“هستيريا” الدولار توقع اللبنانيين في فوضى الأسعار.. الاتجاه صعوداً فقط

أسرار شبارو – الحرة

يعيش اللبنانيون كابوس فوضى الأسعار التي تُرافق الدولار بارتفاعه وتتغافله عند هبوطه، حتى باتت خيالية، في وقت انخفضت فيه القدرة الشرائية للمواطنين بصورة دراماتيكية.




ما يحصل في لبنان أشبه بـ”هستيريا”، فبعد تحليق الدولار وتخطيه عتبة الـ38 ألف ليرة عاد وتراجع 10 آلاف ليرة بعد تعميمين صادرين عن حاكم مصرف لبنان في 27 مايو الماضي، وذلك قبل انتخاب الرئيس نبيه بري لولاية سابعة لرئاسة المجلس النيابي، ليعاود الصعود بعيد انتخابه متخطياً عتبة الـ32 ألف ليرة أما اليوم فوصل سعر الصرف إلى 28,500 ليرة.

بدأ سعر صرف الدولار ارتفاعه في السوق السوداء في أكتوبر 2019 حيث وصل حينها إلى ألفي ليرة، ليحافظ بعدها على ثباته حتى شهر ديسمبر، ومن يناير 2020 إلى يناير 2021 وصل إلى نحو 8,500 ليرة، ليبدأ منذ ذلك التاريخ انهياره الكبير حيث وصل سعر صرفه إلى 15 ألف ليرة بين يناير ومارس من ذلك العام، بحسب تقرير أعدته “الدولية للمعلومات” العام الماضي، لتستمر رحلة تحليق الدولار حتى كاد أن يصل هذا العام إلى عتبة الـ40 ألف ليرة.

يرخي ارتفاع سعر صرف الدولار بظلاله الثقيلة على كل جوانب الحياة في لبنان، في وقت يعجز فيه اللبنانيون عن سحب أموالهم من المصارف بسبب قيود ناتجة عن شح السيولة، حيث تم تحديد سقف للسحوبات المالية بالعملة المحلية وبالدولار، ليجد المودعون أنفسهم محرمون من “جنى عمرهم”.

الأوضاع الاقتصادية والمالية رفعت معدل البطالة ثلاثة أضعاف وفق مسح أجرته الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة نشرت نتائجه الشهر الماضي، وذلك بعدما عجزت المؤسسات عن دفع الرواتب، منها من اضطرت إلى إغلاق أبوابها ومن بقيت تقاوم الظروف سرّحت عدداً من موظفيها، ما وضع اللبنانيين بين مطرقة الفقر وسنديانة الارتفاع الخيالي للأسعار.

Lebanese protesters gather in front of a bank in the southern city of Sidon (Saida) on December 30, 2019 to protest against…
المودعون أنفسهم محرمون من “جنى عمرهم”

وبحسب تقرير صدر الشهر الماضي عن المقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أوليفييه دي شوتر حول لبنان “يجد تسعة من كل عشرة أشخاص صعوبة في الحصول على دخل، وما يزيد على ستة أشخاص من كل عشرة سيغادرون البلد لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً”، في وقت ارتفعت أسعار المواد الغذائية في لبنان بصورة إجمالية بنسبة 1000% منذ بدء الأزمة الاقتصادية، وبلغ التضخم نسبة 215% في شباط 2022 وذلك وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي.

في كل مرة يتراجع فيها سعر صرف الدولار يطالب اللبنانيون بتراجع أسعار السلع والمواد الاستهلاكية معبرين عن رفضهم لتمسك أصحاب المحال والسوبرماركت بأعلى تسعيرة قام كل منهم بتحديدها وفق هواه، إذ لم يعد ينتظر هؤلاء لوائح المورّدين، يعدّلون الأسعار تلقائياً، ليتمسكوا بها مع انخفاض سعر العملة الخضراء، مبررين ذلك بأنهم اشتروا بضائعهم على أعلى الأسعار.

في محاولة للجم الأسعار وقّع رئيس الجمهورية اللبنانية المرسوم 9334 تاريخ 27 مايو 2022، القاضي تشكيل “المجلس الوطني لسياسة الأسعار”.

