حين يغضب قيس سعيّد – محمد كريشان – القدس العربي

الحكومات تغضب طبعا وكذلك رؤساء الدول، لكن لهذا الغضب أصوله فهو ليس غضبا شخصيا كصراخ صبية في حارة أو نساء في حفل زفاف أو رجال في مقهى.
هذه الأصول تتفاوت من مجرد صمت معبر عن امتعاض هذه الدولة من تلك، إلى إشارة ذكية من وزير خارجية الدولة الغاضبة، إلى إصدار بيان رسمي، أو الاكتفاء بخبر صحافي استنادا إلى مصدر ما، وصولا إلى دعوة سفير الدولة المعنية للاحتجاج أو دعوة سفير بلدك للتشاور، وهكذا إلى أن تصل في أقصاها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية.
وحتى الرؤساء الذين تعودوا على الإعراب عن غضبهم مباشرة فإنهم عادة ما يفعلون ذلك في خطب جماهيرية حماسية أو ينتقون مناسبة اجتماع رسمي ما أو مقابلة صحافية، أما أغلبهم فيكتفون عموما بتلميح مدروس دون ارتجال غير مدروس قد يودي بصاحبه إلى عدة مزالق سياسية لم يقدر ها حق قدرها.
ولأن الرئيس التونسي فريد في كل شيء فقد كان غضبه هو الآخر من التقرير الأخير الصادر عما يعرف بـ «لجنة البندقية» فريدا هو الآخر: أتى بوزير خارجيته فأجلسه أمامه كالتلميذ ليعبر له لثلاث عشرة دقيقة، بثت على التلفزيون، عن غضبه الشديد مما ورد في بيان تلك اللجنة من انتقادات وكأن المسكين، الذي اكتفى بهز رأسه دون توقف مع رمي كلمات متناثرة بالكاد تسمع، هو مندوب هذه اللجنة في تونس!
اللجنة المعروفة باسم «لجنة البندقية»، وتضم 61 عضوا من الدول الأوروبية وعددا من الدول الأخرى، هي هيئة استشارية لمجلس أوروبا أنشئت عام 1990 وتضم خبراء مستقلين في مجال القانون الدستوري تختص بتقديم المشورة القانونية للدول الأعضاء فيها، وتونس من بينها، ومساعدة الدول الراغبة في جعل هياكلها القانونية والمؤسسية تتماشى مع المعايير الأوروبية والخبرة الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفق ما ورد على موقع اللجنة. وتصدر هذه اللجنة، التي واكبت تونس في مسيرتها الديمقراطية طوال العشرية الماضية، تقارير لها أهميتها بالنسبة للاتحاد الأوروبي وسبق لقيس سعيّد أن التقى رئيستها كلير بازي مالوري بداية إبريل/نيسان الماضي.

السيادة التونسية مقدسة بلا جدال ولكنها لا تصان بالشعارات والعنتريات وإنما بتكاتف أبنائها ودفاعهم عن الديمقراطية والمؤسسات الدستورية




ليست هذه المرة الأولى التي يعرب فيها قيس سعيّد عن غضبه الشديد لما اعتبره تدخلا سافرا في شؤون بلده مؤكدا بإلحاح شديد أن تونس دولة مستقلة ذات سيادة خاصة وأن تقرير «لجنة البندقية» خلص تقريبا إلى أن كل ما قام به منذ 25 يوليو/ تموز غير متماسك في نواح كثيرة تنذر بانهيار كامل للتجربة الديمقراطية ومقدما مقترحات محددة عنوانها العريض تراجع الرئيس عن أكثر من قرار اتخذه منذ 25 يوليو/تموز الماضي.
الجديد هذه المرة ليس فقط طول ارتجال سعيّد الغاضب، الذي ظل يعيد فيه ويكرر نفس الموقف مع عدم قدرة على التحكم في انفعالاته وانتقاء كلماته، كما يفترض أن يفعل مسؤول في أعلى هرم الدولة، هو أنه أعلن طرد أعضاء هذه اللجنة من البلاد وإعلانهم أشخاصا غير مرغوب فيهم، مع امكانية أن تغادر تونس من هذه اللجنة بما يشي بمواجهة مقبلة مع الاتحاد الأوروبي لا أحد يدري الآن إلى أين يمكن أن تصل.
هذه خطوة لم يسبق لتونس أن فعلتها تجاه أوروبا شريكها التجاري الأكبر والمستثمر الأول فيها، في أسوأ ظروف اقتصادية ومالية واجتماعية تمر بها، كما أن نفس الغضب غير المدروس هو الذي كاد أن يجعل سعيّد يطرد السفير الأمريكي من تونس قبل بضعة أشهر بعد أن اجتمع الكونغرس لبحث الأوضاع في تونس، وفقا لما قالته مديرة الديوان الرئاسي السابقة التي كانت تتحكم في من يُسمح له بالمغادرة في المطار ومن يُمنع، حسب ما أعلنه سياسي تونسي مؤخرا، إلى أن وجدت نفسها هي خارج البلاد.
صحيح أن تونس عرفت أحيانا خلال العقود الماضية أزمات حادة في علاقاتها الدولية مع حلفائها التقليديين، الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها لم تكن يوما تتعلق بأوضاعها الداخلية لا سيما قضية الديمقراطية والحريات ففي معظم هذه الحالات ظلت مثل هذه الأزمات صامتة أو دون ضجيج كبير، أو على الأقل بعيدة عن دخول رئيس الدولة فيها. وحين عرفت البلاد زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة أزمة حادة عام 1985 مع واشنطن كان ذلك في أعقاب غارة حمام الشط الإسرائيلية ضد مقر منظمة التحرير الفلسطينية، وحين عرفت زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي عام 1990 أزمة مع واشنطن لا تقل حدة كان ذلك بسبب معارضة التحالف العسكري الدولي لتحرير الكويت.
السيادة التونسية مقدسة بلا جدال ولكنها لا تصان بالشعارات والعنتريات وإنما بتكاتف أبنائها ودفاعهم عن الديمقراطية والمؤسسات الدستورية، لا سيما وأن تونس لم تكن تاريخيا، ومن الصعب جدا أن تتحول، بلدا معاديا لحلفائها التقليديين في وقت لا تمتلك فيه، للأسف الشديد، مقومات الاستغناء عنهم ناهيك من التحول إلى «منصة ثورية» ضدهم. ثم في النهاية قيس سعيّد غضب لنفسه وليس لتونس.