الزواج المدني يعود إلى الواجهة في لبنان.. فلماذا يرفضه رجال الدين؟

أسرار شبارو – الحرة

عاد جدل قانون الزواج المدني في لبنان إلى الواجهة مع إعلان ثلاث نواب “تغييريين”، يمثلون الطائفة السنية، تأييدهم له خلال حلقة تلفزيونية، الأمر الذي عرّضهم إلى هجوم شديد من قبل رجال دين، وصل إلى حد تكفيرهم، وأدى إلى انقسام حاد بين اللبنانيين بين مؤيد ومعارض لهذا الطرح “القديم الجديد”.




ويعتبر مطلب إقرار قانون الزواج المدني في لبنان تاريخي، سعت مبادرات عدة لتحقيقه وقدمت مشاريع قوانين عنه، في مجلس النواب منذ خمسينات القرن الماضي، لكن أياً منها لم يسلك طريقه نحو الإقرار.

لا تقتصر المطالب على الزواج المدني، بل على قانون موحد للأحوال الشخصية في بلد يضم 18 طائفة، لكن قانونياً تستند المرجعيات الدينية على المادة التاسعة من الدستور في رفضها لذلك، والتي تنص على أن “حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ألا يكون في ذلك إخلال في النظام العام، وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية”.

من جانبها تعتبر منظمة “كفى”، التي تسعى لتحقيق المساواة داخل الأسرة بين الرجل والمرأة، أن “سوء تطبيق المادة التاسعة من الدستور أدى إلى استئثار الطوائف بنطاق الأحوال الشخصية وحؤولها دون إصدار قانون مدني عام، الأمر الذي سمح بإعطاء الأولوية لحقوق الطوائف على حساب حقوق المواطنين”.

كما أدى سوء تطبيق هذه المادة إلى “توسيع نطاق حقوق الطوائف، فتقلّصت من جهة رقابة الدولة عليها، ووضع المواطن من جهة أخرى أمام قوانين تظلمه باسم الله، وباسم الله أيضاً تسلبه القدرة على مراجعة هذه القوانين، ممّا أفسد النظام وجعله عائقاً أمام بروز قيم المواطنة وهي أساساً علاقة الإنسان- الفرد مع الدولة من خلال القانون”، وفق المنظمة.

لا بل تؤكد مسؤولة وحدة العنف الأسري في المنظمة، المحامية ليلى عواضة، في حديث لموقع “الحرة”، أن قوانين الأحوال الشخصية الطائفي يخالف مبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور اللبناني، حيث ورد في مقدمته أن لبنان “عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء”.

وبين المطالبة بإقرار قانون الزواج المدني ورفضه من قبل المرجعيات الدينية التي لكل منها حججها، تعترف السلطات اللبنانية بهذا العقد إن أبرم في الخارج، وتسمح بتسجيله لدى الدوائر الرسمية المختصة.

منافع مادية وسلطوية

عزت عواضة رفض المرجعيات الدينية لقانون الزواج المدني ولإقرار قانون موحد للأحوال الشخصية الذي هو المطلب الأساسي، إلى منافع مادية وسلطوية، قائلة “سلطتهم على الناس نابعة من قانون الأحوال الشخصية الطائفي هذا عدا عن المكاسب والامتيازات المادية التي يستحصلون عليها”.

وتؤكد أن “مصالح المرجعيات الدينية بعيدة كل البعد عن الحفاظ على معتقدات الناس، لاسيما وأن قانون الأحوال الشخصية الموحد الذي أعدته “كفى” لا يمس هذه المعتقدات، كما أنه باستطاعة الزوجين من خلاله عقد قرانهم في المحاكم الشرعية أو الروحية، لكن مفاعيل الزواج تقررها الدولة، من هنا نشدد على ضرورة تصحيح الوضع وإعادة الأمر إلى يد الدولة التي يقع على عاتقها مسؤولية رعاية شؤون مواطنيها بعيداً عن المزايدات من قبل رجال الدين الذين لا يهتمون سوى بمصالحهم الشخصية التي تضمنها القوانين الطائفية”.

