“الحزب” أطاح الأكثرية الجديدة… هل يحوّلها على الأقل الى معارضة؟

سابين عويس – النهار

بعد أيام من انتخاب هيئة مكتب المجلس النيابي الجديد، وقبيل الشروع في انتخاب رؤساء واعضاء اللجان النيابية، ستكون الكتل المنبثقة من استحقاق 15 أيار أمام اختبار جديد لاصطفافاتها وتحالفاتها في الاستشارات النيابية الملزمة التي ستسمي خلالها الكتل رئيساً للحكومة يُكلف تشكيلها. وقد بدا واضحاً من اللائحة التي سلمتها الأمانة العامة للمجلس النيابي الى القصر الجمهوري للنواب والكتل كما توافرت لديها، ان الوافدين الجدد الى الندوة البرلمانية من مستقلين وتغييريين لم يحسموا بعد امرهم لجهة الابقاء على سمة الاستقلالية للبعض منهم او الانضواء تحت كتلة موحدة او الانضمام الى كتل قائمة، بحيث يمكن إحصاء 19 نائباً اُدرجت أسماؤهم تحت مسمّى مستقلين، و13 نائباً تحت مسمّى “نواب” فقط، وهم في الواقع الذين عُرفوا باسم “التغييريين”، فيما انتظم ثنائي “حزب الله” و”امل” في كتلتي “التنمية والتحرير” و”الوفاء للمقاومة”، و”القوات اللبنانية” في كتلة “الجمهورية القوية”، و”التيار الوطني الحر” في تكتل “لبنان القوي”، والحزب الاشتراكي في “اللقاء الديموقراطي”، و”المردة” ضمن “التكتل الوطني المستقل”، وأبقى كل من الكتائب والارمن و”الجماعة الإسلامية” و”المشاريع الخيرية” على اسماء كتلها. لم تعد التسمية التي سيطلقها المستقلون او التغييريون على أنفسهم مهمة في عمليات احتساب الأكثرية او الأقلية بعد التجربة التي خاضها هؤلاء في انتخابات رئاسة المجلس ونيابة الرئاسة، وقد بدا جليا ان عمل هؤلاء في المجلس وتحديد خياراتهم وقراراتهم بالتصويت سيكون “على القطعة” وفق ما تمليه حساباتهم واجنداتهم السياسية. لكن الأكيد ان “حزب الله” نجح في اختبارهم ووضع يده على مكامن الضعف لديهم، بما يتيح له سهولة اختراقهم واستمالتهم وفق ما تقتضيه مصالحه.




وقد تكشّف ذلك بوضوح في اختبار القوة الذي خاضه الحزب في انتخابات هيئة مكتب المجلس، حيث نجح في تحريك 65 صوتاً لحسابه، متمسكاً بهذا الرقم لانتخابات الرئاسة ونيابة الرئاسة وامانة السر، بهدف تكريسه الرقم الصعب الجديد الذي سيحدد من خلاله الأحجام والاوزان داخل المجلس، واستطراداً الأكثرية والأقلية.

خاض الحزب معركته الانتخابية تحت عنوان واحد هو: الاستمرار في الإمساك بالسلطة، بأكثرية او من دونها. وهو لم يخشَ خسارة الأكثرية لمصلحة الوافدين الجدد، انطلاقاً من معرفته الاكيدة بقدرته على التعامل معهم. وبدلاً من ان تشكل نتائج الانتخابات نكسة له او خسارة امام الفائزين، وهو للمفارقة كان يعي انه سيفقد الأكثرية بفعل تراجع شعبية حليفه المسيحي بسبب أدائه، استعاد موقعه وعزز ثقة جمهوره المتراجعة اساساً في ظل الازمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تعصف بالبلد.

هذا الواقع يساعد الحزب على التحكم باستشارات التأليف ايضاً، ودائما انطلاقاً من الـ 65 صوتاً الذين باتوا يشكلون له أكثرية ضامنة، او أكثرية معطلة، مقابل أكثرية مشتتة وغير متماسكة تفتقر الى قواسم مشتركة وضابط إيقاع ينظم حركتها ويؤمن التناغم والانسجام بين أركانها.
هذا التشتت الذي يعوّل عليه الحزب، مؤهل لأن يستمر ويطول، وربما يضرب كل الجهود التي بُذلت محلياً وخارجياً لاسترجاع السلطة من يد الحزب. والواقع ان الحزب لم يبذل جهداً كبيراً لتشتيت الوافدين الجدد، الذين يتحملون جزءاً لا يستهان به منه. فهم تلهّوا بالشكل وتناسوا الجوهر الذي من اجله خاضوا الانتخابات، ومن اجله ايضاً ائتمنهم الناس على أصواتهم.
إن حجم الازمة وعمقها يتطلب استراتيجيات على المستوى عينه. ولا بأس ببعض المظاهر الاستعراضية شرط ان تقف عند باب البرلمان، لا ان تتجاوزه وتترجم بتصويت استعراضي.
لقد خسر الحزب اكثريته في 16 أيار الماضي، لكنه ما لبث ان استرجعها بسرعة تفوق التوقعات بعدما تلمّس هشاشة وسطحية لدى الخصوم الغارقين حتى الساعة في احتساب أحجامهم، ليس بهدف تحقيق أكثرية متماسكة بل للظهور بمظهر الأقوى على ملعبه.

في تحليل أخير صدر في مجلة “فورين بوليسي” تحت عنوان “لبنان بات لديه معارضة مجدداً”، ذكرت المجلة انه يمكن للتحالف الجديد المنبثق من #الانتخابات النيابية ان يكبح او حتى يطيح “حزب الله” وقبضته الحديدية على البلد. فالحزب وحلفاؤه يواجهون اليوم اكبر معارضة منذ عام 2009، من خلال ائتلاف فضفاض يضم حزب “القوات اللبنانية” ومستقلين يصل عددهم الى 60 مقعداً من اصل 128 مقعداً.

ويرى التحليل ان لبنان أصبح دولة فاشلة ومصدراً عالمياً للمخدرات والإرهاب واللاجئين. وقد تخلفت الولايات المتحدة الأميركية الملدوغة من فشلها في نشر الديموقراطية في المنطقة والتلاعب بكل ما يرتبط بايران، وحصرت سياستها في لبنان على مستوى إدارة الازمة.

هذه القراءة تقود الى التساؤل المبرر بعد نتائج انتخابات هيئة مكتب المجلس التي وإن أعطت الفوز بالنصف زائدا واحدا لنبيه بري والياس بو صعب وآلان عون، الا انها عكست بالأصوات الستين التي نالها غسان سكاف وجود احتمال كبير لقيام معارضة. والسؤال: اذا كان انتخاب بري وبو صعب بـ 65 صوتاً رجح كفة الأكثرية لمصلحة الحزب وحلفائه، فهل يمكن التعويل على الـ60 صوتاً التي نالها سكاف لقيام معارضة حقيقية تعوق مشاريع الأكثرية الجديدة؟