هجوم “ذكوري” على #بولا_يعقوبيان.. المعارضة النسائية “تربك رجال السلطة”

أثار تصريح لرئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، بحق النائبة، بولا يعقوبيان، ضجة كبيرة لدى الرأي العام اللبناني، واستنكارا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما وصف بالـ “ذكوري” والمهين بحق المرأة، حيث عمد إلى استخدام تفاصيل من حياتها الشخصية في معرض رد على جدال سياسي وقانوني.

وطرحت يعقوبيان، خلال جلسة عقدها المجلس النيابي اللبناني الجديد لانتخاب لجانه، على بري عقد جلسة تشريعية، للبحث والتصويت على قانون “معجّل” تقدمت به صباحا من أجل تعديل “المرسوم 6433” المتعلق بحدود لبنان البحرية، وذلك على إثر التطورات المتعلقة ببدء إسرائيل باستخراج الغاز من حقل “كاريش”، الذي يرى لبنان أن قسما منه يقع ضمن حدوده البحرية ويعتبرها منطقة متنازع عليها لا يحق لإسرائيل استخراج الغاز منها.




“زوجها صاحبنا”

إلا أن بري، وعلى الرغم من الصيغة المعجلة للقانون، رفض اقتراح يعقوبيان، على اعتبار أن الجلسة مخصصة لانتخاب اللجان النيابية، حيث لا يصح التشريع قبل ذلك بحسب القانون، فيما أوضحت يعقوبيان أن طلبها هو عقد جلسة تشريعية تلي جلسة انتخاب اللجان، “على غرار العديد من الجلسات التي عقدت بعد انتخاب اللجان في مجالس سابقة لمناقشة قوانين عاجلة”، وفق ما قالت في تصريحاتها.

بعد خروجها من الجلسة، تحدثت يعقوبيان للإعلام عن تفاصيل رفض بري لاقتراحها، ليأتيها رد بري من داخل الجلسة بالقول: “وين كانت بولا يوم كنت من 12 سنة عم خابط في موضوع الثروة النفطية؟ كانت بعدها ما تزوجت. ما بدنا نحكي، مش كرمالها كرمال زوجها، زوجها صاحبنا”.

وأضاف بري في كلامه أن “ألف باء التشريع تقول لا تشريع خلال جلسة الانتخاب، يبدو في ناس جاي على المجلس حتى تتشاوف فقط (للاستعراض)”.

من جهتها ردت يعقوبيان في تصريحات صحفية من أمام المجلس شارحة أن “كل ما في الأمر أنني طالبت بعقد جلسة تشريعية بعد جلسة انتخاب اللجان النيابية، تحدثت بالنظام والقانون، فموضوع ترسيم الحدود لا يحتمل التأجيل لأنه يجب حماية حقوقنا، ويبدو أنه لا أحد فعلا يريد الحديث عن هذا الموضوع ومناقشته بشكل جدي في المجلس النيابي، يبدو أن هناك صفقة ما مخفية، أدت إلى ردة الفعل العصبية بهذا الشكل على اقتراحي، وذهب الرد عليه بكل الاتجاهات إلا بالاتجاه الصحيح.”

ووصفت يعقوبيان كلام بري بأنه ” سقطة ذكورية بشعة جدا، لا مكان لها في القانون والنظام الداخلي، الذي كنا نتناقش به، لم أكن موجودة داخل المجلس حين تحدث عني وعن عائلتي، لكن كلامه مرفوض ومعيب، وكل تلك الإهانات أترفع عن الرد عليها، وأتمنى الالتزام بحدود اللياقة والاحترام، وأن نحترم هذا المجلس”.

يعقوبيان تمنت أن “يتم التعاطي معنا كسيدات في المجلس النيابي، وقد بات عددنا 8، كما يتم التعاطي مع الرجال، هل يقولون للرجال في المجلس لن نرد عليك لأننا أصدقاء زوجتك؟”

ليست المرة الأولى

وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها النساء في الأوساط السياسية اللبنانية لهذا النوع من التمييز، الذي يوصف بالتنمر أو يصل إلى درجة الاعتداء اللفظي والأوصاف المهينة، إضافة إلى التنميط في حيز جنسي.

وكان ليعقوبيان نفسها نصيبا وافرا من تلك الممارسات من جهات مختلفة، آخرها كان خلال الجلسة الماضية لمجلس النواب، حيث تعرضت لمحاولات إسكات من ناحية بري مرات عدة، وتهكم من قبل عدد من النواب على خلفية سياسية.

