“الأغلبية المتحرّكة” لا تحرم فرنجية… من فرصته الرئاسية

كلير شكر – نداء الوطن

لا تزال نتائج الانتخابات النيابية موضع تدقيق تفصيلي في ضوء الضبابية التي تحيط بتموضعات بعض النواب الجدد ممن يلتحفون مظلة «التغيير» أو المعارضة. لكنّ الأكيد هو أنّه لا أكثرية ثابتة أو جامدة في مجلس النواب، لا بل صارت متحرّكة ربطاً بكل ملف واستحقاق. من هنا، يتردد أنّ المسائل الاقتصادية قد تكون لها أكثرية، والملفات المعيشية قد تكون لها تقاطعاتها، والاستحقاقات الكبرى قد تكون لها أكثريتها وأقليتها.




والأكيد أيضاً، أنّ حسابات الصناديق لم تتوافق مع حسابات التقديرات والتكهّنات التي سبقت يوم 15 أيار الفائت، وقد جاءت بعض النتائج على غير التوقّعات، بشكل أعاد خلط الأوراق والحسابات لا سيما تلك المتصلة بانتخابات رئاسة الجمهورية المنتظرة بعد أشهر قليلة (يفترض أن يدعو رئيس مجلس النواب لجلسة أولى خلال شهر أيلول المقبل)، بعدما كانت الترجيحات تعطي قوى الثامن من آذار هامشاً أوسع من التفاوض اذا ما تمكنت من تجديد حيازتها للأغلبية النيابية، واذ بالنتائج تبعثر المسار الذي يقود إلى تكرار تجربة انتخاب رئيس للجمهورية من صلب قوى الثامن من آذار، والذهاب نحو خيار رئيس وسطي على طريقة اتفاق الدوحة الذي أتى بالرئيس ميشال سليمان إلى قصر بعبدا. أقله هكذا توحي المواقف الصادرة عن خصوم قوى الثامن من آذار.

ولكن الإحاطة الشاملة لهذا الملف تقتضي، وفق قوى الثامن من آذار، استعراض العوامل التالية:

– لا شك في أنّ الظروف السياسية لم تعد عاملاً مساعداً بالنسبة لقوى الثامن آذار، لكنها أيضاً غير مقفلة الأفق اذا ما قرر هذا الفريق الضغط أو العمل لتأمين وصول حليف له إلى الرئاسة الأولى، بدليل أنّ «حزب الله» سبق لمسؤوليه أن أعلنوا أكثر من مرّة عشية الاستحقاق النيابي أنهم لا يخشون خسارة الأغلبية النيابية. وبهذا المعنى لا تُعتبر موازين برلمان 2022، خسارة بالنسبة لقوى الثامن من آذار، التي كانت على الأكيد تفضّل الإبقاء على الأكثرية في صفوفها، لكنها بالمقابل لا ترى أنّها أسيرة التوازنات المستجدة، خصوصاً وأنّ رئاسة ميشال عون أتت في برلمان لا أكثرية فيه لقوى الثامن من آذار.

– الرئاسة الأولى هي مكسب لهذا الفريق وبالتالي إنّ خسارته لهذا الموقع هي بمثابة هزيمة، ولهذا لن يكرر تجربة الرئيس ميشال سليمان الذي دخل قصر بعبدا وسطياً وخرج منه خصماً، لا بل سيفعل ما بوسعه لايصال رئيس من صلبه، ليكون بالنتيجة الخيار بين اثنين لا ثالث لهما: إمّا جبران باسيل وإما سليمان فرنجية.

– إنّ عجز باسيل عن رفع اسمه عن لائحة العقوبات الأميركية قد يجعل من معركته الرئاسية شبه مستحيلة، وهي قناعة باتت راسخة لديه ما قد يحوّله ممراً للرئيس المقبل، فيصير صانع رئيس لكون كتلته النيابية وازنة قد تسمح له بمنح ميثاقية مسيحية للرئيس المقبل.

