هل ارتياح “حزب الله” لنتائج الانتخابات في محلّه أم أنّه “تمويه” لخيبة حسابات وتبدّد رهانات؟

ابراهيم بيرم – النهار

مع أنّ إعلامياً خبيراً ومخضرماً بالعقل السياسي الباطني لـ”#حزب الله”، يفترض أن يملك القدرة على تفكيك شفرة هذا العقل الذي أقرّ بأنّه عميق ومركّب، فإنّ ثمة بوحاً بـ”العجز عن فهم أبعاد الكلام الأخير الذي أطلقه نائب الأمين العام للحزب والمتولي منذ أعوام ملف الانتخابات فيه الشيخ #نعيم قاسم، في الإطلالة المتلفزة على بعد بضعة أيام من صدور نتائج فرز أقلام الاقتراع في كلّ لبنان. خصوصاً أنّه من غير المعتاد لحدّ الأمس القريب بروز ازدواجية في خطاب الحزب الذي يعتدّ بأنّ “الصدق والإيضاح في خطابه واحدة من روافعه الجماهيرية”.




كلام القيادي المخضرم في الحزب وأحد الآباء المؤسسين له بعد أن غادر “حزب الدعوة”، حال ثلة من رعيل التأسيس، كان في جوهره عبارة عن عملية تشريح مفصلة لأرقام جولة الانتخابات التي حشد الحزب كلّ طاقاته ووظف كلّ إمكاناته لخوض غمارها والتفاعل معها وتحقيق “فوز مبين” فيها من منطلقين:

الأول أنّ الحزب اعتبر أنّ “حرب تموز سياسية” تشنّ عليه من خلال هذا الاستحقاق بقصد إلحاق الهزيمة السياسية به واستتباعاً من خلال تقليص كتلته وكتلة محوره الذي هو شبكة أمان سياسية له.

الثاني، رفع منسوب المشاركة من قاعدة الحزب في صناديق الاقتراع بلوغاً لغاية لم تكتمها ألسنة الحزب الناطقة، وهي الحفاظ على أكثرية نيابية نادرة حصل الحزب ومحوره عليها في جولة الانتخابات السالفة عام 2018 بعد جولتَين عاصفتَين (عامَي 2005 و2009) انتهتا إلى نتيجة كان ائتلاف 14 آذار غالباً فيهما بأكثر من 70 نائباً وبدا الحزب ومن والاه مغلوباً بأقلية من 58 نائباً.

تلك هي بإيجاز المقدمات التي بادر الحزب إلى تقديمها إلى جمهوره الضيق والعريض لحظة قبل التحدّي والمنازلة، ومضى بعزيمة إلى المعركة بقصد مُعلن وهو تقديم أدلّة وبراهين للخصوم والأعداء من خلال نتائج الفرز يقول فيها إنّ الحزب وموكب الحلفاء يمتلكون أكثرية نيابية وشعبية على حدّ سواء، وإنّهما لم تصيرهما التطورات الدراماتيكية المتسارعة منذ انطلاق حراك 17 تشرين الثاني حالة هشّة ورقماً مهملاً.

وأكثر من ذلك، بنى الحزب، على هذا الاحتمال الذي عزّزه ليستقرّ في أذهان جمهور يقيناً لا يحول ولا يزول، عمارة توقعات، ورسم تباشير برنامج حكم بين الأمين العام للحزب السيد #حسن نصرالله في أكثر من إطلالة له سبقت موعد الانتخابات خطوطه العريضة عندما تحدّث بلسان صريح عن أداء آخر للحزب بعد قفل صناديق الاقتراع يختلف عما قبل هذه المحطة. حينها انطلق المحللون والزاعمون أنّهم قادرون على استشراف ما يجول في عمق العقل السياسي للحزب في قرءاة استشرافية فحواها أنّ الحزب قرّر أخيراً، وبعد جهد جهيد، الاستجابة لفيض دعوات قاعدته والردّ على سيل استفساراتها التي تلخصها وتكثفها الآتي: لم نعد في وارد القبول والارتضاء بأداء دور الشريك المضارب لمنظومة غارقة حتى أذنيها في فساد مقرون بعدم الاستعداد للسير في خريطة طريق تفضي إلى إصلاح منشود بإلحاح، وتؤدّي إلى خروج آمن ومضمون من الأزمة الخانقة في البلاد.

