللوجستية الضخمة التي وظفها. فعاد الى المجلس وحيداً عاجزاً عن دخوله على رأس كتلة خاصة به. ورغم نفيه الدائم انه لا يسعى الى الزعامة، الا ان العناوين والمقاربة التي خاض بها الانتخابات لم تبين عكس ذلك.

والواقع ان نتائج الانتخابات وحجم التصويت السني، ورغم الاختراق الهام الذي حققه اللواء ريفي في طرابلس مثلاً، قد بينت ان الحريري كان الحاضر الأكبر، وان الرهان على انتزاع زعامته قد سقط حتى في ظل خروجه من المشهد السياسي او البرلماني مع خسارته كل المقاعد التي خولته في السابق ان يتصدر حصرية تمثيل الطائفة والنطق باسمها.

لم يعد للحريري اليوم الكلمة الفصل في اختيار رئيس الحكومة العتيد، ولم يعد في موقع يسمح له لتحصين صلاحيات الرئاسة الثالثة التي تتعرض اليوم لأكثر الحملات استهدافاً، ولم يعد في إمكانه منع تحكم طوائف اخرى بالموقع الاول لطائفته.

صحيح انه نجح في الحفاظ على زعامته ‏ولكن من دون أن يكون ذات فعالية في حماية حقوق الطائفة وصلاحياتها بعدما تشتت ممثلوها وتوزعوا كتلاً مبعثرة تبحث عن قيادة!

لن يكون للنواب السنة هذه المرة الكلمة الفصل في تسمية رئيس الحكومة، ولن يكون لهم الغلبة في التفاوض من اجل إيصال شخصية تتمتع بثقتهم، بل على العكس ستكون الغلبة للأقلية الصلبة التي حولها تشتت الاكثرية الى قوة قادرة على فرض خياراتها.

هل تقف الترجيحات عند عودة ميقاتي او تنحو في اتجاه النائب عبد الرحمن البزري الذي فتح انسحاب الحريري الباب امام الى المجلس او غيره من الأسماء التي تُطرح في البازار السياسي من دون معطيات يقينة؟

الاكيد حتى الآن ان لا بوادر لبروز زعامات جديدة في المدى المنظور، ولكن الاكيد ايضاً ان استمرار غياب الحريري واعتكافه، بقطع النظر عن ظروف هذا الغياب وحيثياته، سيؤدي في نهاية المطاف الى حصول تقدم في السباق الحاصل اليوم على ملء الفراغ، تمهيداً لملء زعامة باتت في القلوب اكثر مما هي في الوقائع بعدما جرفت الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية كل شيء في طريقها، حتى أولئك الساعين الى استغلال طائفة مأزومة تبحث عن قائد!