لبنان يعيد منح قروض الإسكان للمواطنين.. ما الشروط الجديدة؟

أسرار شبارو – الحرة

فتح مصرف الإسكان بابه من جديد أمام اللبنانيين الراغبين بالحصول على قرض تصل قيمته إلى مليار ليرة لشراء شقة، ما شكل بادرة أمل لبعضهم وخيبة للبعض الآخر.




في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان والارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار أصبح شراء مسكن حلم صعب المنال، إن لم يكن مستحيلاً، لمن مدخولهم بالليرة اللبنانية، من هنا كان طرح مصرف الإسكان بعد ثلاث سنوات من التوقف عن منح القروض بمثابة بصيص نور في الآتون المظلم الذي وجد اللبنانيون أنفسهم فيه منذ عام 2019.

حدّد المصرف مدة 30 سنة لدفع الأقساط بفائدة 5 في المئة، إذا توافرت بمن يريدون الاقتراض شروط عدّدها مديره العام، أنطوان حبيب، وهي “أن يكون المقترض لبنانياً منذ عشر سنوات وغير محكوم عليه، ومن ذوي الدخل المحدود والمتوسط، أي ألا يقل مدخوله عن 6 ملايين ليرة ولا يتجاوز الـ20 مليوناً مع إثبات أن لديه مداخيل مستديمة على مدى ثلاث سنوات”.

ومن الشروط كذلك، كما يقول حبيب لموقع “الحرة”، أن “لا تزيد مساحة الشقة عن 120 متراً، وأن تكون في البلدات والقرى والمناطق النائية وليس في العاصمة والمدن، وذلك بحسب ما ينص عليه قانون مصرف الإسكان، كما يشترط ألا يمتلك المقترض منزلاً على جميع الأراضي اللبناني وألا يكون مستفيداً من أي قرض مدعوم”.

ابتداءً من 20 حزيران، ستطلق مجموعة القروض، حيث يمكن تقديم الطلب عبر تطبيق إلكتروني خصّصه المصرف لذلك، أما الدفع فيبدأ بعد 10 أيام من استيفاء المقترض للشروط المطلوبة.

بين الأمل والاحباط

عادت قروض الإسكان من بوابة مصرف الإسكان في وقت لا تزال المؤسسة العامة للإسكان متوقفة عن قبول أي طلب قرض سكني حتى إشعار آخر، وذلك بعدما لعبت دوراً مهماً في حياة اللبنانيين منذ تسعينيات القرن الماضي، من خلال منحها قروضاً سكنية طويلة الأجل.

قرض مصرف الإسكان يدعم شبان القرى على الثبات في بلداتهم كما ترى هدى “على سبيل المثال أنا مهندسة من عكار، تحمست جداً للحصول على القرض، لاسيما وأن الزمن الذي تنتظر فيه الفتاة شريكاً يمتلك شقة انتهى، إذ عليها تأمين نفسها، فكم من سيدة انفصلت عن زوجها ووجدت نفسها مجبرة على العودة إلى منزل أهلها، وبما أن كل الشروط المطلوبة متوفرة بي لن أضيع هكذا فرصة”.

وقبل سنة جمعت قصة حب بين وسام وزميلته نتالي، لكنهما اعتبرا أن شراءهما شقة أمر أشبه بالخيال في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد والرواتب المتدنية، وبعد معرفتهما بعرض مصرف الإسكان عبّرا عن فرحتها الكبيرة بالأمر، ويقول وسام: “راتبي 7 ملايين ونصف المليون ليرة، سأتقدم بطلب قرض، وقد بدأت البحث عن شقة، وسأتشارك مع نتالي في الدفع”.

يعمل الاثنان في مجمع تجارية ببيروت، ولا يباليان بمكان سكنهما المستقبلي، فكل همهما أن يجمعهما سقف واحد، وبحسب وسام “شراء منزل أفضل بكثير بالنسبة لنا من استئجار شقة وخسارة أموال شهرياً بدل إيجار مسكن لن يكون لنا يوماً”.

