تصريحات جعجع تزيد من قلق مدير الأمن العام وقائد الجيش

زادت الانتخابات التشريعية التي جرت في الخامس عشر من مايو الماضي من حدة المخاوف في لبنان بدلا من التمهيد للإصلاحات. وطالت هذه المخاوف أهم العناصر الفاعلة في المشهد بدءا من قائد الجيش العماد جوزيف عون مرورا بمدير الأمن اللواء عباس إبراهيم وصولا إلى زعيم القوات اللبنانية الفائزة في الانتخابات سمير جعجع الذي أطلق تصريحات أكد فيها أنه سيكون “ضد أي مرشح رئاسي يدعمه حزب الله، وسنرفض أي متحالف معه لرئاسة الوزراء وسنقاطع الحكومة إن تشكلت توافقية”، وهو ما ينبئ بأزمة سياسية حادة سيعيشها لبنان.

وألقت هذه التصريحات القوية، خاصة مع تلويح جعجع بـ”مواجهة كبيرة” مع حزب الله، بتأثيرها على أهم الفاعلين في المشهد وعلى رأس هؤلاء مدير عام الأمن اللبناني الذي قال إن مخاطر الشلل السياسي ازدادت منذ أن أسفرت الانتخابات التشريعية عن برلمان متشرذم، محذرا من “كارثة” في ظل عدم وجود أغلبية لإقرار القوانين.




وتقول أوساط سياسية لبنانية إن اللواء عباس إبراهيم هو أكثر الناس معرفة بتفاصيل الأزمة المتشعبة، وإن موضوع الرئيس الجديد، وكذا رئيس الحكومة، والتحالفات التي ستتشكل لأجل اختيارهما ستكون قضية مفتوحة لأشهر خاصة مع استحالة بناء تحالفات سياسية تحقق وفاقا أشمل حول القضايا العاجلة في لبنان، وعلى رأسها الإصلاحات الاقتصادية وحاجة لبنان إلى اكتساب ثقة صندوق النقد الدولي ومانحين إقليميين ودوليين زادتهم نتائج الانتخابات قلقا أكبر.

عباس إبراهيم أكثر الناس معرفة بأن موضوع الرئيس الجديد ورئيس الحكومة سيكون قضية مفتوحة لأشهر

وتشير الأوساط السياسية اللبنانية إلى أن اللواء عباس إبراهيم والعماد جوزيف عون يدركان تماما صعوبة الوضع السياسي والاقتصادي حاليا. وإذا كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي يحتمل في السابق وجود صراعات سياسية حادة، فإنه الآن مختلف ويمكن أن تتجدد انتفاضة تشرين بأكثر عنفا وبنتائج كارثية على الفئات الضعيفة والهشة.

وإذا كان من الممكن في السابق أن يضغط قائد الجيش أو قائد الأمن على أطراف الفوضى السياسية ويجعل هذه الأطراف تجلس إلى طاولة الحوار وتتفاهم، فإن تشرذما اجتماعيا في الوقت الحالي قد يفكك ما تبقى من كيان الدولة، إذ لا توجد حلول معروفة للفوضى الاجتماعية مع استمرار الطبقة السياسية في لعبتها المفضلة القائمة على خلق الفراغ السياسي وإهمال الحلول.

ويقول مراقبون إن هناك مؤسستين باقيتين في لبنان هما الجيش والأمن، وإن كان الجيش هو الخيار في العادة، لكن الكثير من التفاصيل يحركها الأمن العام، وإن دخول عباس إبراهيم على الخط للمرة الثانية يعني أنه كجهاز سيادي قد يجد نفسه في تقاطع مع اللاعبين السياسيين اللبنانيين خصوصا وأن الأمور تغيرت في الانتخابات ولكن من دون الوصول إلى حسم بين رابح وخاسر.

وكانت وسائل إعلام لبنانية قد تحدثت في سبتمبر من العام الماضي عن مبادرة أعدها عباس إبراهيم وتهدف إلى تسهيل تشكيل الحكومة وحل نقاط الخلاف المستعصية بين الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي بشأن حقائب خلافية، ما يؤكد أن مدير الأمن لا يقبل أن تستمر الأزمة السياسية مفتوحة على المجهول ما يهدد استقرار لبنان ويؤثر على أمنه القومي.

