أقلية متماسكة أطاحت أكثرية مشتتة!

سابين عويس – النهار

بعد هرج ومرج الانتخابات، واشهر من الشحن الطائفي على وقع شعارات رنانة، عاد القديم الى قدمه، ليثبت ان النظام العميق غير قابل للكسر بأدوات تفتقد الى النضوج السياسي والحنكة والدهاء في التعامل مع سلطة متجذرة النفوذ.




بالامس، أعادت الطبقة السياسية انتاج نفسها، وتعويم سلطتها التي كانت شريحة كبيرة من اللبنانيين اعتقدت انها نجحت في اختراقها وافقادها أكثريتها في صناديق الاقتراع، فأتت نتائج انتخابات هيئة مكتب المجلس النيابي لتسقط نتائج الانتخابات بضربة قاضية، ولتؤكد أن التعويل على القوى المسماة تغييرية في تكريس اكثرية جديدة منبثقة من القوى المعارضة والمستقلة لم يكن في محله، بحيث عادت الأمور الى مربعها الاول، بعدما اتضح ان الاجندات الخاصة والحسابات الشخصية والصفقات لم تكن حكراً على فريق السلطة الذي جمعته مصيبة الخسارة، بل هي نخرت وجوهاً كان يؤمل ان يشكل اتحادها قوة تعزز مسار التغيير.
لم تكن انتخابات الهيئة الجديدة لمكتب المجلس معركة احجام وتمثيل كتلك التي خاضت على اساسها مختلف القوى الاستحقاق الانتخابي، بل كانت في الدرجة الاولى معركة تكريس نفوذ قادها “حزب الله” مع حلفائه التقليديين والجدد من الوافدين حديثاً الى ساحة النجمة. وهو نجح في ضبط إيقاعها بما سمح له ان يقود معركته بأقلية وإنما صلبة مقابل أكثرية مشتتة، فانتزع بذلك الاكثرية وان بالنصف زائد واحد من اكثرية كان يفترض ان تكون مريحة لو أحسن الوافدون الجدد ادارتها، بدلاً من تناتش قيادتها وانتزاع رصيدها.

كلام كثير سيقال في نتائج الساعات الثلاث الطويلة من الدورات الانتخابية الجارية على وقع أسوأ الأزمات الداخلية التي كان انقطاع التيار الكهربائي أكثر المعبرين عنها. ولكن أياً كان الحبر الذي سيسيل حول تلك النتائج، فهو لن يكون الا لتكريس وقائع لا هروب منها، وتستدعي من اصحاب الضرر والمتضررين التوقف عندها ملياً والتروي في قراءتها، سيما وأنها المحطة الاولى في مسار الاستحقاقات المفصلية الداهمة التي ستطل برأسها تباعاً مع انطلاق العد العكسي لمسار تشكيل الحكومة المقبلة، وقد اعادت السلطة تكريس أكثريتها، الامر الذي كان هاجساً وأولوية لها.

لم يكن غريباً ان يعمد احد افرقاء تسوية التجديد للرئيس نبيه بري لولاية سابعة مقابل انتخاب النائب الياس بو صعب نائباً له ان يؤمن له فوزاً متواضعاً بالنصف زائد واحد، بحيث لم يعط تكتل “لبنان القوي” لبري الا الصوت الذي صنع له الفوز، في حين ان حسابات بري كانت تصل الى ٧٠ صوتاً لو وفر له باسيل بضعة أصوات إضافية. فهل قوبل بالمثل، فلم يتح لبي صعب ان يفوز بالدورة الاولى، ليكون فوزه مماثلاً لفوز بري، علماً ان الأصوات الجديدة التي حصل عليها بو صعب كانت من تكتله.

وكان لافتاً نجاح تحالف الثنائي- باسيل بحصد اكثرية النصف زائد واحد لبري وبو صعب والتي فاز بموجبها ايضاً النائب الان عون بمنصب أمين السر لتكرس هذه الاكثرية مستقبلاً.
لم يحمل التصويت بالورقة البيضاء رسالة اعتراضية كما كان يؤمل منه، بقدر ما شكل مساحة رمادية أعطت صك براءة لتكتل “لبنان القوي”، مما نُسب اليه من مشاركته في صفقة المقايضة، وهذا ما يريح بري مستقبلاً بأن فوزه لم يكن بأصوات التكتل، فيما اعتمدت كتلة ” القوات اللبنانية” وضوحاً اكبر في التعبير عن موقفها بالتصويت ل”الجمهورية القوية”. وكان الخاسر الأكبر تكتل التغييريين الذي اساء استخدام الورقة البيضاء او التصويت بأوراق ملغاة حكماً مرتين، في انتخابات الرئيس، كما في انتخابات نائب الرئيس، علماً انه لو يتم اللجوء الى الورقة البيضاء في الدورة الاولى لانتخاب نائب الرئيس كانت حظوظ فوز المرشح المستقل الدكتور غسان سكاف اكبر.

أثبت اداء الوافدين تحت راية التغيير، افتقاد هؤلاء الى النضوج السياسي والقدرة على تلقف اليد الممدودة لهم من قبل قوى المعارضة وعلى رأسها “القوات اللبنانية” التي تراجعت عن خوض المعركة بمرشح من صفوفها لمصلحة مرشح مستقل هو الدكتور سكاف، فكان تضعضع أصوات هؤلاء فرصة سانحة للأقلية لتكتسح المجلس مجدداً. وهنا يطرح السؤال عن جدوى التصويت بالورقة البيضاء سوى تضييع البوصلة، ما أدى الى سقوط قوى التغيير في اول امتحان جدي لقدرتها على خرق الاصطفاف السياسي التقليدي، ومساهمتها في اعادة السلطة السابقة. وقد بدا هذا الامر واضحاً في حصول النائب ميشال دويهي على أربعة أصوات لعضوية هيئة المكتب، ما افقد هذه القوى القدرة على اختراق الهيئة التي تلعب دوراً هاماً في المسار التشريعي وفي اقتراح جدول اعمال الهيئات العامة. وهي اليوم عادت الى قديمها.

وهنا سؤال يُطرح في هذا المجال عما اذا كان هذا الموقف بريئاً ولا يحمل اي حسابات خاصة قد تفكك التحالف التغييري الذي يبحث حالياً عن تنظيم نفسه في إطار تكتل نيابي واحد. كان لافتاً غياب ضابط الايقاع السني بفعل تشرذم الكتلة السنية بعد انكفاء الرئيس سعد الحريري، ما جعل الأصوات السنية تصب في غالبيتها عند بري وبو صعب.

صحيح ان سكاف الذي يخوض التجربة النيابية للمرة الاولى نجح في فرض نفسه مرشحاً قوياً وجدياً في وجه تحالف السلطة، الا انه قدم نفسه مرشحاً سيادياً مستقلاً اتاح له ان يحظى باجماع كتل كبيرة، لم تنجح قوى التغيير في استقطابها لمصلحة مرشح منها. وربما هذا ما أغاظ التغييريين ودفعهم الى الورقة البيضاء، بعدما كان اجتماعهم عشية الجلسة قد شهد انقسامات واضحاً بين تأييد سكاف او النائب ملحم خلف الذي كان يعتزم الترشح لو حظي بأكثرية الأصوات!