ويضم المجلس المشكّل للمرة الأولى منذ إقرار انشائه في العام 1974، المعنيين من إدارات رسمية وجمعيات الاتحاد العمالي العام تمثل مختلف شرائح المجتمع اللبناني، يعملون معاً على وضع سياسة للأسعار بعدما كانت وزارة الاقتصاد معنية وحدها من خلال مصلحة حماية المستهلك بهذه المسؤولية، حيث تتجه الأنظار إليه لمعرفة الفوائد التي سيحققها لمصلحة المستهلك اللبناني.

محاولات تحت المجهر

أطاح سعر صرف الدولار بقدرة فقراء لبنان حتى على تأمين المواد الغذائية الضرورية، إذ بات كل شيء صعب المنال بالنسبة إليهم، فاللحم أصبح من الترف كذلك الدجاج، الأمر يطال كذلك الفاكهة فكيلو الجنارك بـ150 ألف ليرة والكرز بـ 110 آلاف ليرة أما الإجاص فوصل سعر الكيلو منه الى 75 ألف ليرة، لا بل حتى الحبوب والخضار التي كانت تعتبر في الماضي سلاح الفقراء في مواجهة الجوع أصبح يُحسب لها حساباً اليوم.

لا يقتصر سبب ارتفاع الأسعار في لبنان على ارتفاع سعر صرف الدولار، بل يقف خلف ذلك أسباب عالمية أيضاً منها الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع أسعار النفط والغاز، وقد أفادت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة  “فاو” في شهر أبريل الماضي بأن الأسعار العالمية للسلع الغذائية سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً في مارس لتصل إلى أعلى مستويات لها على الإطلاق في ظل تسبب الحرب في منطقة البحر الأسود بصدمات في أسواق الحبوب الأساسية والزيوت النباتية.

الانخفاض الكبير لسعر صرف الدولار دفعة واحدة دفع وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني أمين سلام إلى مطالبة جميع تجار المواد الغذائية بكل أصنافها وأصحاب السوبرماركت، بـ”الالتزام التام ببيع المواد الغذائية وكل السلع بحسب التسعير المحدث لسعر الصرف”، محذراً من عدم الالتزام أو التلاعب بقصد احتكار المواد الغذائية والسلع بأصنافها كافة بغية تحقيق أرباح غير مشروعة.

Drivers queue in front of a petrol station in the Lebanese capital Beirut on August 13, 2021, amidst a wave of shortages of…
لا يقتصر سبب ارتفاع الأسعار في لبنان على ارتفاع سعر صرف الدولار

وخلال إطلاق المجلس الوطني لسياسة الاسعار أعلن سلام أن “النقابات أكدت أن أسعار السلع ترتفع بشكل متوازٍ مع سعر صرف الدولار، ولم تسعر على سعر صرف الـ40 ألفاً للدولار الواحد في أي من المتاجر”، وقال “مَن يريد استغلال حاجة الناس سنكون له بالمرصاد، نحن متوجهون نحو الانهيار وعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته”.

من جانبه، تأسف مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر كون “هناك من يرفع الأسعار مباشرة مع ارتفاع سعر صرف الدولار ولا يخفضها بذات السرعة”، مؤكداً أنه “بعد هبوط سعر صرف الدولار بشكل كبير قامت وزارة الاقتصاد ومديرية حماية المستهلك بجولات على السوبرماركت فتبين أن بعضها لم يخفض أسعاره بذريعة أن المستورد لم يسعّر لها، وقد تم تسطير محاضر بحق العديد من المؤسسات”.

وأشار في حديث لموقع “الحرة” إلى أنه “سنغير الاستراتيجية بتشديد الرقابة أكثر على المستوردين للتأكد من تزويدهم السوبرماركت باللوائح الجديدة للأسعار، ولذلك طلبت من المعنيّين في مصرف لبنان الحصول على أسماء المستفيدين من منصة صيرفة لاستيراد المواد الغذائية، للكشف عن آلية تسعيرهم للبضائع فيما إن كانت على سعر المنصة أم على سعر السوق الموازية”.

لكن رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي اعتبر في حديث لموقع “الحرة” أنه “من غير الممكن التسعير في ظل التقلبات الحادة في سعر الصرف، فلا التاجر ولا المستورد ولا المستهلك يمكنهم التأقلم مع ما يحدث، وبالتالي لا يمكن تطبيق القوانين العامة على هكذا وضع”.

