ماذا يعني سقوط “إتفاق الطائف”؟ – رامي الرّيس – نداء الوطن

قلّما ذكر النواب الجدد إتفاق الطائف في أدبياتهم السياسيّة وفي حملاتهم الإنتخابيّة، ربما بسبب قلة الإكتراث أم بسبب قلة الدراية بأهميّة هذا الاتفاق الميثاقي، الذي أصبحت معظم بنوده مندرجة في إطار الدستور اللبناني بعد تعديله سنة 1990.

كانت اللحظة المؤاتية لإنهاء الحرب الأهليّة بعد 15 سنة من الإقتتال الدامي والدمار الشامل في العام 1989. القرار العربي والدولي بإنهاء الحرب عكس نفسه في هذا الإتفاق الشهير برعاية أميركيّة- سعوديّة- سوريّة وعدم ممانعة سوفياتيّة (وكان الإتحاد السوفياتي في أيامه الأخيرة وبطبيعة الحال لم يكن الملف اللبناني يشكل أي أولويّة في تلك المحطة المفصليّة من تاريخ العالم الحديث).




المهم أن هذا الاتفاق أسكت المدفع وأتاح المجال مجدداً أمام إستئناف عمليّة بناء الدولة والنهوض بالإقتصاد وإستعادة الثقة الدوليّة بلبنان، الذي تصدّرت أخباره السيئة وسائل الإعلام العالميّة على مدى سنوات حتى أصبح مصطلح «اللبننة» شائعاً في الأوساط الدوليّة وهو يشي بكل ما هو سلبي وإنقسامي وإنهزامي.

صحيح أن النظام السوري قبض على الساحة اللبنانيّة تماماً بعد أن ساند الولايات المتحدة الأميركيّة (رغم أنه من أنظمة «الممانعة» ولو نظريّاً) في حرب تحرير الكويت، ولكن هذا لا يلغي أن هذا الإتفاق شكل منعطفاً في الحياة الوطنيّة أكان على مستوى إعادة توزيع السلطة وفق قواعد تشاركيّة جديدة، أم على مستوى حسم هويّة لبنان العربيّة ونهائيّة الكيان وصيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بمعزل عن الاعتبارات الديموغرافيّة.

الطرفان الوحيدان اللذان توجسا من الاتفاق يومذاك كانا العماد ميشال عون و»حزب الله»، الأول عندما لاحظ أن المناقشات لن تفضي إلى إنتخابه لرئاسة الجمهوريّة؛ والثاني لإعتباراته السياسيّة والعقائديّة وإرتباطه العلني الواضح (وبكل فخر وإعتزاز) بمشروع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

ليست مصادفة أن يتجاوز كل من الطرفين خلافاتهما السياسيّة العميقة ويتجها لعقد ورقة تفاهم ثنائيّة قلّما إحتُرمت بنودها لا سيّما في مجال قضيّة السلاح. عون تجاوز كلام أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله الموثق عن أنه «حالة إسرائيليّة»، و»حزب الله» تجاوز كلام عون عن سلاحه بأنه «غير شرعي» وصولاً إلى حد وصفه بالارهابي.

من هنا، فإن وثيقة مار مخايل كانت في مكانٍ ما تفاهماً ثنائيّاً ضد إتفاق الطائف. العونيون يحبون لعبة الصلاحيّات وإستعادة «الحقوق المهدورة» مع ما يعنيه ذلك من كلام متكرر للاستهلاك الشعبوي؛ و»حزب الله» أزعجته الرعاية العربيّة للوثيقة، والبند الذي يحسم عروبة لبنان وهويته، وهو ما يتناقض مع عمق مشروعه الإسلامي في المنطقة.

قد لا يكون الإتفاق مثاليّاً، ولكن الثابت أنه لم يُنفّذ بالكامل، وما طُبّق منه لم يُطبّق كما يجب إنما بطريقة مشوّهة شابها إختلاق أعراف وطقوس جديدة لا علاقة لها به كما لا علاقة لها بأسس العمل الديمقراطي والمؤسساتي.

الأخطر من كل ذلك، أن أي تلاعب إضافي بهذا الإتفاق على قاعدة السعي المنهجي لتفريغه من مضمونه إنما يعني القفز في المجهول السياسي والتخلي عن مرتكزات سياسيّة سوف تُستبدل بمرتكزاتٍ أخرى تكون وليدة اللحظة الراهنة ويكتنفها الكثير من الخلل نتيجة الواقع الإقليمي والمحلي الراهن.

من هنا، مطلوب من النواب «التغييريين» التواضع والإشارة إلى إتفاق الطائف كميثاق مرجعي بإنتظار تبلور ظروف أكثر موضوعيّة لتعديله أو تطويره نحو قيام الدولة المدنيّة. لا يستطيع هؤلاء إعتبار كل ما سبق دخولهم إلى الندوة البرلمانيّة وكأنه لم يكن. ثمّة إستمراريّة مطلوبة للحفاظ على التوازن الداخلي وهو أهم من الكثير من المواقف التي إتخذت حتى الآن!