الكبتاغون ينتشر كوباء حدودي بسوريا ولبنان: أبو سلة نموذجًا

 تتواصل عملية أمنية مركزة على عالم المخدرات، تجارًا ومروجين أسماؤهم معروفة. مداهمات شبه يومية ينفذها الجيش  اللبناني، وآخرها في حي الشراونة البعلبكي للقبض على أحد أخطر المطلوبين في عالم الخدرات، علي منذر زعيتر، المُلقب بـ”أبو سلة”. ويتابع الإعلام والجمهور العمليات، بعدما سقط شهيد للجيش في إحدى المداهمات، وهو الرقيب زين العابدين شمص وجرح آخرين. فأثار مقتله والعمليات في بعلبك توترات عشائرية.

مصدر أمني مطّلع على الملف قال لـ”المدن” إن “أبو سلة” كان يُغرق المناطق اللبنانية كافةً بالمخدرات، وخصوصًا بيروت وجبل لبنان، وقد ذاع صيته مؤخرًا بعد مداهمات سابقة، وحينما أدرك زعيتر أن قرارًا بتوقيفه اتخذ، فرّ إلى حي الشراونة، وحسب المعلومات الأخيرة، لم يستطع الهرب حتى الآن عبر الحدود السورية-اللبنانية إلى الداخل السوري.

كبتاغون وحشيشة
“أبو سلة” واحد من أخطر المطلوبين في المخدرات، تصنيعًا وترويجًا وتجارة، ولكنه ليس الوحيد. فالأسماء كثيرة وقائمة الرؤوس الكبيرة تطول لكنها ما زالت غير مكشوفة. والأخطر أن تجارة المخدرات في لبنان تتوسع بشكل مخيف في الفترة الأخيرة مع الانهيار المالي والاقتصادي الذي يعيشه لبنان، بعد انحسار وباء “كورونا” نسبيًا.




لكن ما هي أسباب ازدهار تجارة المخدرات، وما هي التحديات التي تواجهها القوى الأمنية في توقيف المطلوبين الخطيرين؟ وماذا يعني العصر الذهبي للمخدرات في لبنان، وعودته إلى ما كان عليه خلال الحرب الأهلية؟

بدايةً، تكشف إحصاءات المديرية العامة للقوى الأمنية حول أهم أنواع المخدرات المضبوطة، ارتفاعًا كبيرًا في نسبة انتشار حبوب الكبتاغون، تليها حشيشة الكيف. ففي عام 2017 ضبطت القوى الأمنية 6369 كلغ من الحشيشة. أما في 2020 فضبط 24827 كلغ، وفي 2021 بلغت المضبوطات من الحشيشة 9893 كلغ، وفي الأشهر الخمسة من 2022 ضبط 3968 كلغ. أما حبوب الكبتاغون، فضبط منها عام 2017 نحو 13 مليون حبة، وفي 2020 ارتفعت المضبوطات إلى 18 مليون حبة، وشهد عام 2021 ضبط 42 مليون ونيف من حبوب الكبتاغون، وهو يمثل رقمًا قياسيًا نسبةً إلى السنوات السابقة.

أعداد الموقوفين
وعن عدد الموقوفين، تبين التقارير الأمنية توقيف 16749 شخصًا بين العام 2017 وبداية سنة 2022. وهم من مروجي مخدرات ومتعاطينها ومزارعين ومصنّعين ومهربين وتجار. وفي عام 2017 وحده تم توقيف العدد الأكبر منهم، أي 4542 شخص، ثم 3740 شخص في 2018، و3990 في 2019، و2233 في 2020، و1949 في عام 2021. ويستنتج  من هذه الإحصاءات والمضبوطات من المخدرات نسبةً إلى أعداد الموقوفين، أن نسبة المضبوطات ترتفع بشكل كبير، فيما انخفضت أعداد الموقوفين في السنوات الأخيرة.

قضية السعودي- الكويتي
في آخر عملية نوعية أعلنت عنها القوى الأمنية في 29 أيار الماضي، تم توقيف سعودي في مطار بيروت بحوزته 18 كيلوغرام من حبوب الكبتاغون. وكان الرجل يخطط لتهريبها إلى دولة الكويت. ويكشف مصدر أمني لـ”المدن” تفاصيل آخر تطورات هذه القضية، مشيرًا إلى أن “التحقيقات جارية معه، لكنه لم يعترف حتى الآن. وهو يكرر القول: حطولي ياهن”. والمتورطون في مثل هذه العمليات ينكر معظمهم الاعتراف بعمله الإجرامي، رغم ضبطهم بالجرم المشهود.