– هكذا تنحصر خيارات قوى الثامن من آذار برئيس «تيار المردة» الذي لم يخض معركة الانتخابات النيابية بهدف الخروج بكتلة نيابية كبيرة تضعه بمصاف الزعماء العابرين للدوائر المسيحية الذين يتسلّحون بالقوة التمثيلية، بدليل أنّه فضّل التعاون الانتخابي مع «التيار الوطني الحر» في أكثر من دائرة، منها عكار وبعبدا، على أن يخوض لعبة الأرقام والحواصل. الأمر الذي ساعد على استعادة العلاقة الثنائية مع العونيين بعضاً من حيويتها. وها هو جبران باسيل يصف فرنجية بالأصيل كدليل على تحسّن هذه العلاقة.

– وبالتالي إنّ تراجع تمثيل «المردة» على مستوى النواب، مع العلم أنّ هناك مشاورات للتعاون مع بعض النواب لتشكيل تكتّل حليف لفرنجية، لا يعني أبداً أنّ الأخير خرج من حلبة الرئاسة، التي سيكون لها ظروفها الخاصة وشروطها.

– إنّ الظروف الاقليمية المتّجهة إلى التبريد والتشاور لا التشنّج والاشتباك، لا تعاكس خيارات ووضعية قوى الثامن من آذار بدليل ورشة المفاوضات الجارية خلف الحدود، ما يدعم موقعها في معركة الرئاسة.

– يقدّم فرنجية نفسه كرجل التقاء وتواصل مع العديد من القوى السياسية، وهي نقطة تسمح له بالتقدم على غيره من المرشحين المرفوضين من جانب «حزب الله» تحديداً، فيما رئيس «تيار المردة» مقبول ويشكّل حالة تقاطع، وعلاقته تتسم بالحوار والانفتاح مع القوى الخارجية، لا سيما غير الحليفة.

– اذا كان سلاح «حزب الله» هو عنوان المرحلة المقبلة، فهذا يعني أنّ هذا الفريق سيتسلّح بالتشدد، لا بالليونة أو التنازلات، في سلوكه وخياراته الداخلية، وسيكون هذا الأمر سبباً إضافياً للدفع باتجاه ايصال ماروني حليف إلى الرئاسة الأولى.

– إنّ «حزب الله» بحاجة إلى معالجة علاقته بالبيئة المسيحية لا سيما بعد اضطرار باسيل إلى اعتماد خطاب الهجوم من باب تحسين وضعه الشعبي، ما يعني أنّ الرئاسة الأولى ليست غطاء سياسياً بل ممراً إلزامياً لتصويب هذه العلاقة.

– إنّ خسارة قوى الثامن من آذار للرئاسة الأولى ليست مصلحة لجبران باسيل حتى لو لم تكن من نصيبه في هذه الدورة.

– إنّ العلاقة بين قوى الثامن من آذار والنواب الجدد لا سيما اولئك الذين نجحوا تحت مظلة التغيير لا تتسم بالعدائية، لا بل يدل أول مواقف هؤلاء النواب أنهم سيتعاملون مع كل الملفات على القطعة.

– إنّ التفاهم بين «التيار الوطني الحر» و»تيار المردة» أقل صعوبة في تنفيذه، من تفاهم نواب مرشحين محتملين للرئاسة مع الأحزاب المسيحية الأخرى، كنعمة افرام وميشال معوض و»الكتائب» و»القوات» في ضوء ما شهدته الانتخابات من صراعات خفية ومعلنة.

– الأكيد أن ثمة فرصة أمام سليمان فرنجية يمكنه تلقفها من خلال حركة محلية واقليمية تحمي ترشيحه، ويمكن في هذا الخصوص الإشارة إلى أسلوبه الاستيعابي الذي شهره فور خروج النتائج النيابية إلى العلن وتعاطيه بايجابية مع «قوى التغيير»، كذلك إلى الخطوة التي قام بها نجله طوني فرنجية تجاه النائب الفائز ميشال الدويهي.