كما سبق أن تلقت خلال مقابلة تلفزيونية اتهامات مست بشخصها، على لسان الوزير السابق غسان عطالله، بعد أن اتهمها بالوصول إلى النيابة “بطريقة غير أخلاقية”، ردت عليه أنه “من غير المعقول كلما انتقدنا أداء سياسي لأحد يرد علينا بمواضيع الشرف، الشرف ليس بين الرجلين، بل في الرأس وهذا ما لا تملكه”. وبعد حملة استنكار واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتذر عطالله عن كلامه في تغريدات له.

كذلك الأمر مع الصحفي جوزيف أبو فاضل الذي تعرض ليعقوبيان بكلام وصف على أنه “ذكوري ومهين” خلال مقابلة تلفزيونية، في معرض دفاعه عن رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، الذي يعتبر أبو فاضل مقربا منه.

وشهد البرلمان اللبناني من قبل أيضا واقعة أخرى ضج بها الرأي العام اللبناني، بعدما استخدم نائب رئيس مجلس النواب اللبناني السابق إيلي الفرزلي، تعبيرا يحمل تلميحا جنسيا وصف بأنه “تحرش لفظي”، في رده على ملاحظة قدمتها وزيرة العدل السابقة ماري كلود نجم، على خطأ في صيغة تعديل قانوني، طالبة شطب عبارة في أعلى الصفحة بالقول “بدنا نشيل الجملة من فوق”، فرد الفرزلي “شيليه من فوق وحطيه تحت” ثم انفجر ضاحكا وسط ذهول الحاضرين. وبرر الفرزلي فيما بعد بأن كلامه “فهم على نحو خاطئ وظالم”.

ويزخر أرشيف الحياة السياسية اللبنانية بهذا النوع من التمييز بحق النساء، في التصريحات أو في الحوارات والمناقشات، وطال الخطاب الذكوري في أكثر من مرة إعلاميات وصحافيات لبنانيات، تعرضن لإهانات على الهواء مباشرة وخلال تأديتهن لعملهن الإعلامي.

“ذكورية وبطريركية”

وتقول المستشارة والخبيرة في قضايا المساواة الجندرية عبير شبارو إن ما جرى هو امتداد لعامل دخول النساء على الحياة السياسية، التي “لطالما احتكرها الرجال”، فهم لا يرون المرأة في هذا المكان ولاسيما المتقدمين في العمر، بل “يعتبرون أن الحياة السياسية فقط للرجال ولا يحترمون دور المرأة في هذا الموقع، لذا يتعاملون بهذا النوع من ردود الفعل، مع كثير من الذكورية والبطريركية”.

وشهد البرلمان اللبناني واقعة أخرى تمثلت بمشادة كلامية بين النائب علي حسن خليل، من كتلة حركة أمل التي يرأسها بري، وبين النائب الجديد من كتلة التغييريين فراس حمدان، وذلك على خلفية مناداة خليل له بـ “يا إبني” في معرض انتقاده، الأمر الذي دفع بحمدان للرد “أنا زميلك ولست ابنك”. زرأت شبارو في هذه الواقعة تعبيراً آخر عن “ذهنية الهرمية البطريركية التي تحكم البرلمان اللبناني.”

وتضيف شبارو أن هذا النوع من الممارسات والتعنيف المعنوي للمرأة “بات شائعا جدا” في الحياة السياسية اللبنانية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ولا يوفر امرأة، معارضة كانت أم مع السلطة، “ومن أسلحته هذه اللغة الذكورية، والتقليل من شأن المرأة وجعلها ملحقة بالرجل، الزوج أو الأب أو الأخ، والقول إن مكان المرأة في المنزل.”

تهميش النساء في الحياة السياسية هو نهج تعتمده الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان، وفق الخبيرة اللبنانية في قضايا المساواة، “حتى الأحزاب التي ترشح وتصل بنساء إلى البرلمان ضمن كتلها، لا تقدم لها دورا أو حيزاً أو هامشاً لممارسة دورهن كنساء في البرلمان، لناحية المسؤوليات والأدوار السياسية والظهور الإعلامي، وأبرز مثال على التمييز ضد النساء داخل الأحزاب ظهر خلال الانتخابات النيابية حيث لم تعطي الأحزاب نفسها أصواتها التفضيلية للنساء بشكل عام، باستثناء حالات ضمن معارك انتخابية معينة، وبقيت النسبة الأكبر من الأصوات التفضيلية للأحزاب من حصة الرجال، فيما كانت المرأة حاضرة شكليا على اللوائح، وهذا مثبت بالأرقام.

وتسأل شبارو “لنفترض اليوم أن صبية في مقتبل العمر كانت تشاهد ما جرى اليوم مع بولا يعقوبيان وطريقة التعاطي معها كامرأة في البرلمان، فإن كان لديها أي طموحات سياسية في مستقبلها، سيدفعها إلى التفكير باحتمال تعرضها هي أيضاً لذلك، وهذا يعيد النساء خطوات كبيرة إلى الوراء في المشاركة بالعمل السياسي.”

