فورين أفيرز: الصين والهيمنة على عالم الجنوب.. استراتيجية منذ ماو تهدف لمحاصرة الغرب والتضييق على أمريكا

نشرت دورية “فورين أفيرز” مقالا للباحثة في المكتب الوطني للأبحاث الأسيوية، ناديغي رولاند، حللت فيه استراتيجية الصين في “عالم الجنوب” وكيف تركز بيجين على دول العالم الثالث للتأثير والحد من نفوذ أمريكا.

وقالت فيه إن الرئيس الصيني شي جين بينغ بدأ في العقد الماضي مغامرة لمساعدة الصين للحصول على ما يراه “موقعها الذي تستحقه في مركز العالم”، ولعمل هذا يحاول شي والقيادة الصينية تعزيز القوة العسكرية والإقتصادية والدبلوماسية الصينية. وتركز مغامرته على تعزيز وجود الصين في منطقة إندو- باسيفيك.




كما أن رغبة شي بتحويل الصين لقوة عظمى، تقترن، بعد كل هذا، بنتيجة طبيعية لا تنفصم وهي وقف حتمية ما يراه، جهود الغرب لاحتواء الصين. إلا أن استراتيجية الصين العظيمة تحتوي على مكون ثالث: وهو تأكيد الوضع المهيمن على نظام دولي مختلف للدول، فقادة الصين لا يحاولون بناء مجال تأثير يضم الدول القريبة من مجالهم بل عالم الجنوب بما فيه من دول نامية- غير غربية وغير ديمقراطية. ونجاح الصين في هذه المهمة هو بمثابة تأمين للتأثير الصيني على هذه المساحة الشاسعة وكذا تقييد مجال التأثير الأمريكي، مما يعني نهاية الهيمنة الأمريكية على العالم.

 وظل العالم النامي محلا لتركيز القيادة الصينية منذ الأيام الأولى للجمهورية الشعبية، ففي الفترة ما بين 1949 و 1974 صقل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ رؤيته عن النزاع مع القوى الإمبريالية الغربية وكيفية تكشفها من خلال التركيز على عالم الجنوب. وتصور في نظريته “العوالم الثلاث” جبهة موحدة تجلب إليها دولا من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ودول العالم الثالث في حرب مشتركة ضد العالم الأول المكون من الإمبريالية الأمريكية والإتحاد السوفييتي (بعد الخلاف الصيني- السوفييتي). وأثناء تشكيل الجبهة هذه فستقوم الصين بتحييد والتغزل  بدول العالم الثاني المكون من قوى متوسطة مثل كندا وأستراليا واليابان ودول أوروبا الغربية.

وآمن ماو بأن جبهة موحدة في العالم الثالث تقودها الصين كافية لعزل ومحاصرة القوى الإمبريالية، تماما كما فعل الحزب الشيوعي الصيني في سنواته الأولى من “محاصرة المدن في الأرياف”، مما أدى، حسب كلام ماو لانتصار الثورة.

ولتحقيق هذا الهدف قدمت الصين بدءا من منتصف الخمسينات الدعم الفني والمالي للحركات الثورية ومقاومة الإستعمار في العالم الثالث. ونظرا للمشاكل الإقتصادية والمحلية التي عانت منها الصين في مرحلة ما بعد الثورة، فلم تكن قادرة على تحقيق هذا الطموح ببناء تحالف مهيمن. وعندما تولى الزعيم دينغ تشياو بينغ السلطة بعد وفاة ماو، تخلى عن حماس سلفه الثوري ومنح الأولوية لإعادة بناء الصين وقوتها الوطنية. ولكن الدول النامية ظلت مهمة لبيجين، ولأسباب أيديولوجية وجيواستراتيجية. فقد أصبح عالم الجنوب جزءا مهما لخدمة أهداف التنمية الوطنية الصينية، بما في ذلك مساعدة البلد الحصول على الطاقة والمصادر الطبيعية لتغذية اقتصادها النامي. وواصل خلفاء دينغ نفس الإستراتيجية والإهتمام بالإمكانيات الإقتصادية التي يقدمها عالم الجنوب.

ومن هنا، فقد شجعوا الشركات الصينية “للخروج”وغزو  الأسواق الجديدة فيما وراء البحار. وفي المؤتمر 16 للحزب الشيوعي ضم رسميا بند تطوير العالم النامي كـ “أساس” للدبلوماسية الصينية الذي جاء بعد علاقاتها مع القوى العظمى وجيرانها، ولكنه جاء قبل علاقات الصين مع المؤسسات الدولية.