تأسس مصرف الإسكان، في عام 1977، بموجب قانون خاص في عهد رئيس الجمهورية الراحل، إلياس سركيس، ورئيس الحكومة، سليم الحص، لمساعدة العائلات والشباب اللبناني، حيث أن الهدف منه وقف الهجرة من القرى إلى المدن، والحد من الهجرة إلى الخارج.

في الوقت الذي شكل فيه قرض المصرف بادرة أمل لجزء من الشباب اللبناني، شكل إحباطاً لآخرين، لاسيما العاملين في القطاع العام، حيث رواتب معظمهم لا تصل إلى 6 ملايين ليرة، منهم علي، الذي قال: “بعدما اطلعت على الشروط أدركت أن لا أمل لي في هذا البلد لتحقيق أي هدف”.

علي رقيب في قوى الأمن الداخلي، راتبه مليون و800 ألف ليرة، حيث كان يعادل قبل انهيار سعر صرف الليرة 1200 دولار، أما اليوم فيعادل نحو 65 دولار، ويقول: “شروط المصرف تعجيزية، لا تستهدف محدودي الدخل أو بالأحرى الفقراء، فالغالبية العظمى من القطاع العام لن يستفيدوا من هذا القرض كون رواتبهم أقل من الحد الأدنى المطلوب”.

ويضيف “من المؤكد أني لا أتكّل على راتبي الذي لا يكفي لدفع فاتورة المولد الخاص، لكن كيف لي أن أثبت للمصرف أن لدي مدخولاً آخر، وأنا كعسكري يمنع عليّ العمل خارج السلك؟”.

عندما بدأ سعر صرف الدولار بالارتفاع، بدأ ابن الـ42  عاماً العمل في السوق السوداء من خلال الأموال التي كان ادخرها حيث يحمد الله أنه حوّلها للعملة الخضراء قبل انهيار العملة الوطنية، ويشرح “لو أني لا أعمل في هذا المجال لكنت متّ وأهلي من الجوع، فأنا المسؤول عن والدتي وشقيقي”.

لا مانع لدى علي من السكن في المناطق النائية، فهو ابن الهرمل كما يقول سكان الضاحية الجنوبية، “يمكنني طلب نقل مركز خدمتي والعيش في مسقط رأسي، لكن الواضح أن مصرف الإسكان استثنانا من قرضه”.

كما عبّرت ميادة عن إحباطها من عدم قدرتها وزوجها على الاستفادة من القرض، فهي أستاذة للمرحلة الثانوية في مدرسة خاصة وكذلك زوجها، راتب كل منهما 3 ملايين ونصف المليون ليرة، وتقول: “إذا اجتزنا هذا الشرط، لماذا تحديد أن يكون المنزل خارج المدن؟ فمن المستحيل أن أسكن بعيداً عن طرابلس، كون ذلك يفرض تغيير عملنا إذ لا فروع أخرى للمدرسة حيث ندّرس”، وتساءلت “من يستهدف هذا المشروع بالفعل؟ هل هو محصور بأهل المناطق النائية فقط أم يطال كل اللبنانيين بكافة أطيافهم؟”.

هناك من راتبهم يفوق عشرين مليون ليرة يتمنون لو أن القرض يشملهم، منهم ليا، الموظفة في شركة أجنبية، التي عبّرت عن حزنها الشديد لعدم تمكنها من شراء شقة في وطنها، وتقول: “أنا مطلقة ولدي ثلاثة أولاد، أعيش في منزل بدل إيجاره الشهري 3 ملايين ليرة أي نحو 120 دولار، كنت أفضل أن أدفعه قسطاً لمسكن يكون ملكي أضمن من خلاله شيخوختي، في وطن لا حقوق لكبار السن فيه ولا ضمان صحي”.

وتضيف “أنا من بيروت، مستعدة أن أسكن في أي منطقة من لبنان ا=إذا كان المنزل ملكي، لذلك أتمنى أن تتبع باقي المصارف ذات الخطوة، وأن تشمل فئات أخرى لا يشملها قرض مصرف الاسكان”.

