هل تدفع المخاوف من فراغ حكومي ورئاسي فرقاء لبنان إلى التوافق

تثير المخاوف المتصاعدة من حدوث فراغ حكومي ورئاسي في لبنان تساؤلات عما إذا كان ذلك سيدفع الفرقاء إلى التوافق، خاصة بعد أن أنجز البرلمان الجديد أول استحقاق على عاتقه وهو انتخاب رئيس له، ليبقى أمامه الاستحقاقان الأصعب، وهما تكليف رئيس حكومة، وانتخاب رئيس للجمهورية، نظرا لكون ولاية الرئيس الحالي ميشال عون تنتهي هذا العام.

ويعني وصول برلمان جديد في لبنان تلقائيا تحوّل الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال، وأنه بات أمام استحقاق اختيار شخصية من الطائفة السنية لتكليفها برئاسة الحكومة الجديدة وتشكيلها.




ودأب الفرقاء اللبنانيون خلال السنوات الماضية على التوافق على شخصية معينة لانتخابها، حتى بات اسم الرئيس الذي سيكلّف معروفا مسبقا، حتى قبل إجراء الاستشارات النيابية الملزمة.

وتجري هذه الاستشارات الملزمة بين النواب ورئيس الجمهورية، حيث يعمدون إلى تسمية المرشح الذي يختاره كل نائب منهم أو تكتل نيابي لهذا المنصب، على أن يتم تكليف الشخصية التي تحصد أعلى نسبة أصوات.

لكنّ الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في الخامس عشر من مايو الماضي، غيّرت تركيبة مجلس النواب، بحيث لم تعد هناك أكثرية مطلقة لأي من التكتلات، وذلك بسبب تمكن عدد من النواب المستقلين وآخرين أطلق عليهم “التغييريون” لأنهم جاؤوا نتاج ثورة السابع عشر من تشرين، من اختراق التحالفات الأكبر في لبنان ودخول المجلس النيابي.

ونتيجة لذلك، تراجع عدد مقاعد “حزب الله” و”حركة أمل” و”التيار الوطني الحر” (مسيحي) وحلفائهم من 71 إلى نحو 60، فيما المقاعد الـ68 المتبقية موزّعة على قوى مختلفة.

وفي الثلاثين من مايو 2022، انتخب النواب بالغالبية نبيه بري رئيس “حركة أمل” (شيعية)، رئيسا له لولاية مدّتها 4 سنوات، هي السابعة له على التوالي في هذا المنصب.

وحصل بري (84 عاما) على 65 صوتا من إجمالي 128، فيما صوّت 23 نائبا بورقة بيضاء، إضافة إلى 40 ورقة ملغاة.

والآن باتت الأنظار متّجهة إلى استحقاق تكليف رئيس للحكومة لتشكيلها، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تعيشها البلاد.

وتنصّ المادة 53 من الدستور اللبناني على أن “رئيس الجمهورية يسمّي رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استنادا إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها”.

وخلال الاستشارات النيابية، تزور الكتل البرلمانية القصر الجمهوري، وتجتمع مع رئيس البلاد ميشال عون وتقدم له اسم الشخصية التي ترشحها لرئاسة الحكومة.

وإلى غاية الآن، لم يحدد عون موعدا للاستشارات النيابية، حيث من المرجح أن تنضج الأمور والموعد الأسبوع المقبل أو حتى بعده، إفساحا للمجال أمام الاتصالات واللقاءات، وفق مراقبين.

◙ وصول برلمان جديد في لبنان تلقائيا يعني تحوّل الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال

وهناك ثغرة في الدستور دائما ما تثار في مثل هذه الحالات، وهي أنه لم يحدد صراحة أيّ مدة زمنية تلزم رئيس الجمهورية بتحديد موعد الاستشارات النيابية ضمنها، الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام إطالة مدة الفراغ إلى حين التوافق غالبا على شخصية معينة.

وكرّس اتفاق الطائف (1989) الذي أنهيت بموجبه الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) معادلة اقتسام السلطة على أساس المحاصصة التي توزّع المناصب الرئيسية على أساس طائفيّ بين المكونات الأساسية الثلاثة، المسيحيين والسنة والشيعة.

وتتوزّع الرئاسات الثلاث بواقع: رئاسة الجمهورية للمسيحيين المارونيين، ورئاسة الحكومة للمسلمين السنّة، لتبقى رئاسة البرلمان من حصة الشيعة.

ويحافظ رئيس الحكومة اللبناني الحالي نجيب ميقاتي على علاقات جيدة مع مختلف القوى السياسية، كما أن خطابه ليس استفزازيا لأيّ فريق سياسي، وعلاقاته جيدة مع الدول العربية والأجنبية، ما يجعله شخصية توافقية بين أركان السلطة التقليدية.

وفي هذا الإطار، يرجّح المحلل السياسي علي حمادة احتمال تكليف ميقاتي من جديد لتشكيل الحكومة. ويتوافق كلام حمادة مع المحلل السياسي توفيق شومان، الذي يقول إن ميقاتي هو واحد من الأسماء التي تملك الحظوظ والأسهم الأكبر لتسميته.

وقال شومان إن “الشخصية التي ستترأس الحكومة المقبلة لن تحظى بأصوات كثيرة، بل ستكون هناك مجموعة من المرشحين وكلّ شخصية تنال أصواتا معينة، ومن يحظى بالعدد الأكبر يتم تكليفه”، وذلك بسبب غياب أكثرية بالبرلمان، ووجود ثلاثة تكتلات كبرى فيها.

ويرى المحلل السياسي قاسم قصير أن الاسمين الأكثر ترجيحا للتكليف هما نجيب ميقاتي، ونواف سلام في حال تم التفاهم بينه وبين جماعة “حزب الله” و”حركة أمل”.

وهذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها اسم نواف سلام لهذا المنصب، ففي أعقاب اندلاع التحركات الشعبية الواسعة في لبنان عام 2019، وما نتج عنها من استقالة الحكومة وقتها برئاسة سعد الحريري، طُرح اسم سلام الذي كان يشغل منصب مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة بين العامين 2007 و2017، لكنّ حزب الله وحلفاءه عارضوا الأمر.

وتابع قصير أن أسماء أخرى يتم طرحها وتأتي في المستوى الثاني، وهي الاقتصادي عامر بساط أو النائب السنّي عبدالرحمن البزري.

ويرجّح مطلعون أن تخفق القوى السياسية اللبنانية في تكليف شخصية سنية لترؤّس الحكومة، وبالتالي استمرار حكومة تصريف الأعمال في عملها إلى ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية.

ويرى حمادة أن “استمرار عمل حكومة تصريف الأعمال (حكومة ميقاتي الحالية) أمر غير ممكن، فهناك مجلس نواب جديد ومتحوّلات ومتغيرات في تركيبة المجلس، لذا لا يمكن إحياء حكومة مستقيلة قائمة على توازنات مجلس قديم”.

ShareWhatsAppTwitter