مرّت الحملة التي أطلقتها “كفى” بمراحل عدة، شرحتها عواضة: “بداية سلطنا الضوء على الانتهاكات والتمييز الناتج عن قوانين الأحوال الشخصية والمحاكم الطائفية ضد النساء وبينهن، ثم طرحنا قانوناً بديلاً كي نستعيد دور الدولة في التشريع، وخلال ثورة 17 أكتوبر رفع المطلب في الساحات كونه بداية تغيير النظام الطائفي”.

تتبع المؤسسات الرسمية الإسلامية لرئاسة مجلس الوزراء بما فيها المحاكم الإسلامية، وهي لا تتبع وزارة العدل لأن وزير العدل قد يكون مسلماً أو مسيحياً، أما رئيس الحكومة فهو دائماً من الطائفة الإسلامية السنية، وله الأمرة على المؤسسات الإسلامية، بينما لا تجوز أمرة مسيحي على مؤسسات إسلامية، بحسب “الدولية للمعلومات”.

وبلغت موازنة المؤسسات الرسمية الإسلامية في العام 2018 نحو 29,479,708 مليار ليرة منها 6,761,700 مليار ليرة للمحاكم السنية، و7,762,852 مليار ليرة للمحاكم الشرعية الجعفرية و3,200,437 مليار ليرة للمحاكم المذهبية الدرزية.

وبغية إحداث نوع من التوازن في الإنفاق على المؤسسات الإسلامية والمؤسسات المسيحية، عمدت الحكومة منذ عقود إلى رصد اعتماد في موازنة وزارة العدل يخصص للمحاكم الروحية المسيحية وصلت قيمته في العام 2018، كما ورد في “الدولية للمعلومات” إلى 3.280 مليار ليرة مقابل 4.1 مليار ليرة في العام 2017، أي أن ما تتقاضاه المحاكم الروحية المسيحية لا يمثل سوى 11 بالمئة مما تتقاضاه المحاكم الشرعية المسلمة، وفي موازنة العام 2022 رصد للمحاكم الدينية 26,799,502 مليار ليرة.

مشروع “فتنة”

رفض النائب وضاح الصادق (أحد النواب الذين أعلنوا تأييدهم للزواج المدني) التعليق على الحملة التي شنت عليهم، مشدداً على أنها معركة سياسية تخاض ضدهم قائلاً “قررنا عدم السماح بأن يتم تشتيتنا عن هدفنا المتثمل بالعمل، فالبلد منهار”.

تأييد بعض النواب للزواج المدني، اعتبره إمام مسجد الأوزاعي والمدير العام السابق للأوقاف الاسلامية في لبنان، الشيخ هشام خليفة، “مشروع فتنة”، معربا عن استغرابه من “عدم إدراك هؤلاء لواقع لبنان المرير، فالبلد ينهار، الليرة لا قيمة لها، الدولار مفقود، لا كهرباء ولا ماء، وبدلاً من التركيز على ما يهم اللبنانيين يقعون في شرك وفخ بعض الوسائل الإعلامية”.

ويشير خليفة إلى استشهاد أحد النواب بفتوى لمفتي مصر السابق علي جمعة، الذي أعلن أنه مع الزواج المدني إذا “توفرت فيه الشروط الشرعية”، مشدداً “مفهوم المنطوق الحقيقي لهذه الجملة أن الزواج المدني إن خالف الشرع لا يقبل به مفتي مصر”.

عام 1998، أعد فريق الرئيس اللبناني الراحل، إلياس الهراوي، مشروع قانون الزواج المدني الاختياري، وناقشته الحكومة، ونال تأييد أكثرية الوزراء، إلا أنه لم يُحل الى مجلس النواب بسبب موقف المرجعيات الدينية الرافض له.