وبناء عليه، يمكن القول إنّ كلام قاسم الأخير أطلق موجة من الخيبة في القاعدة الآملة بتغيير وتحولات واعدة، خصوصاً أنّ هذا الكلام (إطلالة قاسم) انطوى على عناوين سلبية مغايرة إلى حدّ بعيد لوعود الحزب وخطاباته عشية الانتخابات، ما أوحى بازدواجية غير مألوفة سابقاً، ومن أبرز هذه العناوين: إنّنا (الحزب) لم نسعَ إلى الحصول على أكثرية نيابية. همّنا الأول أنّنا ضمنّا “القلعة الشيعية” التي بقيت عصية على الاختراق وظّلت كما نريدها حصناً حصيناً”.

وفي جردة رقمية قدّمها قاسم وبدت جرعة تطمين للقاعدة الجماهيرية، أفصح عن أنّ عدد النواب الذين يمكن إدراجهم في خانة “المعادين للمقاومة” مع المؤيدين لسلاحها يصل إلى 77 نائباً.

جرعة تطمين إضافية وردت في متن تصريح قاسم فحواها أنّ ثمة اتصالات يجريها الحزب مع نواب آخرين من كتلة “التغييريين” لأخذ عهد صداقة منهم.

في خلاصة الجهد الكلاميّ التبريريّ الذي بذله الشيخ قاسم، ثمة استنتاجان يستقرّ عليهما الراصد:

الأول أنّ الحزب تجاوز النقاش حول الرابح والخاسر وحول الأكثرية والأقلية في المجلس الجديد.

الثاني أنّ الحزب ليس قلقاً من عدم حصوله على الأكثرية التي تضمن له حصانة، بل إنّه، ومن خلال طيات كلام قاسم، بدا مرتاحاً إلى النتيجة التي “حرّرته” عملياً من عبء حصوله على أكثرية مريحة كون ذلك سيجعله أمام واقع يتطلب منه فعلاً مختلفاً وأداءً مغايراً. فضلاً عن ذلك كلّه، يقدّم الحزب برهاناً آخر لمن يعنيهم الأمر بأنّه ليس في وارد الإمساك بناصية القرار والنظام لإدراكه أنّ ذلك يجعله يمسك كرة نار أو كتلة هلامية وزئبقية يصعب أن تستقرّ على حال.

وفي مقابل كلّ هذا الاستنتاج، ثمّة إشارات خاطفة وردت في ثنايا كلام قاسم فحواها “أنّنا مطمئنون رغم كلّ ذلك إلى قدرتنا على استيعاب مفاعيل المعادلة الجديدة في مجلس النواب على غرار ما فعلناه بعد دورتَي انتخابات عامي 2005 و2009”.

ومع ذلك، فإنّ ثمة في صف الشيعية السياسية من يلحّ بالسؤال: إذا كانت حساباتكم وقراءاتكم للأرقام والنتائج قد دفعتكم للاستقرار على هذا الاستنتاج الذي يسمح لكم بالإيحاء أنّكم غير خائفين ولستم قلقين من المقبل من الأيام، ولكن من الذي عليه واجب أن يبدّد مخاوف الشريحة الواسعة من اللبنانيين ومن ضمنهم بطبيعة الحال الجمهور العريض وللحزب والشيعية السياسية على حدّ سواء؟

حيال كلّ ذلك، قد نجد من يُعلن عجزه وضعفه عن تفكيك شفرة “دافنشي” الحزب وخطابه محقّاً!