المصارف تورّط ميقاتي بالتذاكي على صندوق النقد!

بدأت تُثمر الحملة التي أطلقتها جمعيّة المصارف المؤخّرًا، والتي ركّزت على حشد أكبر كتلة من المواقف التي يمكن أن تدعم معركتها خلال الأشهر المقبل، في وجه مقاربات شطب رساميلها التي تبنّتها خطّة التعافي المالي، وللدفع باتجاه فكرة استعمال المال العام أو الأصول العامّة لإطفاء الخسائر كبديل عن شطب الرساميل. في النتيجة، المطلوب بالنسبة للجمعيّة واحد: التخلّص من فكرة تحمّل أصحاب المصارف لنصيبهم من الخسائر. وهو ما يبرّر مضي الجمعيّة بإنفاق المال لإطلاق حملة علاقات عامّة لحشد هذه المواقف المؤيّدة. الملفت للنظر هنا، هو أن الجمعيّة تمكّنت من نيل تمريرة من رئيس الحكومة نفسه، الذي قدّم هديّة مميّزة لمصلحة الجمعيّة في آخر مقابلاته التلفزيونيّة. لكنّ أخطر ما في الموضوع، يكمن في تعارض ما يحاول ميقاتي تمريره مع شروط صندوق النقد الدولي، وهو ما ظهر كمحاولة للتذاكي على الخطة الحكوميّة التي اتفقت عليها الحكومة مع الصندوق، والتي ترفضها جمعيّة المصارف.

موقف ميقاتي: تذاكٍ على صندوق النقد؟
لم يسمح صندوق النقد لحكومة ميقاتي بإضافة فكرة الصندوق السيادي إلى خطّة التعافي المالي، رغم محاولة الوفد اللبناني المفاوض دس الفكرة في الخطّة عدّة مرّات. لهذا السبب، وفي آخر مقابلة تلفزيونيّة له على قناة الجديد، اضطرّ ميقاتي مرغمًا للدفاع عن مقاربة الخطّة التي صوتت عليها الحكومة، من زاوية عدم جواز خسارة الدولة لأصولها السياديّة.




إلا أنّ ميقاتي، وللمرّة الأولى منذ تشكيل حكومته، قدّم طرحاً شبيهاً بفكرة الصندوق السيادي، يقوم على جمع ودائع كبار المودعين في كل مصرف في شركة ذات مهمّة خاصّة، مع إصدار سندات تلتزم بموجبها الشركة بسداد الودائع وفق استحقاقات معيّنة. أمّا الدولة، فتخصص عوائد قطاعات معيّنة خاصّة بها لسداد هذه الودائع وفق آجال محددة. وبذلك، يكون ميقاتي قد عاد إلى فكرة الصندوق السيادي نفسها، وإن بصيغة مختلفة (إبقاء الشركة الخاصّة بعهدة كل مصرف بدل مصرف لبنان). مع الإشارة إلى أن فكرة جمعيّة المصارف أصلًا لم تنص على خصخصة المرافق العامّة، بل رهنها لعقود في الصندوق السيادي وتخصيص عائدتها لسداد الودائع وإطفاء الخسائر، ما يجعل النتيجة الفعليّة لفكرة ميقاتي مطابقة لنتيجة الصندوق السيادي الذي طالبت به الجمعيّة.

من الواضح أن معارضة صندوق النقد لفكرة استعمال المال العام للتعامل مع الخسائر منعت ميقاتي من إدراج هذه الفكرة بشكل رسمي في الخطّة، إلا أنّ التخوّف اليوم بات يرتبط بإمكانيّة محاولة دسّ الفكرة لاحقًا على هامش خطّة التعافي المالي أو من خارجها، للتخلّص من معارضة المصارف للخطّة. وهذا النوع من الأفكار، من شأنه أن يطيح لاحقًاً ببرنامج قرض صندوق النقد الدولي، ولو بعد توقيع التفاهم النهائي مع الصندوق، إذا تم التذاكي عبر تمرير المشروع بعد توقيع على التفاهم النهائي. فمن الناحية العمليّة، من المعلوم أن صندوق النقد يربط برامج قروضه بتدرّج معيّن في الإصلاحات المطلوبة، مع دفع القرض على المراحل. وأي مخالفة لشروط القرض، من شأنها فرملة البرنامج بأسره.