وفيما يتعلق بالمسلمين فهم يرفضون الزواج المدني لاعتبارين، شرحهما الشيخ خليفة “الأول هو مخالفة تشريع هذا القانون لروح ونصوص الدستور اللبناني الذي أعطى لرؤساء الطوائف الحق والصلاحية في متابعة شؤون أبنائهم الدينية وأحوالهم الشخصية، بالتالي ما يطرح اليوم تجاوز للدستور الضامن والضابط لبقاء الدولة وإداراتها وأنظمتها”.

أما الاعتبار الثاني، كما يقول الشيخ خليفة، لموقع “الحرة”، هو “مصادمة أغلب بنود قانون الأحوال الشخصية الموحد المطروح بما فيه الزواج اللاديني مع الشريعة الإسلامية المعمول بها في المحاكم الشرعية، مع العلم بأن الأحكام الشرعية المأخوذة بوضوح وصراحة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لا خيار للمسلم أن يرضا ببديل عنها، وإلا يعتبر مرتداً عن دين الله، ولذلك أصدر مفتي الجمهورية السابق الشيخ محمد رشيد قباني حكمه في هذا الإطار، بأن كل مسؤول يوافق ويرضى بقانون الزواج المدني وقانون الأحوال الشخصية هو كافر بدين الله ولا يعتبر مسلماً ولا تجري عليه أحكام المسلمين”.

يعتبر الشيخ خليفة أنه “لسنا في حاجة لهذه القوانين، فالمحاكم الشرعية تسهّل تزويج الشباب والشابات وبناء الأسر، أما بعض العراقيل فهي إدارية سببها القانون المدني الوضعي، كالفحص الطبي وغيره، من هنا بالإمكان تعديلها”.

ويشرح “لا يشترط في عقد الزواج الشرعي أن يبرمه رجل دين، بل يمكن عقده إذا توافق الزوجين بحضور ولي أمر الفتاة وشاهدان مع تحديد المهر، الأمر بسيط إلى هذه الدرجة، أما الزواج المدني فأصعب وأشد تضييقاً”.

الجانب الذي يخالف به الزواج المدني الشرع والعقيدة الإسلامية لا يتعلق فقط كما يقول الشيخ خليفة “بإبرام العقد عند كاتب عدل أو موظف دولة، بل بمفاعيل الزواج المخالفة كلياً للشرع، كالميراث والعدّة والحضانة المنصوص عليه في القرآن الكريم، كما أنه مخالف لطبيعة إنهاء العلاقة الزوجية ولمن له الحق في ذلك، فإذا كان القانون المدني يعتبر الزواج شراكة فإن الشرع يعتبره أبعد من ذلك، بأنه كفالة وحماية ورعاية وأسرة وحقوق مشتركة وواجبات مشتركة”.

ويضيف “في العقد الشرعي يجوز للشاب المسلم أن يتزوج أي امرأة مسلمة أو كتابية مسيحية كانت أم يهودية وإن بقيت على دينيها، ولكن لا يجوز للفتاة المسلمة أن تتزوج غير المسلم، في حين أن الزواج المدني يسمح لها أن تتزوج من غير دينها، ولا يشترط مهراً ولا ولي أمر وأي شخص يمكن أن يكون شاهداً”.

طرح “خارج المنطق”

أعدت “كفى” اقتراح قانون موحد للأحوال الشخصية يطبق على جميع اللبنانيين وغير اللبنانيين المقيمين على الأراضي اللبنانية، المحاكم المدنية هي الهيئات الصالحة لتطبيقه، وفيما يتعلق بطريقة تطبيق عقود الزواج ينشأ في دائرة النفوس في مركز كل قضاء سجل خاص على القاعدة الفردية يدعى السجل المدني، يعقد الزواج أمام مأمور النفوس في القضاء الذي يقيم فيه أحد الزوجين، ويسجل على صفحة كل من الزوجين ويعطى رقماً متسلسلاً، ويكتسب الأولاد تلقائياً وبالولادة جنسية والدتهم أو والدهم اللبنانيين.

