تحقيق لـ “سي أن أن” يؤكد استهداف الجيش الإسرائيلي للصحافية شيرين ابو عاقلة

نشرت شبكة “سي أن أن” الأمريكية تحقيقاً شارك فيه عدد من مراسليها، وكشف عن أدلة جديدة تظهر أن الصحافية  الفلسطينية – الأمريكية المعروفة شيرين أبو عاقلة ماتت بعدما استهدفتها القوات الإسرائيلية. وقالت إن “عدداً من الطلقات انطلق بشكل متتابع، وخرق الربيع الأزرق في صباح جنين بالضفة الغربية، كراك، كراك، كراك، كراك، كراك”.

 وبحث المصور الذي  كان يسجل المشهد عن مكان لتغطية نفسه تحت جدار إسمنتي قصير، وصرخ بالعربية: شيرين أصيبت، آه، شيرين، سيارة إسعاف”. وعندما تحرّك المصور حول الزاوية، كانت مراسلة الجزيرة، شيرين أبو عاقلة قد وقعت على وجهها بدون حراك، حيث جثمت صحافية فلسطينية ثانية، شذى حنايشة إلى جانبها، وحمت نفسها بجذع شجرة. وتقدمت حنايشة منها في محاولة لتحريكها وسط وابل من الرصاص، بدون رد. وكلا المرأتين كانتا ترتديان الخوذة وسترة الصحافة. وفي اللحظات التالية حاول رجل بقميص أبيض تحريك أبو عاقلة أكثر من مرة، ولكنه أجبر على التراجع بشكل متكرر نظرا لإطلاق النار. وفي النهاية استطاع أن يجر جسدها من الشارع. وتعلق الشبكة أن الفيديو المهتز الذي سجّله مصور الجزيرة مهدي بنورة، يوثق المشهد الذي قتلت فيه الصحافية الفلسطينية- الأمريكية، 51 عاما، برصاصة في رأسها، الساعة السادسة والنصف صباحا من 11 أيار/مايو. وكانت تقف مع مجموعة من الصحافيين أمام مدخل مخيم جنين جاؤوا لتسجيل مداهمة الجيش الإسرائيلي له.




 ومع أن الفيديو لا يظهر أن أبو عاقلة قتلت بالرصاص إلا أن شهود عيان أخبروا “سي أن أن” اعتقادهم أن القوات الإسرائيلية في نفس الشارع استهدفوا الصحافيين عمدا في عملية قتل مستهدف. وكانوا كلهم يرتدون الخوذ والسترات الصحافية، وقدموا أنفسهم كمراسلين صحافيين. وقالت حنايشة للشبكة “وقفنا أمام العربات الإسرائيلية لمدة خمس إلى عشر دقائق قبل أن نتحرك وتأكدنا من مشاهدتهم لنا، وهذه عادة صحافيينا، نتحرك كمجموعة ونقف أمامهم لكي يعرفوا أننا صحافيين، وبعد ذلك نبدأ بالتحرك”. وقالت حنايشة إنها صدمت عندما أطلق النار على أبو عاقلة، ولم تفهم ما حدث. وبعدما وقعت أبو عاقلة على الأرض ظنت أنها تعثرت. ولكنها عندما نظرت إلى الصحافية التي كانت مثالاً لها منذ طفولتها، بدا من الواضح أنها لا تتنفس والدم يتجمع تحت رأسها. وتقول “عندما سقطت، فإنني بصراحة لم أفهم أنها قتلت وكنت أستمع لصوت الرصاص، ولكنني لم أفهم أنه يطلق باتجاهنا، ولم أفهم طوال الوقت”، و”فكرت أنهم كانوا يطلقون لمنعنا من التقدم، ولم أفكر أنهم كانوا يطلقون الرصاص لقتلنا”.

 وفي يوم مقتلها، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ران كوخاف، في راديو الجيش الإسرائيلي أن أبو عاقلة “كانت تصور لقناة إعلامية وسط مسلحين فلسطينيين، وكانوا مسلحين بكاميرات، لو سمحت لي بالقول”.