كذلك فإن من شأن هكذا ممارسات أن تشكل، بحسب شبارو، ضغطا على باقي النائبات في البرلمان اللواتي قد يتجنبن الكلام في كثير من المواقف المشابهة خشية التعرض لموقف مماثل. “وهذا ما يمثل قمعاً لتعبير النساء عن أنفسهن في المشهد البرلماني والسياسي، وتهديداً للديمقراطية.”

“لم يعتادوا بعد”

من ناحيتها تعتبر الناشطة النسوية والعضو المؤسس لمنظمة (Fe-Male)حياة مرشاد أن “ما شهدناه يعكس الفوقية والسلطوية في التعاطي مع النساء، بهدف التقليل من الشأن والقيمة بطريقة أبوية، لذا لا نرى هذا النوع من التخاطب مع الرجال من خلال ربطهم بنسائهم أو أسرتهم والتشكيك في سلوكهم والتدخل بتفاصيل مرتبطة بحياتهم الشخصية أو بمظهرهم.”

وهذه السلطة السياسية معروفة تاريخياً، بحسب مرشاد، بمواقفها الذكورية، “لكنهم يرون اليوم مشهداً مختلفاً لنساء ينخرطن في المجال السياسي ويحاججن برأيهم ويعارضن قرارات رجال السلطة، وهم ليسوا معتادين على نموذج المرأة المعارضة لهم من منطلق الند للند، لذا وبهدف إسكاتهن وإخافتهن وإبعادهن عن الحيز السياسي يستخدمون هذه الأساليب الذكورية والأبوية، وعليه فإن يعقوبيان تعرضت لذلك انطلاقاً من كونها امرأة ومعارضة وصوتها مرتفع، رغم أن هذه الممارسات لم تستثن النساء من داخل أحزاب المنظومة الحاكمة.”

زتصل هذه الأساليب إلى حد الابتزاز، وذلك لكون الثقافة الاجتماعية بحسب مرشاد “تعيب النساء بحياتهن الخاصة وبشكلهن وبارتباطاتهن بالرجال، وهذه الممارسة تشهدها كل المساحات بما فيها المساحة السياسية في البرلمان.”

بدورها تشرح شبارو أن دراسة لـ “المعهد الديمقراطي الوطني” (NDI) تكشف أن دخول المرأة، ولاسيما المرأة الشابة، إلى منظومة محكومة بالذكورية ومسيطر عليها من سياسيين قدماء العهد، سيجعلها أكثر عرضة لهذا النوع من المخاطبة الذكورية، لكون هؤلاء السياسيين الرجال يرون العمل السياسي أرضهم، ولا يتقبلون مواجهة النساء الشابات لهم، فتكون ردود الفعل عبر هذا النوع من الكلام الذي يعتبر عنفا سياسيا ضد المرأة، وهو أحد أوجه عدم المساواة في البرلمانات العالمية، وهي ظاهرة عالمية وليست حكرا على لبنان.

للحد من هذه الظاهرة، تلفت شبارو إلى أن اتحاد البرلمانات العالمية، ولبنان عضو فيه، أوصى بوضع مدونة قواعد سلوك داخلية لكل برلمان، يملي طريقة تصرف معينة بين النواب من مختلف الأجناس، يحترم عبرها حدود الزمالة وحقوق الانسان، وطريقة التخاطب والتواصل، لاسيما مع النساء، وهذا ما لا يملكه البرلمان اللبناني بعد.

أما الخرق المهم الذي تحقق على هذا الصعيد، وفقا لمرشاد، فهو عدم سكوت النساء عن هذه الأمور، إضافة إلى أن الرأي العام اللبناني بات داعما للنساء على هذا الصعيد، “وهذا واضح اليوم مثلا من خلال التضامن الكبير مع يعقوبيان على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، ذلك نتيجة التوعية التي تحقق نتائج على هذا الصعيد، وهذا خرق مهم في وجه منظومة سياسية لا تطور مفاهيمها وعملها السياسي في المقابل ما يجعلها بحكم البائدة.”

من جهتها تختم شبارو أنه “حين يتم تعنيف النساء بهذا الشكل وتحت قبة البرلمان لأكثر من مرة، فإن ذلك هو انعكاس لسياسة الإفلات من العقاب التي تسود عند كل عنف يمارس ضد النساء في المجتمع، وفيه رسالة للعموم بأن تعنيف النساء هو أمر ممكن ومتاح، أما مواجهة ذلك فتتم من خلال مزيد من الإشراك للنساء بالحياة السياسية في البرلمان والحكومة لتطبيع المشهد واعتياد رجال السياسة على التعامل معه.”