كما ينص اقتراح القانون على أن سن الزواج للذكر وللأنثى 18 سنة مكتملة، ويمنع عقد الزواج إذا كان أحد العاقدين مرتبطاً بزواج سابق قائم، أما اختلاف الدين بين العاقدين فلا يشكل مانعاً للزواج، ويكتسب أي من الطرفين الجنسية اللبنانية في حال ارتباطه بلبناني أو لبنانية.

الطلاق لا يقع في ظل هذا الاقتراح إلا نتيجة حكم صادر عن المحكمة المدنية المختصة، ويحق للزوجين التقدم بدعوى طلاق بعريضة مشتركة وبموجب اتفاقية طلاق منظمة لدى الكاتب العدل تضمن وبالتفصيل كيفية تنظيم إقامة الأولاد والإنفاق عليهم وإدارة شؤونهم في حال وجودهم، كما يحق للطرفين أو لأحدهما التقدم بدعوى طلاق إذا تبين أن الاستمرار في الحياة المشتركة غير ممكن.

وفيما يتعلق بواجبات الوالدين تجاه الأولاد، فإن السلطة الوالدية، مشتركة بين الزوجين طيلة فترة الحياة المشتركة وحتى بعد الانفصال أياً كان السبب إلا في حال رأت المحكمة التي تفصل في النزاع الزوجي أن مصلحة القاصرين تستوجب إجراءات مخالفة، وإذا كان الطفل قادراً على التمييز لا تتخذ القرارات بشأنه إلا بعد التشاور معه وأخذ موافقته المسبقة على هذه القرارات.

يشدد رئيس المحاكم الجعفرية في لبنان، الشيخ محمد كنعان، على ضرورة التمييز بين الزواج المدني كعقد وفيما إن كان الأمر يتعلق بقانون أحوال شخصية مدني، ويقول لموقع “الحرة” “الزواج المدني الذي يشمل الإيجاب والقبول لا بد من الحكم بشرعيته أي فيما إن كان موافقاً للشرع، أما ما يترتب عن هذا الزواج من طلاق وإرث وحضانة ووصاية وولاية، عندها نكون أمام منظومة مدنية متكاملة وهذا ما نرفضه كونه يتعارض مع أحكام الشرع ومع المادة التاسعة من الدستور”.

من جانبه، يؤكد رئيس محكمة عالية المذهبية الدرزية، القاضي الشيخ نزيه أبو إبراهيم، أن موقف مشيخة العقل واضح برفضها الزواج المدني، مشيراً إلى أنه “في مذهب التوحيد لا خلاف جوهرياً بين عقد الزواج المدني والديني، كما أن العقد المدني لا يعطي المرأة حقوقاً أكثر مما يعطيها إياها العقد الديني، فعلى سبيل المثال يحق للزوجة في مذهب التوحيد ذكر الشروط التي تشاء في عقد الزواج شرط ألا تتعارض مع الشرع والدين، كما يمكنها طلب الطلاق من دون تقديم أي مبررات، وفي حال وقع الطلاق قد تحصل على نصف أملاك الزوج إذا ثبت أن المسؤولية الكبرى تقع عليه والعكس صحيح، وفيما يتعلق بحضانة الأطفال فإن 90 بالمئة من هذا الموضوع يحل من دون أي اشكالات حيث نحدد مصلحة الأولاد ونحكم على ذلك الأساس”.

وعن مطالب البعض وإصرارهم على الزواج المدني، يرى الشيخ أبو إبراهيم، في حديث لموقع “الحرة”، أن ذلك يعود إلى صعوبة طلب الزوجة للطلاق لدى بعض المحاكم الشرعية والروحية.