قال الجيش الإسرائيلي في تحقيقه الأولي لمقتل أبو عاقلة إنها قد تكون قتلت برصاص جندي إسرائيلي أطلق النار من “فتحة إطلاق نار مخصصة في عربة الجيش، ومستخدماً منظار تيلسكوب” خلال تبادل إطلاق النار.

وتقول “سي أن أن” إن الجيش الإسرائيلي أكد أنه لا يعرف مصدر الرصاصة، وقال إن مصدرها قد يكون من قصف عشوائي من مسلحين فلسطينيين أو قناص إسرائيلي من على بعد 200 متر، مع أن أحداً لم يقدم أدلة عن وجود إطلاق نار فلسطيني في مجال وجود أبو عاقلة. وقال الجيش الإسرائيلي في 19 أيار/مايو إنه لم يتخذ قرارا بفتح تحقيق رسمي في القتل، وفي يوم الإثنين قال محامي الجيش، الجنرال يفتات تومير يروشالمي، إن سياسة الجيش تقضي بعدم فتح تحقيق مباشر حالة مقتل الشخص في محور قتال، إلا في حالة وجود شك واضح ومباشر بارتكاب عمل إجرامي. ودعا المشرعون الأمريكيون في الكونغرس والأمم المتحدة لتحقيق مستقل.

لكن تحقيقا قامت به الشبكة أظهر أدلة جديدة، بما في ذلك لقطات فيديو من مشهد إطلاق النار، وتكشف أنه لم يكن هناك قتال ولا مسلحون فلسطينيون قرب أبو عاقلة في اللحظة التي سبقت مقتلها. وتم تأكيد لقطات الفيديو التي حصلت عليها سي أن أن مع مقابلة ثمانية شهود عيان، بالإضافة لخبير تسجيلات صوتية وخبير في القنابل، وتظهر أن أبو عاقلة كانت ضحية قتل مستهدف ارتكبته القوات الإسرائيلية.

وتظهر لقطات الفيديو مشهدا ساكنا قبل تعرّض الصحافية لإطلاق النار في نواحي المخيم، وقريباً من دوّار العودة. وقالت حنايشة وأربعة صحافيين وثلاثة من السكان المحليين إن صباح اليوم الذي قتلت فيه أبو عاقلة كان عاديا وهادئا في جنين التي يعيش فيها 345.000 نسمة منهم 11.400 في المخيم. وكان الكثيرون في طريقهم إلى العمل والمدارس، وكان الشارع هادئا. وكان هناك حس من الإثارة مع وصول الصحافية المعروفة في العالم العربي إلى جنين لتغطية الأحداث. وتجمع عدد من الرجال لمراقبة أبو عاقلة وزملائها وهم يعملون، وكانوا يتحركون ويتحدثون وبعضهم يدخن، وانشغل آخرون بتصوير المشهد على هواتفهم النقالة. وفي لقطات فيديو مدتها 16 دقيقة التقطها رجل على هاتفه وحصلت عليها سي أن أن، وتظهر لقطات للعربات الإسرائيلية المصفحة الرابضة بعيداً، وسمع الرجل وهو يقول “احذروا القناصة”، وعندما قام ولد بالتحرك حذرا في الشارع، قال له “لا تلعب يا ولد، هل تعتقد أنها مزحة؟ لا نريد الموت، بل ونريد الحياة”.

كوب سميث: “عدد الضربات على الشجرة التي كانت تقف بجانبها أبو عاقلة يثبت أن هذا لم يكن عشوائياً، لقد استُهدفت.