مخاوف وتريث

منذ صيف 2019 يشهد لبنان انهياراً اقتصادياً متسارعاً، وصل إلى حد فقدان العملية المحلية قيمتها أمام الدولار، وتفاقم الفقر حتى طال بحسب تقرير لـ”الإسكوا” 82 بالمئة من السكان.

البنك الدولي صنّف أزمة لبنان بأنها واحدة من أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وباتت تُعرّض الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد للخطر على المدى الطويل، وفي تقرير له بعنوان “المرصد الاقتصادي للبنان: الإنكار الكبير”، حمّل الطبقة الحاكمة مسؤولية “الكساد المتعمّد”.

وعن مصادر تمويل المصرف شرح حبيب “إما داخلية أي من أموالنا الخاصة أو بواسطة قروض من مصرف لبنان ومن المصارف التجارية اللبنانية، وإما خارجية بواسطة الصناديق العربية وأهمها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ومقره الكويت، الذي أعطى مصرف الإسكان ثلاثة قروض إلى حد الآن.

القرض الأول حصل عليه مصرف الإسكان، عام 1993، بقيمة 50 مليون دولار، والقرض الثاني، عام 2012،  قيمته 120 مليون دولار، أما القرض الثالث فقيمته 50 مليون دينار كويتي، أي ما يعادل 165 مليون دولار أميركي، يقول حبيب: “ننتظر أن يحول لنا المبلغ بعدما تمت المصادقة عليه من قبل مجلس الوزراء اللبناني ومجلس إدارة الصندوق العربي”.

ولفت حبيب إلى حذو بنك لبنان والمهجر حذو مصرف الإسكان بإعطاء قروض سكنية وتلك الخاصة بالطاقة الشمسية، متمنياً أن تتبع بقية المصارف ذات الخطوة.

حسام متحمس للحصول على القرض، لكنه يخشى من تراجع سعر صرف الدولار بصورة كبيرة، ما يعني كما يقول: “أن قرض المليار قد تصل قيمته إلى 100 ألف دولار إذا ما افترضنا أن الوضع استقر وتم تثبيت سعر الصرف على  10 آلاف ليرة”.

ابن البقاع يعيش في حيرة منذ أن علم بالفرصة التي أعلن عنها مصرف الإسكان، ويقول: “أخشى أن أضيعها وأندم في المستقبل، وفي ذات الوقت الصورة لا تزال ضبابية في لبنان ولا أحد يعلم إلى أين تتجه الأوضاع، لا أخفي أني أتمنى الانتقال مع زوجتي وطفلي للعيش في مسكن نملكه لكن أعتقد أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدرس من مختلف الجوانب، فهذه مجازفة بالنسبة لي”.

تعادل المليار ليرة لبنانية على سعر الصرف الحالي في السوق السوداء حوالي 35 ألف دولار، وعلى السعر الرسمي 666,66 ألف دولار، فماذا سيفعل المقترضون فيما لو تراجع سعر صرف الدولار؟ عن ذلك أجاب حبيب: “قروضنا بالليرة اللبنانية وعلى كل مقترض أن يقيس الأمر من منظوره”.

من جانبه يقول الباحث الاقتصادي، البروفيسور جاسم عجاقة: “إذا تراجعت قيمة العملة الوطنية أمام الدولار فإن الخسارة تقع على مصرف الإسكان كون عليه تسديد القرض بالدولار”.

وفيما إن كانت هذه القروض ستنعش السوق العقاري، يرى نقيب الوسطاء والاستشاريين العقاريين في لبنان، وليد موسى، أن السوق يحتاج أكثر بكثير من هذا القرض ومع ذلك يشدد على أنها مبادرة ممتازة تمنى تطبيقها رغم كل الصعوبات،  ويقول: “كل عملة صعبة تدخل إلى البلد تساعد في مواجهة الأزمة الاقتصادية، لكن ذلك لا يلغي أن مليارات الدولارات مجمدة في السوق العقاري، في حين أن قيمة القرض حوالي 125 مليون دولار، من هنا لن يساهم في تحريك وازدهار القطاع ولن يكون له أي تأثير”.

