قراءة في انتخابات “هيئة المجلس”… “المحور” استعاد أكثريته؟

اسكندر خشاشو – النهار

شهدت جلسة انتخاب رئيس #مجلس النواب، وهيئة المجلس، تغييرات عديدة كسرت الرتابة المعتمدة منذ سنة 1992، التي تحوّل مثل هذه الجلسات الى جلسات فولكلورية، معروفة النتائج والمواقع.




المجلس المطعّم بدم جديد خارج الاصطفافات هذا العام كان مختلفاً الى حدّ بعيد عمّا سبقه من حيث الشكل وتوزّع القوى السياسية، لكنه أسقط بالضربة القاضية مقولة عدم امتلاك أي فريق الأكثرية النيابية.

وبدا تحالف 8 آذار السابق، الذي كان من المفترض أنه خسر الأغلبية، ممسكاً بزمام اللعبة، وحاك خيّاطوه المخضرمون في السياسة المناصب على مقاسهم بطريقة دقيقة أوصلت بري وبو صعب بنفس عدد الأصوات برغم فوارق المقترعين لتصبّ النتيجة في مكان واحد.

وفي الجهة المقابلة بدا المشهد مفتّتاً، إذ إن التشرذم بدا سيد الموقف بين جميع الكتل الأخرى وبدت كأنها في جزر منفصلة بعضها عن بعض، ولم تستطع أكثر من كتلتين بناء اتفاق أو توافق على أي أمر سوى اسم النائب غسّان السكاف، الذي خاض معركة جدّية في الدورة الثانية بوجه بو صعب من دون تنسيق، وبهدف محاولة إسقاط مرشح “الممانعة” أو “حزب الله” أو المنظومة، وحتى هذا الاتفاق القسري أصابته خروقات فلم يؤدّ الى النتيجة المرجّوة.

ومنذ انطلاق الجلسة، جهد كل فريق لتحويل جلسة انتخاب الرئيس الى بازار سياسي، يكشف فيها الفريق الآخر ويحاول حشره، وهذا ما يفسّر اقتراع كل مجموعة بالشعارات السياسية لا بالاسم، وإقفال أبواب الاجتهاد عن الأوراق البيضاء التي في العادة يستعملها المعارضون لعودة بري، فكانت أصوات العدالة لشهداء المرفأ، والنساء المغتصبات، وجرحى الثورة ضد شرطة مجلس النواب، وللمودعين، التي رفعها التغييريون، فيما ميّز نواب الكتائب أنفسهم بالمطالبة بالعدالة للقمان سليم، أمّا نواب تكتل الجمهورية القويّة فصوّتوا بإسم كتلتهم، لتنحصر الأوراق البيضاء بنواب #التيار الوطني الحر وبعض المستقلين. وبدا واضحاً أن الهدف من هذه العملية هو فضح أيّ تسوية جرى العمل عليها بين “التيار” والرئيس #نبيه بري، من جهة، وإثبات شفافيته للرأي العام من الجهة الأخرى.

وعند إعلان النتيجة، نجح هذا المقصد، فقد تبيّن أن عدداً قليلاً من تكتل “التيار الوطني الحر” قد اقترع لبري بأصوات كافية ليجتاز عبرهم عتبة النصف زائداً واحداً وبالتالي الفوز بالدورة الأولى بحسب ما كان يطمح

وبحسب المعلومات فإن بري كان ضامناً بين 61 و63 صوتاً بوعود صريحة من نواب “حزب الله” و”اللقاء الديموقراطي”، وحركة “أمل” والنواب السنّة المستقلين وقدامى المستقبل، وتكتّل المردة، والأحباش، والنواب المحسوبين على فريق 8 آذار كجهاد الصمد، وفراس السلوم، وحسن مراد، وميشال المر وميشال ضاهر، ونواب الطاشناق، وأمّن له نواب التكتل العوني الأصوات اللازمة الأخرى. وهذا ما جعل دولة الرئيس يردّ التحيّة بمثلها في نيابة رئاسة المجلس وأمين السر والمفوضين.
بري الذي توجّه بالشكر للنواب الذين صوّتوا له أو صوّتوا بورقة بيضاء، أو بأوراق ملغاة، قال إنه سيتجاوز كل إساءة، معلناً مدّ يده للجميع.

وقال “لنكن 128 نائباً نعم لترسيخ السلم الأهلي، والتعاون، و128 نائباً لا لتعميق الانقسام بين اللبنانيين، و128 نعم لإنجاز الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها، وتكافؤ الفرص والدولة المدنية، و128 لا للتنازل أو المساومة أو التطبيع لهدر الثروات. وليكن التنافس من أجل الأفضل للبنان واللبنانيين”.