واعتبر الشيخ أبو إبراهيم أن طرح قانون موحد للأحوال الشخصية “خارج عن المنطق”، متسائلاً “كيف يمكن تطبيق قانون واحد على مذاهب وديانات مختلفة، فمثلاً في المذهب الدرزي يمنع تعدد الزوجات في حين يسمح به لدى المذهبين السني والشيعي، والأمر لا يختلف فيما يتعلق بالإرث فنحن لدينا حرية الإيصاء، بينما في المذهب السني والشيعي يمنع الإيصاء إلا بقسم معين من الإرث وهذا من صلب الدين”.

وفيما يتعلق بالتصويب على استفادة المحاكم الشرعية والروحية بمبالغ مالية طائلة من ميزانية الحكومة، يرد الشيخ خليفة “كلام باطل وتهم لتضييع البوصلة عن الأمور العقائدية الإيمانية، فالمحاكم الشرعية مؤسسات تابعة للجمهورية اللبنانية تدير شأن اللبنانيين وبالتالي تأخذ نفقاتها من خزينة الدولة”، أما الشيخ كنعان فيجيب “طالما أن المحاكم الشرعية السنية والجعفرية والدرزية جزء من تنظيمات الدولة القضائية فحالها كحال كل مرافق الدولة، فليس لأحد منّة في ذلك”.

ويقول الشيخ أبو إبراهيم “نحن من ضمن التنظيم القضائي للدولة، نتبع وزارة العدل، فأنا كأي قاض مدني أحصل على ذات الحقوق والدرجات، كما أن إجراءات المحاكمة في المحاكم القضائية والمذهبية تختلف 10 بالمئة فقط عن المحاكم المدنية”.

خطيئة ضد السرّ

وكان وزير الداخلية الأسبق، زياد بارود، أصدر تعميماً، في 2011، يؤكد على حق كل مواطن بعدم التصريح عن القيد الطائفي في سجلات الأحوال الشخصية أو شطب هذا القيد، وبعد عامين عقد الكاتب العدل جوزيف بشارة أول زواج مدني في لبنان.

الخطوة التالية أتت من وزير الداخلية الأسبق، مروان شربل، الذي وقع 13 عقد زواج مدني، وفي حديث لموقع “الحرة”، شدد شربل على أن “الزواج المدني حق يكرسه قرار صادر سنة 1936 أي منذ أيام الانتداب، وهو قرار ساري المفعول لا يتعارض مع القوانين أو الدستور فمن حق كل شخص أن يختار فيما إن كان سيتزوج مدنياً أو دينياً”.

وتساءل شربل “لماذا لا يعترض رجال الدين حين يبرم عقد الزواج في قبرص ويتم تثبيته في لبنان، ولماذا لا يعترضون حين يختلف الزوجان في الخارج، ثم يقفان أمام القاضي المدني في لبنان الذي يحكم باسم الشعب اللبناني مستخدماً القانون القبرصي”؟ لافتاً إلى أن “العشرات من عقود الزواج المدنية لم تسجل في المديرية العامة للأحوال الشخصية”.

في حالات النزاع الناشئة عن الزواج المدني المعقود في الخارج، يعود للمحاكم المدنية اللبنانية بحسب عواضة “اختصاص النظر فيها في حال كان الزوجان مختلفين دينياً أو مسلمين من مذاهب مختلفة أو إن كانا مسيحيين، أما إذا كان الزوجان ينتميان إلى الطائفة السنيّة أو الشيعية أو الدرزية وأحدهما على الأقل لبنانياً ونشأ بينهما نزاع عندها يكون الاختصاص للمحاكم الشرعية أو المحكمة المذهبية”.

أغلق وزير الداخلية الأسبق، نهاد المشنوق، الباب أمام عقود الزواج المدني برفضه توقيع أياً منها، ورغم وعد الوزيرة، ريا الحسن، التي تسلمت الوزارة من بعده، بتوقيعها، إلا أنها لم تقدم على هذه الخطوة نتيجة الضغوطات التي مورست من قبل المرجعيات الدينية.