شكوك

“على الرغم من التحذيرات المبكرة، أضاع لبنان وقتاً ثميناً، والعديد من الفرص لتبنّي مسار لإصلاح نظامه الاقتصادي والمالي” بحسب ما قاله المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك ساروج كومار جاه، معتبراً أن “تكاليف التقاعس والتلكؤ هائلة، ليس فقط على الحياة اليومية للمواطنين، وإنما أيضاً على مستقبل الشعب اللبناني”.

وأضاف بحسب بيان للبنك الدولي “بعد مرور عامين ونصف العام على الأزمة، لم يشرع لبنان حتى هذا التاريخ في تطبيق برنامج شامل للإصلاح والتعافي يحول دون انزلاق البلاد إلى مزيد من الغرق. وينطوي استمرار التأخير المتعمد في معالجة أسباب الأزمة على تهديد ليس على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فحسب، وإنما أيضاً على خطر إخفاق منهجي لمؤسسات الدولة وتعريض السلم الاجتماعي الهش لمزيد من الضغوط”.

رئيس “جمعية المستهلك” زهير برو ردّ في حديث لموقع “الحرة” عدم انخفاض الأسعار مع هبوط سعر صرف الدولار إلى أن “لبنان في حالة انهيار، الدولة غائبة عن السمع، وبعد انتخاب معظم الوجوه القديمة في المجلس النيابي من الطبيعي أن تستمر ذات السياسات”.

وكانت الجمعية أصدرت بياناً علّقت خلاله على انشاء المجلس بالقول “قررت السلطة إخراج أرنب قديم، جاهز منذ العام 1974، من قبعتها للضحك على الناس. شكلت مجلس للأسعار؟ ماذا سيفعل؟ هل سيراقب التجار؟ أي تجار؟ هل سيفتح منصة جديدة للدولار أم سيخترع سعر جديد للدولار الجمركي أم سيثبت الأسعار”.

Lebanese bakers bag freshly-baked bread as people queue outside of a bakery in the southern coastal city of Sidon, on August 13…
هناك من يرفع الأسعار مباشرة مع ارتفاع سعر صرف الدولار ولا يخفضها بذات السرعة

وأشارت إلى أن “قانون حماية المستهلك أوجد في المادة 60 منه المجلس الوطني لحماية المستهلك عام 2005، والمشكّل قانونا عام 2006 لمناقشة كل هذه الأمور، لكن من في الحكم يقومون بكل ما في وسعهم لإسكات ممثلي المستهلك الشرعيين والاستماع فقط التجار والمحتكرين”.

العودة إلى أرنب 1974 يلخص بحسب البيان “بؤس المؤسسات والسلطة وتغييب القوانين الحديثة والدستور. لو كان القضاء موجودا لطعنت الجمعية في هذه الخزعبلات التي همها الوحيد نشر الضباب الكثيف لإخفاء حقيقة زوال الدولة والمؤسسات وسيادة حزب المصارف”.

من جانبه، يشدد الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان في حديث لموقع “الحرة” على ضرورة تفعيل دور مراقبي وزارة الاقتصاد وبالتحديد مراقبي مصلحة حماية المستهلك “لكي نصل إلى مرحلة يتماشى فيها تراجع الأسعار مع تراجع سعر صرف الدولار”، معتبراً أن انشاء “المجلس الوطني لحماية الأسعار” خطوة إيجابية “لكن التحدي الفعلي في كيفية تطبيقه”.

كذلك يعتبر الكاتب الصحافي نذير رضا أن “لا قدرة لدى الدولة اللبنانية على حماية القانون للجم الأسعار بسبب غياب مركزية القرار إضافة إلى التجاذبات السياسية والطائفية، كما أنها لا تملك القدرة على حمايته نتيجة الأزمة اللبنانية، وخير دليل على ذلك عدم توظيف أي مدني أو عسكري في القطاع العام منذ عام 2017، والخوف اليوم من أن ينسحب عجز الدولة على المجلس الوطني لسياسية الأسعار، لاسيما في ظل النقص بعديد مراقبي مصلحة حماية المستهلك والقوى الأمنية”.

ويشير رضا في حديث لموقع “الحرة” إلى أن “هناك مظاهر لتحلل الدولة منذ سنة 2019، لا هيبة لها ما يضطرها للقيام بتسويات مع التجار لعجزها عن مواجهتهم”، ويشدد على أن “ما يزيد من ضعف الدولة اللبنانية هو اقتصادها الريعي غير المنتج، وبسببه تعاني منذ 30 سنة من خلل فظيع بالميزان التجاري”.