 وجاء الهجوم على مخيم جنين وسط مداهمات لم تتوقف منذ نيسان/إبريل، لملاحقة من قال الجيش إنهم المتورطون في هجمات داخل إسرائيل. وعادة ما تقود المداهمات لقتل وجرح، آخرها في يوم السبت، عندما قتل شاب فلسطيني عمره 17 عاما. وقال سالم عواد، 27 عاما، وأحد سكان مخيم جنين، الذي صور الفيديو على هاتفه، إنه لم يشاهد مسلحين فلسطينيين أو مواجهات في المنطقة. كما ولم يكن يتوقع إطلاق النار، في ظل وجود الصحافيين. وقال “لم يكن هناك نزاع أو مواجهات على الإطلاق، وكنا حوالي 10 أشخاص نتمشى، ونضحك ونمزح مع الصحافيين”، و”لم نكن خائفين من أي شيء. ولم نتوقع حدوث أي شيء، لأننا رأينا الصحافيين، واعتقدنا أن الوضع سيكون آمناً”، إلا أن الوضع تطور بعد 7 دقائق من وصوله. والتقط هاتفه في اللحظة التي استهدف فيها الرصاص أربعة صحافيين- أبو عاقلة وحنايشة ومجاهد السعدي ومنتج الجزيرة علي السمودي، الذي جرح. وعندما مشوا باتجاه العربات الإسرائيلية، بدت أبو عاقلة في اللقطات وهي تحاول تجنب وابل الرصاص، وتظهر اللقطات رؤية واضحة من جانب القافلة الإسرائيلية. وقال عواد “شاهدنا خمس عربات عسكرية في ذلك الشارع ببنادق بارزة منها، وواحدة منها قتلت شيرين. وكنا نقف هناك، وعندما حاولنا الوصول إليها، أطلقوا النار علينا، وحاولت قطع الشارع للمساعدة ولم أستطع. وقال ولد عمره 17 عاما كان مع المجموعة “لم تطلق رصاصة ولا حجر أو أي شيء” قبل مقتل أبو عاقلة. وقال إن الصحافيين طلبوا منهم عدم متابعتهم وهم يحاولون الاقتراب من العربات الإسرائيلية. واختبأ خلف سيارة عندما بدأ إطلاق النار وشاهد مقتل أبو عاقلة. والتقط الولد فيديو من 6.36 دقيقة شارك به سي أن أن، حيث يظهر عربات إسرائيلية تمرّ من جانب مكان مقتل الصحافية بعد نقلها إلى المستشفى، ثم انعطفت يساراً بعد مغادرة المخيم عبر الدوار. وراجعت “سي أن أن” 11 فيلم فيديو تظهر مشهد القتل والقافلة العسكرية الإسرائيلية من عدة زوايا وقبل وأثناء وبعد مقتل أبو عاقلة. وكان شهود العيان في مرمى الرصاص حيث ابتعدوا حتى لا يستطيعوا التقاط لحظة موتها. وراجعت “سي أن أن” فيديو نشره الجيش الإسرائيلي ويظهر الجنود وهم يركضون في زقاق ضيق ويحملون أم16 وخرجوا إلى الشارع الذي وقفت فيه العربات المصفحة. وقال مصدر إسرائيلي إن كلا الطرفين كانا يطلقان النار من أم16 وأم4 في ذلك اليوم. وفي الفيديو تظهر العربات مصطفة في صف واحد في جنوب الشارع الذي قتلت فيه أبو عاقلة. وكانت العربة القريبة من الصحافيين تحمل لوحة بيضاء برقم واحد، والبعيدة رقم خمسة. وفي الجانب الخلفي للعربات وفوق الرقم توجد فتحة مستطيلة الشكل في الجانب الخارجي للعربة. وقال الجيش الإسرائيلي في تحقيقه الأولي لمقتل أبو عاقلة إنها قد تكون قتلت برصاص جندي إسرائيلي أطلق النار من “فتحة إطلاق نار مخصصة في عربة الجيش، ومستخدما منظار تيلسكوب” خلال تبادل إطلاق النار. لكن عددا من شهود العيان أخبروا الشبكة أنهم شاهدوا بنادق قناصة بارزة من الفتحات قبل بدء تبادل النار. وقال جمال حويل، الأستاذ في الجامعة العربية الأمريكية بجنين، وساعد على جر جثمان أبو عاقلة من الشارع، إنه يعتقد أن الرصاصة جاءت من عربة من عربات الجيش، والتي تعتبر موديلاً جديداً فيه فتحة للقناصة. وقال الحويل “كانوا يطلقون النار مباشرة على الصحافيين”. وحويل هو نائب سابق وعضو في حركة فتح بجنين، وتعرّف على أبو عاقلة قبل عقد عندما غطت هجوم الجيش على مخيم جنين. وقال إنه عندما تحدث معها صباح 11 أيار/مايو أرته فيديو من تلك الفترة، وعندما شاهدها مرة أخرى كانت ميتة. ويقول خبير المتفجرات كريس كوب- سميث إن الجيش والمسلحين الفلسطينيين استخدموا بنادق أم16، ويعني أنهم أطلقوا رصاصاً من عيار 5.56 ميلميتر، ومن أجل ربط الرصاصة التي ضربت أبو عاقلة في  رأسها مع البندقية التي انطلقت منها، هناك حاجة لتعاون فلسطيني- إسرائيلي. وفي 18 أيار/مايو نفى مسؤول إسرائيلي بارز وبشدة قتل الجيش لأبو عاقلة. وقال “لا يوجد مجال لكي يستهدف الجيش مدنياً علاوة على كونه صحافياً”. وقال إن الجيش لا يطلق الرصاص من أم16 بشكل أوتوماتيكي، بل ويطلق رصاصة بعد الأخرى. في محاولة لنقض الرواية الفلسطينية أن الرصاص أطلق بتهور وبدون تمييز في جنين.