مرّ القطاع العقاري بعدة مراحل في السنوات الأخيرة، فعندما حلّت الأزمة الاقتصادية شكل هذا القطاع، كما يقول موسى لموقع “الحرة”، “الملاذ الوحيد للمودعين لكي يتمكنوا من تحصيل أموالهم من المصارف بواسطة شيكات مصرفية لشراء عقارات، وافق التاجر عليها كونه كان مديوناً للمصارف فقام هو الآخر بتسديدها للبنوك، باختصار، الجميع كان مستفيداً من هذه العملية، لكن قيمة الشيك انخفضت تدريجياً حتى وصلنا إلى مرحلة الدفع الكامل بالدولار الفريش”.

ومع توقف قبول الشيكات المصرفية انخفضت أسعار العقارات، كما يقول موسى، بمعدل 50 بالمئة، “بين 25 و70 بالمئة بحسب المناطق،  ومع هذا حركة البيع خجولة، فالمقيمون في لبنان من أصحاب الدخل بالليرة اللبنانية غير قادرين على الشراء، خاصة في ظل غياب أي قروض سكنية تحفيزية، وذلك على عكس من هم في دول الاغتراب كون رواتبهم بالعملة الخضراء”.

ودعا موسى إلى إقرار مشروع قانون إنشاء وزارة الإسكان والتخطيط “لوضع خطة إسكانية تنظم المهن العقارية ورسم خطة مستقبلية لهذا القطاع الأساسي والحيوي للمواطن اللبناني”.

فعالية محدودة

الأمر لا يقتصر على قرض السكن، بل يطرح المصرف كذلك قرض ترميم الشقة، سقفه كما يقول حبيب “400 مليون ليرة بفائدة 4,99 يدفع على مدى عشر سنوات، كذلك هناك قرض للطاقة الشمسية يتراوح بين 75 و200 مليون ليرة بفائدة 5 بالمئة يدفع على مدى خمس سنوات، أما شروطهما فهي ذاتها المتعلقة بقرض الشقة”.

وأضاف “مع العلم أنه تم توقيع بروتوكول بين المصرف والمركز اللبناني للحفاظ على الطاقة المنوط به إعطاء الموافقة على اسم الشركة الخاصة بتركيب ألواح الطاقة الشمسية، وكذلك مع وزارة الطاقة التي يقع على عاتقها التأكد من من توفر شروط السلامة العامة والبيئية”.

عجاقة يشدد على أهمية القرض، لكنه يعتبر أنه في ظل الظروف التي يمر بها لبنان لا يمكن الاستفادة منه سوى بالشق المتعلق بالطاقة الشمسية.

ويشرح “أي منزل هذا الذي سعره 35 ألف دولار، وإذا افترضنا أن شخصاً عثر على مسكن خارج العاصمة بهذا السعر كم سيكلفه الانتقال من وإلى بيروت من محروقات في ظل الارتفاع الجنوني لسعرها؟ من هنا سيعدل عن الفكرة، كذلك الحال بالنسبة لترميم الشقق فمن سيضع على كاهله مبلغاً من المال في بلد لا يعرف أحد إلى أي مدى سيصل فيه الانهيار؟”.

يتوقع عجاقة أن من سيستفيد من هذا القرض هم فقط من يريدون تركيب طاقة شمسية لمواجهة انقطاع كهرباء الدولة والفاتورة الباهظة للمولدات الخاصة، وأكد أنه “قبل كل شيء يحتاج لبنان إلى ثقة، فإذا لم تتشكل حكومة وتضع خطة إصلاح لن يقدم أي لبناني مقيم على شراء أو ترميم عقار، فبحسب النظرية الاقتصادية، الدين المعقول بمعنى الذي لا يتخطى نسبة معينة من المداخيل يفرض وجود أمل بالمستقبل للاستثمار وهذا ما ليس متوفراً حالياً”.