رفض الكنيسة الكاثوليكية للزواج المدني نابع، بحسب ما يقوله رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو أبو كسم، من أن “الزواج هو سر من أسرار الكنسية السبعة، وبالتالي يندرج الزواج المسيحي في إطار السر، فالمسيح هو من رسم سر الزواج قائلاً (ما جمعه الله لا يفرقه إنسان)، إذ في الزواج المسيحي هناك اتحاد بين الزوج والزوجة لا ينفصل ولا ينقسم، وهو اتحاد دائم يشبه اتحاد المسيح بكنيسته، وعليه فإن المؤمن المسيحي عندما يؤمن بأسرار الكنيسة لا يمكنه أن يستثني سراً من الأسرار كون يسوع المسيح يتجسد في وحدة الأسرار”.

يضيف الأب أبو الكسم “تقبل الكنيسة بهذا الزواج إذا كان القانون إلزامياً لكل اللبنانيين، إذ ذاك تترك للمؤمن المسيحي بعد عقده لهذا الزواج أمام المحاكم المدنية أن يعقده لاحقاً أمام الكنيسة كما هو الحال في فرنسا مثلاً، أما إذا كان قانون الزواج المدني اختيارياً، أي أن يخيّر الإنسان فيما إن كان يتزوج مدنياً من عدمه، فالكنسية إذ ذاك لا توافق على مثل هذا القانون لأنه لا يمكن تخيير الإنسان بين أن يمارس إيمانه أو لا فيما خص الزواج”.

وعن التصويب على استفادة المحاكم الشرعية والروحية بمبالغ مالية طائلة من ميزانية الحكومة، شرح الأب أبو كسم “قضاة المحاكم الشرعية الإسلامية يقبضون رواتبهم من الدولة اللبنانية في حين أن قضاة المحاكم الروحية المسيحية يقبضون رواتبهم من الكنيسة، ولتحقيق نوع من العدالة بين الطوائف تم تخصيص مبلغ مالي للمحاكم الروحية كي تسيّر أعمالها”.

وسبق أن أكد البطريرك الماروني، مار بشارة بطرس الراعي، على أن “الزواج الكنسي هو سر مقدس من أسرار الكنيسة السبعة، أما الزواج المدني فهو عقد اجتماعي لا علاقة له لا بالأسرار المقدسة ولا بالله ولا بالروح القدس. وأنا كمسيحي، باعتمادي الزواج المدني أضع الله جانباً، لأنني قررت تحويل هذا السر المقدس إلى مجرد عقد اجتماعي”، وأضاف “نعم الزواج المدني هو خطيئة ضد السر، ولكنه ليس مساكنة وليس حالة زنى، إنما هو عقد مدني خطيئته أنه ضد السر المقدس”.

وشدد “إذا أرادت الدولة إقرار القانون فليكن إلزامياً ولتبدأ العمل بتعديل المادة 9 من الدستور. فعندما يكون القانون الزامياً يمكننا الطلب إلى المسيحي بتصحيح وضعه وعقد زواج كنسي، فإما يرفض إيمانه والالتزام به، وإما يصحح وضعه، وعندئذ تعرف المؤمن من غير المؤمن. ولكن في حال الزواج المدني الاختياري، يصعب جداً إجراء هذا الطلب”.

أما الشيخ خليفة، فيعتبر أنه “يوجد حلان للأمر، إما عقد الزواج المدني في قبرص كما يحصل، أو أن يعدّل الدستور بإضافة طائفة رقم 19، هي طائفة اللادينيين، وليختاروا مرجعيتهم ويشطبوا مذهبهم، وليشرع لهم الدستور ما يناسبهم، عندها من حق من ينضم إلى الطائفة الجديدة ألا يلتزم بالدين والشرع”.