يطلق اليوم على الشجرة التي ماتت تحتها أبو عاقلة بـ “شجرة الصحافية”، وتحولت إلى مزار مؤقت لأبو عاقلة وصورتها المزينة بالكوفية الفلسطينية.

وفي بيان لـ “سي أن أن” من الجيش قال فيه إنه يقوم بتحقيق بمقتل أبو عاقلة، وأكد أن إثبات مصدر الرصاصة التي قتلت ابو عاقلة يحتاج لأدلة، وهو ما يحاول الجيش تحقيقه.

ويمكن تحديد من قتل أبو عاقلة بدون الحصول على الرصاصة، من خلال تحليل نوع البندقية والصوت والآثار التي تركت في مشهد القتل. ويرى كوب- سميث، الجندي السابق قي الجيش البريطاني، والمستشار الأمني حالياً، أن أبو عاقلة قتلت برصاصة خفية وليست أوتوماتيكية. ومن أجل التوصل لهذه النتيجة راجع الصور التي حصلت عليها شبكة “سي أن أن”، والتي تظهر الآثار التي تركت على الشجرة التي قتلت بجانبها أبو عاقلة واحتمت بها حنايشة. وقال “عدد الضربات على الشجرة التي كانت تقف بجانبها أبو عاقلة يثبت أن هذا لم يكن عشوائياً، لقد استُهدفت”، وهذا يتمايز مع الصور التي التقطت في ذلك اليوم، وتظهر أن معظم الرصاص الذي أطلقه الفلسطينيون كان “رشاً عشوائياً”. وقالت الشبكة إن إسرائيل وزعت فيديو لمسلح فلسطيني في زقاق يصوب نحو شيء كدليل على أن الرصاصة التي قتلت أبو عاقلة من مسلح فلسطيني. وسألت الشبكة روبرت ماهرـ أستاذ الهندسة الكهربائية والكمبيوتر بجامعة ولاية مونتانا، والمتخصص بتحليل الأدلة الصوتية، وطلبت منه تقييم لقطات الفيديو وتحديد المسافة والمصور. وحلل ماهر وابلين من إطلاق النار، وأن أبو عاقلة قُتلت في الموجة الثانية. وقال إن المسافة، حسب الأدلة الصوتية، قد تكون ما بين 177- 197 متراً، أو ما بين 580- 646 قدماً، وهي تتوافق مع موقع القناص الإسرائيلي. ويطلق اليوم على الشجرة التي ماتت تحتها أبو عاقلة بـ “شجرة الصحافية” وتحولت إلى مزار مؤقت لأبو عاقلة وصورتها المزينة بالكوفية الفلسطينية.