وترى الكاتبة أن الصين اهتمت بالدول النامية من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية كبيرة. فمن خلال الحوافز الإقتصادية والإستثمارية عملت الصين على دفع دول عالم الجنوب لقطع علاقاتها مع تايوان، بشكل أسهم في خنق الجزيرة. كما واستخدمت الصين عبر خليط من المشاعر المعادية للغرب دول العالم النامي في الامم المتحدة لتجنب الشجب بسبب سجلها في حقوق الإنسان. وبنهائة رئاسة هو جينتاو التي انتهت عام 2012 اقتنع قادة الحزب الشيوعي أن البلد يسير في مسار تصاعدي حاد تفوقت فيه الصين على اليابان، كأكبر اقتصاد في العالم. ورأت الصين في سياسة باراك أوباما التحول نحو آسيا كتكثيف للجهود الأمريكية لتقييدها. ونظرا للشعور بالتفاؤل والقلق العميق، فقد تخلى قادة الصين وبشكل واضح عن السياسة الخارجية ذات المستوى المنخفض لدينغ مقابل سياسة عالمية جديدة ونشطة تركز على جعل البلد قوة عظمى. وفي محاولة لرسم خطة تحقيق هذا لبلدهم، دعا عدد من الخبراء الصينيين إلى استراتيجية متوازنة “زاحفة نحو الغرب” وفي دول يوريشيا لمنع التركيز الدبلوماسي والإقتصادي والعسكري الأمريكي في المياه البحرية الآسيوية. وأكد آخرون على أهمية عالم الجنوب ولعبه دورا مهما في مساعدة بلادهم ضد منافسيها في الهيمنة، وبخاصة  أن الدول الغربية ليست مهمتة بهذه المناطق مما يسهل المهمة.

وفي محاولتهم لتحديد هذا الخيار في ظل شي، قام منظروا الحزب الشيوعي بنفض الغبار عن مفاهيم مكافحة الإحاطة التي طورها ماو قبل عقود.  واليوم، كما في عهد ماو، يرى المنظرون الإستراتيجيون الصينيون أن الهمينة على عالم الجنوب سيساعدهم في منع جهود أمريكا عزل الصين. والفرق الوحيد بين الستينات والآن هو النفوذ الإقتصادي الصيني. ويعود الفضل لمبادرة الحزام والطريق التي أعلن عنها شي، وتعني حضور  الصين في العالم، فمن جزر المحيط الباسيفكي إلى شواطيء أفريقيا على الأطلنطي، قدمت بيجين  دعما لهذه الدول على شكل قروض واستثمارات وبنى تحتية وعززت التعاون في عدد من المجالات.

 ونتيجة لهذا باتت الصين قادرة عبر المحفزات والتأثير على بناء تحالف جنوبي مكافئ  للشمال. كما وأسهمت استثمارات الصين في الجنوب لازدهار الإقتصاد والتنمية الداخلية. ويتوقع أن تنمو الطبقة الحضرية في أفريقيا إلى 800 مليون نسمة خلال السنوات الـ 15 القادمة، وهي نسبة سكانية قد تحتاج إلى الشركات الصينية. ويمكن لهذه الشركات المساهمة في تطوير شبكات التكنولوجيا في معظم العالم النامي، جمع البيانات من قطاع متنوع من المستهلكين، واستخدامها في تدريب خوارزميات ذكاء اصطناعي، وهي خطوة لا يمكن الإستغناء عنها باتجاه تحول الصين إلى قوة تكنولوجيا عالمية رائدة.

وكما بدا في تقرير أيار/مايو 2022 ونشره المكتب الوطني للدراسات الأسيوية، فإن استثمار الصين في البنى التحتية الأفريقية ربما صمم لمساعدتها في تحويل القارة إلى منبر من البنى التحتية قليلة الكلفة، بشكل يجعل دول أفريقيا تمارس نفس الدور الذي لعبته الصين للغرب. وبالمحصلة، فمن الواضح أن بيجين تأمل بأن تلعب دول الجنوب دورا بتقليل اعتمادها على الاسواق الامريكية والأوروبية بالإضافة لخلق نظام اقتصادي فرعي منفصل عن الغرب.

 ووجدت الصين في بعض محاولاتها  بالعالم النامي نجاحا، خذ مثلا محاولاتها في جهود التعاون العميقة مع عالم الجنوب لنزع الشرعية عما يطلق عليها الحزب الشيوعي الصيني “ما تسمى القيم العالمية” الغربية.