بين الحلول الوطنية والعالمية

خلال اجتماع وزاري حول الأمن الغذائي في الأمم المتحدة أشار وزير الخارجية والمغتربين اللبناني عبد الله بو حبيب إلى أن “عواقب الصراع الجاري في اوروبا، مصحوبةً مع دمار إهراءات القمح الأكبر في لبنان الناتج عن انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، أدت الى تفاقم الأزمة في لبنان”.

وقال بو حبيب “الدمار الكبير الذي تسبب به انفجار مرفأ بيروت حدّ من تدفق المواد الغذائية مما أدى الى ارتفاع أسعار هذه المواد لتصبح بعيدة عن متناول العديد. كما أضاف الصراع في أوروبا تحديات جديدة على واقع لبنان الصعب، خصوصاً ان لبنان يتصدّر لائحة الدول التي تعتمد على القمح الأوكراني”.

ولفت إلى أن “حاجة لبنان الشهرية تقدر بـ50,000 طن من القمح، كما أن لبنان يعتمد على الواردات لتأمين حوالي 85% من حاجاته الغذائية اتخذت الحكومة إجراءات عملية لتخفيف وطأة هذه المشكلة، نحن نتخذ الخطوات لتحفيز زيادة الانتاج المحلّي ونعمل على تأمين اتفاقات مع عدد من الدول لاستيراد القمح بأسعارٍ مقبولة”.

هذه الأزمة العالمية تتطلب بحسب وزير الخارجية اللبناني “حلولاً على المستوى العالمي وليس فقط على المستوى الوطني. علينا ألا ندق ناقوس خطر انعدام الأمن الغذائي فقط، بل علينا ان نتصرف بسرعة، وحزم وبصورة جماعية”.

التسعير بالدولار هو الحل الآني الواقعي كما يرى بحصلي، ويقول “كل البضائع باتت مسعّرة بالدولار باستثناء المواد الغذائية، هذا لا يعني أني أدعو إلى ذلك بل مجرد اقتراح للدرس، ففي النهاية لدينا عملة وطنية يجب المحافظة عليها ولا يمكننا الذهاب إلى الدولرة الشاملة”.

أما الحل الأساسي فيبدأ كما يشير من تثبيت سعر الصرف “يجب إيجاد آلية تمنع تقلباته الحادة، إذ لا يعقل أن يرتفع وينخفض 10 الاف ليرة في اليوم الواحد، وعلى من هم في سدة الحكم تحمل المسؤولية، مثل هذه الاجراءات يجب أن يقوم بها مجلس الوزراء وإن كان في مرحلة تصريف الأعمال، لا أن يتخذ ذلك ذريعة للتنصل من الواجبات المفروضة عليه”.

وعن الدولرة الشاملة يقول رضا “هي واحدة من وسائل الضغط التي يلجأ إليها التجار للتخفيف من خسائرهم، وهي مطبقة في عدد من القطاعات وإن كانت مخالفة للقانون، لاسيما وأن قيمة الدولار تتأرجح أحياناً نحو 10 بالمئة في اليوم”.

ويشرح “تنص المادة 192 من قانون النقد والتسليف على عقوبة السجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات على كل من يمتنع عن قبول العملة اللبنانية، وبالغرامة من 500 ألف ليرة إلى مليونَي ليرة، كما تفرض المادة الخامسة من قانون حماية المستهلك إعلان الثمن بالليرة اللبنانية بشكلٍ ظاهر بلصقه إما على السلعة أو على الرفّ المعروضة عليه”.

أما أبو سليمان فيرى أن “الدولرة الشاملة تمنع تقلب الأسعار، لكن المشكلة في كيفية تأمين العملة الخضراء لدفع رواتب وأجور القطاع العام، فلبنان يطبع ليرة لبنانية وليس دولارات”.

كلما تأخرت الاصلاحات سيتردى الوضع بشكل أكبر، ومن سيدفع الثمن بحسب الخبير الاقتصادي “هو الشعب اللبناني الذي أصبح 80 بالمئة منه تحت خط الفقر، كذلك الاقتصاد الذي يخسر يومياً 30 مليون دولار”.