وزير المهجرين يتنصّل من الخطّة
كان من المفترض أن تكون الخطّة قد حظيت بموافقة مجلس الوزراء، باستثناء تحفّظ الثنائي الشيعي على بعض بنودها، وهو ما يفرض أن تدافع حكومة تصريف الأعمال اليوم عن هذه الخطّة. إلا أن وزير المهجرّين عصام شرف الدين، قرّر وبعد الموافقة على الخطّة في البداية، أن يراسل رئيس الحكومة منذ يومين، معبّرًا عن تحفّظه على الخطّة، ومقدّمًا أفكاراً بديلة تتلاقى مع أولويّات جمعيّة المصارف.

شرف الدين اقترح استبدال منطق تراتبية المطالب والحقوق، الذي يحمّل الرساميل المصرفيّة الشريحة الأولى من الخسائر، بتراتبيّة جديدة، تضع الدولة في مقدّمة الأطراف الذين يُفترض أن يتحمّلوا هذه الخسائر، يليها المصرف المركزي ومن ثم المصارف. كما اقترح تقليص قيمة الخسائر التي يمكن تحميلها إلى المصارف إلى نحو 10 مليارات دولار فقط (بدل أن يتم شطب كامل الرساميل)، مع تقسيط الخسائر على مدى 5 سنوات. وفي رسالته، اعتبر شرف الدين أن مسؤوليّة سد فجوة خسائر مصرف لبنان يجب أن تكون على الدولة حصرًا، بما يفرض تحميل هذه الخسائر للأصول العامّة. رسالة شرف الدين كانت باختصار: حمّلوا الدولة الخسائر بدل الرساميل المصرفيّة.

رسالة شرف الدين، حملت فكرة شبيهة جدًا بفكرتي ميقاتي وجمعيّة المصارف، تقوم على تأسيس شركة وطنيّة مساهمة، تضم أملاك الدولة “المباشرة وغير المباشرة”، بمساحة عقاريّة تقدّر بـ852 مليون متر مربّع، على أن تصدر هذه الشركة سندات تطفئ التزامات المصارف للمودعين. أمّا أخطر ما قدّمه شرف الدين في ورقته، فهو اقتراح أن تكون هذه الأملاك ضمانة استرداد الودائع، بما يعني تعريض كل هذه الأصول العامّة للضياع بشخطة قلم بمجرّد تعثّر الصندوق في استثمارته. وبذلك، يكون المقترح المقدّم في الرسالة مجرّد دفع باتجاه أكبر عمليّة تبديد للأصول العامّة في تاريخ البلاد، لصالح تركيزها في يد شريحة صغيرة من كبار المودعين.

رسالة الخبراء
أثر حملة جمعيّة المصارف لم يقتصر على وزير المهجّرين ورئيس الحكومة، بل ظهر في رسالة وجهها مجموعة “الخبراء” الذين حمل معظهم صفة “وزير سابق”، وهم سمير مقدسي وجورج قرم وناصيف حتّي ونقولا التويني وغسّان العيّاش. الرسالة، التي تم توجيهها إلى النوّاب في المجلس الجديد، طالبت بتأسيس “صندوق للتضامن تديره مجموعة مستقلة ذات خبرة” لإدارة موجودات الدولة، وتخصيص عائداته لإطفاء خسائر مصرف لبنان وبرمجة سداد الودائع. ومرّة جديد، يتطابق المقترح المذكور مع فكرة جمعيّة المصارف، التي طالبت تحديدًا بفكرة من هذا القبيل.

في خلاصة الأمر، بات مقترح جمعيّة المصارف يحظى بزخم ذي شأن، إعلاميًّا وسياسيًّا. أمّا خطورته، فباتت تكمن اليوم في حصر كل ما تبقى بيد الدولة اللبنانيّة من أصول مدرّة للأرباح لمدى عقود طويلة من الزمن، في سبيل إطفاء الخسائر ودفع الالتزامات لكبار المودعين، وتحييد الرساميل المصرفيّة عن عمليّة توزيع الخسائر. ومقترح من هذا النوع، سيعني تجاهل كل ما لحق بالمجتمع من خسائر أخرى، من قبيل تراجع قيمة الأجور والتعويضات وارتفاع معدلات البطالة وانحسار شبكات الحماية الاجتماعيّة، وحرمان الدولة من الموارد المطلوبة للتعامل مع هذه الخسائر خلال العقود المقبلة، في مقابل تخصيص هذه الموارد للحلقة الأثرى في المجتمع، أي النخبة المصرفيّة والماليّة، أو بالأحرى في مقابل إنقاذها من وزر تحمّل كلفة الانهيار.



المدن