وأبدى إبراهيم في مقابلة له الخميس قلقه بشأن عدم الاستقرار الاجتماعي قائلا “نحن قلقون من عدم الاستقرار الاجتماعي أكثر من عدم الاستقرار السياسي” في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات المالية في العالم.

وقال “هذه النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات يمكن أن تُحدث كارثة، لأن لدينا تكتلات سياسية كبيرة مع اتساع الفجوة بينها في مختلف القضايا، ولا توجد أغلبية لإقرار القوانين”.

ويعاني لبنان من واحد من أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم وفقا للبنك الدولي، حيث فقدت الليرة 90 في المئة من قيمتها منذ عام 2019.

وحذر محللون من أن الانقسامات في مجلس النواب ستؤخر على الأرجح التوافق على قوانين الإصلاح اللازمة لإخراج لبنان من الأزمة. ويمكن لهذه الانقسامات أيضا خلق فراغ في المناصب القيادية العليا.

وكان قائد الجيش اللبناني قد حذر من أن البلاد ستواجه أزمة غير مسبوقة إذا غابت الحلول، مؤكدا أن المس بالمؤسسة العسكرية سيؤدي إلى انهيار الكيان اللبناني وانتشار الفوضى.

وقال إن “استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان سيؤدي حتما إلى انهيار المؤسسات ومن ضمنها المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن البلد بأكمله سيكون مكشوفا أمنيا”.

وأضاف “يبدو واضحا انعدام فرص حلول الأزمة الاقتصادية في الوقت القريب، ولذلك تزداد الحاجة أكثر إلى دعم الجيش الذي يحظى بثقة المواطن ومساندته كي يبقى متماسكا وقادرا على القيام بمهامه”.

كل المؤشرات توحي بأن الفراغ السياسي والدستوري سيستمر، لكن الأسوأ أن الوضع قد يتطور إلى “مواجهة كبيرة بين الكتل الطائفية وحزب القوات اللبنانية”

ورغم التفاؤل الذي ساد بسبب نجاح الانتخابات في كسر هيمنة حزب الله وحلفائه على المشهد، فإن تركيبة مجلس النواب وتنافر مواقف الكتل الفائزة، وهي كتل صغيرة، أحبطا تفاؤل اللبنانيين بأن تكون الانتخابات بوابة للخروج من الأزمة السياسية والتفرغ للإصلاحات الاقتصادية.

وتوحي كل المؤشرات بأن الفراغ السياسي والدستوري سيستمر، لكن الأسوأ أن الوضع قد يتطور إلى “مواجهة كبيرة بين الكتل الطائفية خاصة المجموعات ذات الثقل التاريخي مثل حزب الله وحركة أمل من جهة، وحزب القوات اللبنانية من جهة ثانية” كما قال زعيم القوات اللبنانية منذ أيام.

كما حذّر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من أن “جبهة 8 آذار السورية – الإيرانية ستنتقم لهزيمتها في الانتخابات بكل الوسائل ولن ترحم”، في إشارة واضحة إلى أن حزب الله سيعمل على القصاص من المناطق التي صوتت ضد مرشحي حلفائه، وأنه سيواجه بقوة النواب الذين يفكرون في الخروج عن طاعته أو المساس بالتوازنات التي تخدمه.

وقالت أوساط سياسية لبنانية إن التحذير الصادر عن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد معرفة عميقة بتصرفات حزب الله في الماضي، معتبرة أن ما يثير المخاوف هو أن حزب الله لم يعلّق كثيرا على النتائج ولم يوجه أصابع الاتهام إلى أيّ جهة، وهو ما يعني أن ردة فعله قد تكون من وراء الستار، وقد تخرج عن البعد السياسي إلى مجالات أخرى يتقنها الحزب.

وكان جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي هدفا لحزب الله بما سمي غزوة الجبل عام 2008، عندما اجتاحت قوات من حزب الله مواقع الحزب وهددت مقر إقامة جنبلاط شخصيا.

وعمل حزب الله خلال العقدين الماضيين على دعم قيادات درزية بديلة عن القيادة التاريخية للطائفة من قِبل آل جنبلاط.