والتحقيقات في هذه الجرائم قد تطول نظرًا إلى توسع شبكات المشتبه فيهم، إضافة إلى هرب آخرين ترتبط أسماؤهم بشبكات كبيرة، تجري متابعتها. وحاليًا- يضيف المصدر الأمني- أن هناك تواصل بين وزيريْ الداخلية اللبنانية والكويتية حول قضية الموقوف السعودي. فهو سعودي الأصل من أم كويتية ويعيش في الكويت. أما عن محاكمته، فمن المتوقع أن تجري في لبنان، إلا في حال كانت هناك معاهدات بين الدولتيْن حول الموقوفين.

تحديات: المدمنون والحدود
يعدد المصدر الأمني أبرز التحديات التي تواجه القوى الأمنية في الحد من انتشار المخدرات في لبنان: أولًا، المدمنون الذين باتوا يتحولون سريعًا إلى مروجين ثم تُجارًا. والعصابات التي ينكشف أعضاؤها جميعهم مدمنون، على خلاف السابق.

ثانيًا، معرفة المجرم المسبقة أنه قادر على الهرب، تعزز الجريمة. فتاجر المخدرات يعلم أنه قادر على الهرب في اتجاه الأراضي السورية في حال كُشف أمره. ورغم الحضور المكثف للعناصر الأمنية على الحدود اللبنانية- السورية، يبدو ضبط الحدود بشكل كامل أمرًا شبه مستحيل.

ثالثًا، سهولة وسرعة تصنيع حبوب الكبتاغون التي باتت الأكثر ربحًا في لبنان. ودخل سوق الكبتاغون إلى لبنان بعد الأزمة السورية، وتحديدًا سنة 2012. إذ استغل تجار الكبتاغون السوريون ظروف الحرب للدخول إلى لبنان وبناء وتوسيع شبكات تصنيع الكبتاغون في البلدين. وكثُرٌ هم التجار الذين اتجهوا لترويج الكبتاغون بدلًا من الحشيشة في لبنان، لأنها صناعية ومربحة أكثر. أما الحشيشة فهي موسمية وزراعية وتحتاج إلى جهد ووقت إضافيين، حسب المصدرالأمني.

التحدي الرابع هو الطرق المبتكرة والغريبة في تصدير حبوب الكبتاغون. فالتاجر قد يخبئ الحبوب داخل مكيفات، موتورات ضخمة، قضبان حديد مجوفة، آلات كهربائية، أحذية، حقائب، وأحيانًا وداخل الجسم (بالبلع) أو في السجاد.

الإجراءات الأمنية
وبطبيعة الحال، يقابل ارتفاع انتشار المخدرات وجود خطط وإجراءات أمنية للحد منها. ويلفت المصدر إلى أن التركيز حاليًا على توقيف مروجي المخدرات، لأن أعدادهم هائلة، مع مراقبة مشددة للمشتبه بهم وأماكنهم. وهم يقفون عادةً على نواصي الأوتوسترادات والطرق، إضافة إلى توقيف المطلوبين بمذكرات عدلية مثل “أبو سلة”.

سابقًا، قبل انتشار الكبتاغون في لبنان، كانت تعتمد الدولة على تلف المزروعات الممنوعة في كل عام. أما الآن فالتركيز ينصب على مداهمة المستودعات التي يتم فيها تخزين المخدرات.

الأزمة اللبنانية والغرب
لعبت الأزمة اللبنانية وتداعياتها على الفقر البطالة دورًا في لجوء الشباب إلى المواد المخدرة، هربًا من الواقع. وبالتالي زادت معدلات الجريمة. ولكن هناك أسباب رئيسية لانتشار المخدرات حتى قبل الأزمة اللبنانية، أهمها تشريع الحشيشة والماريجوانا في الدول الغربية. إذ سقط الخوف من التعاطي في لبنان، وبات يظن الناس أن المخدرات تشفي من الأمراض المزمنة وتساعد في علاج المشكلات النفسية. علمًا أن المواد المطلوبة لزراعة الحشيشة لأغراض طبية تختلف تمامًا عن مواد زراعة الحشيشة بهدف الربح من الإدمان.

المتورطون في تجارة المخدرات كثيرون، ولكنهم إما مختفون وإما محميون من شخصيات نافذة. واليوم رُفع الغطاء عن “أبو سلة” بعد أن ذاع صيته. ولكن لائحة التجار كبيرة ومنتوعة وعابرة للحدود. لا حل جذريًا لانتشار المخدرات في لبنان، أو في أي بلد آخر، باستثناء العمل على الحد من الطلب وليس فقط من العرض.

وتلعب العائلة والتربية والتنشئة الدور الأكبر في تخفيف نسبة المدمنين على المدى الطويل. ويشجع المصدر الأمني المدمنين على التوجه إلى اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، والتي يكمن دورها الأساسي في وقف محاكمة المدمن المروج في حال لجأ إليها. و”الهدف من ذلك أن نربح الإنسان”، كما يؤكد.