وتمنح الدول النامية أصواتها في المؤسسات الدولية بطريقة تقوي اختيارات الصين. وفعلت دول كثيرة في قرارات تتعلق بحقوق الإنسان. كما وشاركت عدد من الإقتصاديات الصاعدة في منابر قادتها الصين مثل حوار الجنوب- الجنوب عن حقوق الإنسان، وصادقت على المفاهيم الصينية مثل “مجتمع المستقبل المشترك”، وهي رؤية الحزب عن النظام العالمي وتردد صدى السرديات التي تفضلها الصين، معطية بنفس السياق بيجين قوة فوق الخطاب الدولي.

 واستفادت الصين من مظاهر قصور الغرب تجاه دول العالم النامي. وعبرت بعض الدول عن  خيبة املها  بالنموذج الليبرالي الغربي والذي فشل بتقديم وعوده. ونظرا للتدريب المكثف الذي قدمته الصين لكوادر هذه الدول فإنها تميل أحيانا لاختيار عناصر من النظام الصيني الثابت الميركنتالي والقمعي الديكتاتوري. وبهذه الطريقة تعزز هذه الدول دور الصين كمحكم مهم في القضايا الدولية.

 ويعطي التأثير الصيني على دول العالم النامي فرصة لكي تظهر قوتها العسكرية أو الحد من خيارات ومناورات هذه الدول. ولكن بيجين لا تزال حذرة في استعراض عضلاتها العسكرية وتقدم نشاطاتها العسكرية في الخارج على أنها محاولة لحماية مصالحها. إلا أنها أنشأت في 2017 قاعدة عسكرية بدولة جيبوتي في القرن الأفريقي. ولديها طموحات لإنشاء اخرى في كمبوديا. ومن المحتمل أن توسع الصين حضورها الدائم قرب المعابر البحرية المهمة على طول الطرق الحيوية. كل هذه النشاطات ليست ضامنا لتحول الصين إلى قوة عسكرية ودبلوماسية واقتصادية مهمة في العالم النامي. وستكون بيجين حذرة من عوائد الإستثمارات على مصادرها، مما يدفعها للتوقف عن العمل في مبادرات خارجية مكلفة. وبالتأكيد فقد تراجعت موجة مشاريعها ضمن مبادرة الحزام والطريق والكثير منها لا تزال في حالة التطور نظرا للتراجع الإقتصادي الذي شهدته الصين في السنوات الماضية. وهي لا تريد الوقوع في مستنقع أمني يعرض مصالحها للخطر. ومهما يحدث في المستقبل، فإن الصين بلا شك تتعامل مع العالم النامي كمسرح مهم للتأثير.

وبالمقارنة لم تظهر الولايات المتحدة ردا سريعا لنشاطات الصين في عالم الجنوب. وظلت الإدارات المتعاقبة تقوم بالرد فقط على ما تقوم به الصين. وظل اهتمامها متركزا على مبادرة الحزام والطريق باعتبارها محاولة للسيطرة على المصادر الإقتصادية والرد عليها من خلال بناء تحالف غربي تدفعه القيم وإنشاء البنى التحتية.

 ولم ترسل واشنطن الوفود على مستوى عال إلى جزر المحيط الباسيفكي إلا عندما شعرت أن هذه الدول تتفاوض مع الصين لتوقيع معاهدة أمنية ودفاع مشترك.

 ولا تشكل هذه التحركات الأمريكية عناصر استراتيجية، وفي الحقيقة يستمتع المخططون الإستراتيجيون في بيجين وهم يشاهدون واشنطن ترد بفزع كلما انتشرت شائعات عن بناء الصين لقاعدة بحرية. وربما فكر الصينيون بمناورات تهدف لحرف انتباه واشنطن  ومصادرها المالية وجهودها الدبلوماسية عن المناطق المهمة لهم. وبدلا من تعامل واشنطن مع استراتيجيتها لمواجهة الصين في عالم الجنوب بأكمله، عليها فهم أن مصادرها ليس لانهائية وأن هناك حاجة لتحديد الأولويات. وعليها التركيز على الدول القريبة من معابر بحرية مهمة ولديها مصادر حيوية ومعادن مهمة للتطور الإقتصادي والتكنولوجي في المستقبل. وعليها التركيز على الدولة التي بدأت تتجذر فيها الديمقراطية، فالشفافية والمحاسبة وحرية التعبير هي قضايا تمس حياة الناس العاديين. وعليها تعزيز جهودها في الدول التي تمتع بحرية صحافة ومنظمات حكومية، لديها الجرأة للتعبير عن كراهيتها للنموذج الصيني القائم على الفساد والإكراه. ويجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة للإستثمار وبشكل جوهري في دول العالم النامي. وكما يقول النقاد فمن الصعب هزيمة شيء بلا شيء.