أعمق من القعر العميق! – رامي الرّيس – نداء الوطن

أن يتكبّد لبنان على مدى سنواتٍ معدودة أكثر من أربعين مليار دولار على قطاع الطاقة دون أن يحظى بالكهرباء فتلك أم الفضائح. وأن تتواصل سياسات الإنكار والرفض والعناد في مقاربة ملف من المفترض أن تكون عناصر تكوينه محض هندسيّة وإقتصاديّة وفنيّة؛ ففي ذلك أيضاً فجور سياسي غير مسبوق. وأن تطالب قوى معينّة بمحطة كهرباء لطائفة معيّنة أسوةً بمحطات كهرباء لطوائف أخرى، فهو لا يعكس سوى ذاك العقل المريض الذي لا يرى الأمور إلا من منظارها الطائفي والمذهبي البغيض.

أيجوز أن يعاني اللبنانيّون من إنقطاع التيار الكهربائي بعد أن كانت وصلت التغذية في غضون سنواتٍ قليلة على إنتهاء الحرب إلى تغذية على مدار الساعة؟ أيجوز أن يكون هناك واقع كهذا مفروض على الشعب اللبناني في القرن الحادي والعشرين؟ أيجوز أن دولاً كانت متأخرة عن لبنان لسنواتٍ طويلة وتمكنت من النهوض والبناء والإنطلاق نحو العصر الجديد بكل ما يشمله من تقنيّات وتطورات في مختلف القطاعات؟




لا يمكن التقليل من إنعكاس أزمة الكهرباء على الماليّة العامة وعلى خزينة الدولة التي تكبّدت المليارات تلو المليارات من الدولارات دون أن تترافق مع أية خطواتٍ إصلاحيّة، تتمثل في وقف الهدر الفني وغير الفني وفي الشروع في بناء معامل جديدة لتوليد الطاقة وتوزيعها والخروج من هذا المأزق المزمن.

ترقى أزمة الكهرباء في لبنان إلى مرتبة المأساة الوطنيّة! نعم، إنها مأساة بكل ما للكلمة من معنى. اللبنانيّون يرزحون تحت رحمة أصحاب المولدات الخاصة دون أن يكترث أحد لأمرهم وذلك فقط بسبب تقصير دولتهم عن القيام بأبسط واجباتها بتوفير حياة لائقة وكريمة لشعبها.

ما هذه الحالة المزرية التي وصل إليها لبنان؟ وإلى متى سيبقى غارقاً فيها؟ أيجوز أن الدولة تعجز عن توفير الكهرباء لأبنائها، وهي ذاتها الدولة التي «تُلزّم» سياستها الدفاعيّة والخارجيّة إلى أحد الفصائل السياسيّة؟ أيجوز أن تتبعثر صلاحيّات الدولة وأدوارها وتتقاسمها إما المافيات الماليّة والكهربائيّة أو الأحزاب المسلحة المرتبطة إقليميّاً بأجنداتها المعروفة؟

بإستطاعة المواطن اللبناني أن يلمس بوضوح حالة الارباك التي يعانيها لبنان الرسمي في التعاطي مع ملف الحدود البحريّة وترسيمها الذي تعطّل دون تفسير أو تبرير للرأي العام. ولكن، أهي فعلاً حالة من الإرباك أم أنها أقرب لأن تكون إحتجازاً لمصالح البلاد خدمةً لفريق سياسي معيّن أو إشباعاً لطموح رئاسي معيّن أيضاً؟

إن التغيير السياسي الجزئي الذي حدث من خلال الإنتخابات النيابيّة لا بد وأن يُستتبع بالانتخابات الرئاسيّة المرتقبة، ومن خلال ضغط الرأي العام اللبناني لعدم التلاعب بالمهل الدستوريّة لإنتخاب رئيس جديد للجمهوريّة في المواعيد المحددة. إن مسؤوليّة الأحزاب المناوئة لمحور الممانعة (الذي يمتهن التعطيل) بالتنسيق مع النواب الجدد وكل هيئات المجتمع كالنقابات والصحافة والمؤسسات الإجتماعيّة، بناء رأي عام رافض لعدم إنجاز الاستحقاق الإنتخابي في موعده المحدد.

كما أن مسؤوليّة تلك الفئات بأجمعها عدم القبول بإدخال البلاد في الفراغ الرئاسي لمدة لا أحد يعرف كم ستطول. إن بناء هذا المناخ الداخلي الضاغط في مجال الاستحقاق الرئاسي يتعدّى بأهميته الخطوات الدستوريّة الأخرى، رغم ضرورة حصولها دون إبطاء مثل تكليف شخصيّة لتأليف الحكومة الجديدة وتشكيل الحكومة بسرعة بمعزل عن عمرها الإفتراضي القصير.

لبنان مقبل على محطات ساخنة ومنعطفات صعبة، كما كان دائماً في مطلق الأحوال، وهو ما يتطلب من الرأي العام أن يبقى متيقناً لما قد يُحاك في الأقبية والغرف السوداء من مخططات تعمّق القعر الذي غرقت فيه البلاد. هل هناك أعمق مما هو الحال اليوم؟ نعم.