وقبل أن ينهي خطابه كان يخوض معركة ثابتة وشرسة مع مرشح النائب جبران باسيل الياس بو صعب لنيابة الرئاسة وصبّ صوته مع أصوات كتلته الـ14 لبوصعب، لتضاف الى أصوات تكتل بوصعب وكتلة “حزب الله” والنواب المقرّبين من 8 آذار، لكن العدد لم يكن كافياً فلم يتجاوز الـ64 صوتاً، في مقابل منافسه غسّان السكاف الذي حظي بدعم نواب الاشتراكي، و”القوات”، والنواب المستقلين السياديين، وقدامى المستقبل، ولم يحصل على أصوات التغييريين الذين اقترعوا بورقة بيضاء فاكتفى بـ49 صوتاً، ورغم محاولات نائب “حزب الله” حسن فضل الله حسم النتيجة من الدورة عبر نظريات دستورية غريبة عجيبة، مطالباً بعدم احتساب الأوراق الملغاة بالاستناد إلى إلغاء الأوراق الملغاة في الانتخابات النيابية وعدم احتسابها في الحاصل الانتخابي.

واعتبر أن احتساب عدد الأوراق الملغاة، يفرض احتساب الأوراق الملغاة في الانتخابات النيابية، وهذه ستغيّر كل النتائج، لكن طرحه جوبه بالرفض من بري، الذي فتح دورة ثانية، كادت تشكل مفاجأة مع انضمام النواب التغييريين الى جبهة غسّان السكاف وإعطائه أصواتهم، لكن يبدو أنه كان على الهامش من غيّر رأيه وأضاف صوتاً لبوصعب كان كافياً لإيصاله، ولكن هذه المرة بنتيجة متقاربة، حيث نال منافسه السكاف ستين صوتاً.

ولم تمر عملية تصويت “التغييريين” لسكاف بهدوء، وكادت تفجّر تكتّلهم الوليد، وبدأت التسريبات والاتّهامات بحق بعضهم، عن عدم التزام أحد أفرادهم بما تقرّر وهو التصويت بالورقة البيضاء في الدورة الأولى ولغسان السكاف في الدورة الثانية، بالإضافة الى اتهامات لعدد منهم بفرض رأيه على الآخرين، ما أظهر التكتل بمظهر غير المتماسك منذ الاستحقاق الأول.

وفي هذا الإطار أكد النائب إبراهيم منيمنة أنهم كقوى تغييرية نفضّل مرشحين تغييريين، لكننا لا نمتلك الأكثرية وارتأينا التصويت بورقة بيضاء في الجولة الأولى لنائب الرئيس وكان الخيار في الجولة الثانية لتفعيل العمل الديموقراطي عبر إضفاء تنافس حقيقي باختيار الخيار الأقرب لنا وليس المفضّل.

خسارات القوى المواجهة لقوى الممانعة لم تتوقف عند نائب الرئيس بل تعدّتها الى أمانة السر، التي شهدت سجالاً دستورياً طائفياً بين النواب امتدّ لأكثر من نصف ساعة، وفيه تم تثبيت العرف الطائفي لأمينَي السرّ أي أن يكونا مارونياً ودرزياً، وهنا لوحظ أنه أثناء النقاش طُرح أن يجري التصويت لخمسة أسماء ترشحوا بورقة واحدة، وهم فراس حمدان وميشال الدويهي وهادي أبو الحسن وآلان عون وزياد حواط، وليفز من ينال العدد الأكبر من الأصوات، وسُجّل اعتراض شديد اللهجة من نواب اللقاء الديموقراطي الذين تمسّكوا بالمقعد الدرزي، ما استدعى تحرّكاً عاجلاً من النائب هادي أبو الحسن الذي قام باتصالات من خارج قاعة المجلس، أعادت الأمر الى التمسّك بالعرف المعتمد، وهذا ما يشي أيضاً بأن هناك طبخة قد جرى الإعداد لها تتعلق بجميع المراكز سبقت الجلسة، وهنا طلب بري الاقتراع للمرشحين المسيحيين على حدة وللدروز على حدة، ما دفع مرشحي القوى التغييرية الى الانسحاب اعتراضاً على “مذهبة المقاعد”، وهذا ما أدّى الى فوز هادي أبو الحسن بالتزكية، مقابل معركة على المقعد الماروني بين آلان عون وزياد حوّاط حسمها عون أيضاً من الدروة الاولى بنيله 65 صوتاً، في مقابل 38 صوتاً لحوّاط.

وبهذه النتيجة تكون “القوات اللبنانية” التي عززت كتلتها قد أصيبت بضربة، خصوصاً أنها لم تستطع أن تجمع حولها سوى عدد قليل واقتصرت الأصوات لزياد الحوّاط على كتلتها وحلفائها كأشرف ريفي، وكتلة اللقاء الديموقراطي وعدد قليل من النواب المستقلين.

في المقابل تنفي مصادر “التيار الوطني الحر” الحديث عن تسويات وصفقات، مؤكدة أن الانتخابات أظهرت اليوم توازناً داخل المجلس، وأكثريات متحركة وليست ثابتة وهو ما سيظهر في المراحل المقبلة حيث سيجري العمل على الملفّ أو القطعة.

وتعيد سبب فوزها بالمناصب الى أن التيار اختار مرشّحيه ممّن يمتلكون شبكة علاقات خارج نطاق الحزب الضيقة وهي التي أعطتهم تقدّماً على غيرهم الذين ينغلقون ضمن شرنقة حزبية، وهذا أدّى الى الانتصار اليوم.

وفي المحصلة أسقطت الجلسة الأولى التمنيات بسقوط الأكثرية من يد “حزب الله” ومحوره، وكشفت أنه لا يزال ممسكاً بزمام الأمور ولو “فرقت على صوت”.