عاصفة الدولار تقفل البلد: دور المصارف ويدها بإثارة الفوضى

انفلت سعر صرف الدولار، وألهب معه كافة القطاعات المرتبطة بشكل مباشر بالدولار، وهي بالمناسبة الغالبية الساحقة من القطاعات، وإن لم يكن انفلات سعر صرف الدولار مقابل الليرة بالأمر المُفاجئ، غير أن تسارعه منذ أيام، وتحديداً عقب انتهاء الانتخابات النيابية ليس بالأمر البريء. فانهيار العملة الوطنية بات واقعاً في ظل عمق الأزمة المالية والمصرفية والاقتصادية في البلد. إلا أن التسارع بانهيار سعر الصرف يبدو متعمّداً. فما هي العوامل التي تقف وراء بلوغ سعر الدولار اليوم عتبة 36 ألف ليرة واتجاهه إلى مزيد من الارتفاع؟

دور المصارف
بعد استنزاف مصرف لبنان المليارات من الدولارات من احتياطاته الإلزامية، لاسيما في الأشهر القليلة التي سبقت الانتخابات النيابية، حين تعهّد بضبط انفلات سعر الصرف، من خلال ضخ الدولارات عبر منصة صيرفة، وفتح سقوف بيعها في المصارف للعموم.. وهو ما نجح به فعلاً، فحافظ حينها سعر صرف الدولار على معدلاته بين 21 ألف ليرة و25 ألف ليرة، قلص المصرف المركزي عقب الانتخابات النيابية عمليات ضخ الدولار. وهو أمر كان متوقعاً مع شح الدولارات. غير أن ذلك لو لم يترافق مع ممارسة المصارف لضغوط إضافية، لكان سعر صرف الدولار سيتجه إلى الارتفاع الحتمي، لكن بشكل متباطئ.

ولا يختلف اثنان على تعدد العوامل والمؤشرات السالبة الدافعة لسلوك سعر صرف الدولار مساراً تصاعدياً، غير أن إجراءات المصارف الضاغطة عقب الانتخابات النيابية كانت كفيلة بانفلات سعر الصرف من دون رادع أو ضابط.




فالمصارف بغالبيتها الساحقة تقوم اليوم بخفض عمليات بيع الدولارات إلى حدودها الدنيا، في محاولة منها لممارسة ضغوط على السلطة السياسية، لدفعها إلى تصويب مسار خطة التعافي المرفوضة من قبل المصارف (راجع “المدن”) والتي أقرتها الحكومة في جلستها الأخيرة قبل دخولها مرحلة تصريف الأعمال. حتى أن عمليات بيع الدولارات التي تقوم بتنفيذها المصارف يتم حصرها بفئات ضيقة جداً، في حين توقفت كلّياً عن بيع الدولارات للعموم، خصوصاً للموظفين الموطّنة رواتبهم.

وحسب متابعة “المدن” لعدد من المصارف، فإن فروعها ترفض تسيير طلبيات الزبائن لشراء الدولار وفق منصة صيرفة، ومنهم موظفو القطاعين العام والخاص الموطّنة رواتبهم. وتبرّر لهم الأمر بأنه قرار رسمي من مصرف لبنان، في حين أن مصرف لبنان لم يُصدر أي قرار بهذا الشأن.

انفلات سعر الصرف
ضغوط المصارف المستجدة والتي تأتي في سياق إحداث إرباك وفوضى في وجه مجلس النواب الجديد، وعموم السلطة السياسية، نجحت بإطلاق عجلة الدولار. إذ سجّل ارتفاعاً غير مسبوق في تاريخ لبنان، تجاوز فيه 35 ألف ليرة للدولار الواحد، وسط فوضى هائلة في الأسواق، لجهة تعدد أسعار الصرف.

وهنا لا نقصد تعدّد أسعار صرف الدولار واختلافها بين سعر منصة صيرفة (24 ألف و600 ليرة) ودولار مؤسسات التحويل المالي (33 ألف ليرة) والسوق السوداء (فوق 34 ألف ليرة)، إنما المقصود فوضى في التسعير في السوق السوداء نفسها. فالصرافون والتجار وعموم المواطنين انجرّوا إلى دوامة التهافت على الدولار، لاسيما في ظل تعليق المصارف بيع الدولارات على منصة صيرفة. فتعدّدت الأسعار بين صرّاف وآخر، وبين تاجر وآخر، وتراوحت الأسعار بين 33 ألفاً و500 ليرة و36 ألف ليرة. وهو ما دفع بالعديد من المؤسسات التجارية إلى إغلاق أبوابها كلّياً اليوم، بانتظار هدوء عاصفة الدولار، أو أقله بانتظار جلاء الصورة لتمكينهم من التسعير وفق سعر صرف محدّد. ولم تقتصر عمليات الإغلاق على المؤسسات التجارية الغذائية وغيرها، إنما أيضاً على محطات المحروقات وشركات تعبئة الغاز، الذين اعتادوا سلوك هذا الأسلوب منذ بدء تذبذب سعر صرف الدولار ورفع الدعم عن استيراد المحروقات.

وإذا كانت المؤسسات التجارية ومحطات المحروقات وغيرها قد أغلقت أبوابها تحت ضغط انفلات سعر صرف الدولار مقابل الليرة، فإن المواطنين لا حامي لهم في وجه تدهور مستوى معيشتهم إلى أدنى المستويات. وقد شهدنا اليوم مجموعة من المواطنين المحتجين على ارتفاع سعر صرف الدولار، وقد خرجوا بشكل عفوي وأغلقوا الشارع المقابل لمسجد محمد الأمين في وسط بيروت، في محاولة منهم لإيصال صوتهم إلى المعنيين.

أما المعنيون باتخاذ القرارات، فيغرّدون على الجانب الآخر بعيداً من هموم الناس، ولا تزال غالبية الأطراف السياسية غارقة اليوم في التحضير لجلسة مجلس النواب المرتقب انعقادها يوم الثلاثاء المقبل، على وقع خلافات حول انتخاب رئيس جديد ونائب رئيس للمجلس. من هنا نرى أننا لا نزال بعيدين جداً عن الاستحقاق الأهم وشبه المصيري، وهو الإسراع في تشكيل حكومة وتالياً للمباشرة بتنفيذ إصلاحات اقتصادية، والتمهيد لاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وإلى ذلك الحين لا لاجم لسعر صرف الدولار في وجه الليرة.




المدن