حازم الأمين - الحرة

لماذا لم يوقع عون على حق لبنان بحقل باريش؟ – حازم الأمين – الحرة

أنا وكثيرون مثلي لا نصدق أن رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، لم يوقع على المرسوم رقم 6433 القاضي باعتبار الخط 29 البحري حقاً لبنانياً، في محاولة لاستدراج أثمان لعدم توقيعه، منها رفع العقوبات الأميركية عن صهره ووريثه جبران باسيل.

الأكيد أن ثمة قطبة مخفية وراء امتناع الرئيس عن التوقيع، لكنها أكثر تعقيداً من رفع العقوبات، لا سيما وأن الرئيس يعرف، وصهره أيضاً، أن رفع العقوبات خطوة تتطلب منطقاً آخر. لا بل أن عون اعتبر الخط 29 خطاً تفاوضياً، وهو أشار إلى ذلك في خطوة بدت أشبه بالتشكيك بحق لبنان، في وقت يفترض موقعه المسارعة إلى التمسك بحق محتمل!




لماذا فوت ميشال عون على لبنان فرصة في حق كان من المحتمل أن يعوض بعضاً من الخسائر الهائلة التي أصابته جراء السياسات المالية والفساد الهائلين اللذين تسببا بالانهيار؟ ولماذا ابتعد حزب الله خطوة إلى الوراء في مشهد من المفترض أن يتصدره، ويتمثل في حق لبناني في مواجهة خطوة إسرائيلية لاستخراج الغاز قبل ترسيم الحدود؟

أسئلة كثيرة تبدو الأجوبة التي حصل اللبنانيون عليها قليلة التماسك. حزب الله قال إنه يقف خلف الدولة اللبنانية، وينتظر تعليماتها! هذا الأمر لا يفعله الحزب في أبسط المواقف، ولم يسبق أن أبدى مرونة على نحو ما يبدي الآن. أما الجواب الثاني فكان أن ميشال عون يسدد فواتيراً للأميركيين، ومن خلفهم الإسرائيليين طمعاً بعفو عن صهره.

الجوابان غير مقنعان على الإطلاق. حزب الله ليس خلف الحكومة، وعون لا يغامر باللعب من خلف الحزب طمعاً برفع العقوبات عن صهره.

إذاً علينا البحث عن “القطبة المخفية” في مكان آخر. فماذا لو كنا أمام مرحلة مشابهة لمرحلة “مؤامرة الانسحاب من جزين”؟ في حينها، أي في عام 1999 وبعد جهد دبلوماسي في الأمم المتحدة وفي دوائر غربية ظهر ما أطلق عليه “جزين أولاً”، ويتمثل في أن تمهد إسرائيل لانسحابها من جنوب لبنان بانسحاب من مدينة جزين. اهتز في حينها النظام الأمني السوري اللبناني الذي كان يحكم لبنان، وصدرت عنه مقولة “مؤامرة الانسحاب من جزين”.

أن يعلن لبنان اليوم حقاً تدعي إسرائيل أنه لها، فذلك قد يعرضنا لاحتمالات حوكمة دولية على الحدود البحرية والبرية، أي الخط 29 ومزارع شبعا. ويبدو أن تثبيت حقنا بالخط 29 كان ممكناً فيما لو وقع عون المرسوم 6433 وانطلق لبنان بالتفاوض، أما مزارع شبعا، فستكون بعد التفاوض من حق سوريا.

هذه الاحتمالات ستقلب المشهد رأساً على عقب، وستضع حزب الله أمام أسئلة السلاح والدور والنفوذ. وإذا ما أضفنا إلى هذا الاحتمال خسارة حزب الله الغالبية النيابية، وانعقاد مشهد سياسي غير مريح له في أعقاب الانتخابات، فعندها يكون بإمكاننا رد امتناع الرئيس عن التوقيع على المرسوم الذي يرشحنا لانتزاع حق من إسرائيل، إلى مسعى لتجنيب حزب الله احتمالات ترسيم الحدود.

قد يرفع أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، الصوت معلناً النفير في مواجهة الخطوة الإسرائيلية المتمثلة بالمباشرة بالتنقيب في حقل كاريش، لكن المؤشرات حتى الآن لا تأخذنا إلى جدية في الخطوات اللبنانية حيال الخطوة الإسرائيلية.

ثمة نوع من “التفادي” المحير والذي لا يجد تفسيره إلا بالذهاب نحو معادلة “مؤامرة استعادة حقنا في الخط 29”. ثمة مساحة تبقى للتهديدات ولخطاب الحرب، وهي حاجة خطابية لا يستقيم مشهد التخاذل على الحق من دونها، وفي موازاة ذلك بدأ الحديث في إعلام الممانعة عن أن الباخرة اليونانية التي ستباشر التنقيب لن تبلغ الخط 29 في وقت يؤكد الخبراء أنها ستبلغه، وأن لبنان لم يثبت حقه في هذا الخط.

ثمة صمت مضروب حول تلكؤ ميشال عون في التوقيع على المرسوم الذي من المفترض أنه كان سيأخذنا إلى تفاوض جدي حول حقل غاز من شبه المؤكد أنه كان سيمثل جزءاً من حل للكارثة التي يعيشها لبنان.

الصمت شارك فيه حزب الله وإعلامه وحلفاؤه، وهو صمت غير مفسر إلا إذا اعتبرنا تلكؤ عون هو استجابة لحاجة الحزب. تجربة “مؤامرة الانسحاب من جزين” تأخذنا إلى هناك.

لكننا هذه المرة أمام معضلة أشد تعقيداً. ترسيم الحدود قد يعطينا الخط 29، وهو قد يعطي سوريا مزارع شبعا، فماذا سنفعل عندها بسلاح المقاومة؟ فوظائف هذا السلاح تستحق التضحية بحقوق نفطية، وتتجاوز مهمة قد يؤديها الغاز المستخرج في الاختناق اللبناني المديد.