الياس خوري - القدس العربي

إنقاذ لبنان وليس إنقاذ النظام – إلياس خوري – القدس العربي

انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية، لكن الانهيار لم ينته، بل ربما دخل منعطفاً جديداً وأشد خطورة، وينذر بالشلل.
لكن نتائج الانتخابات أتت في غالبيتها كما هو متوقع.
تراجع التيار العوني كان متوقعاً، وتقدم القوات أيضاً.
احتفاظ الثنائي الشيعي بجميع المقاعد الشيعية كان تحصيل حاصل، وسط جو طائفي عبقت به المناخات الانتخابية، وتحول فيه سلاح المقاومة إلى أداة دفاعية عن الطائفة، ووسيلتها للاحتفاظ بغلبتها السياسية.
تراجع الحريرية السياسية، بعدما تخلى عنها راعيها السعودي، كان كبيراً، لكن انهيار بديلها الذي جسدته لوائح فؤاد السنيورة خفف من إيقاع ارتطامها بالأرض.
لا جديد سوى أن الأكثرية السابقة لمحور 8 آذار لم تعد أكثرية، كما أن معارضيها لم يتحولوا هم أيضاً إلى أكثرية.
مفاجأتان خرجتا عن المتوقع، وهما تحملان معنى جديداً:
المفاجأة الأولى كانت سقوط الودائع السورية في الانتخابات جميعها تقريباً: ايلي الفرزلي، وئام وهاب، أسعد حردان، فيصل كرامي، ومعهم سقط المصرفي مروان خيرالدين. وهو سقوط مدوٍ ويشير إلى أن أوهام استعادة هيمنة نظام الاستبداد السوري على لبنان، صارت من الماضي.
المفاجأة الثانية كانت فوز أربعة عشر نائباً، أطلق عليهم الإعلام صفة التغيريين لأنهم خرجوا من رحم انتفاضة 17 تشرين، وهم لا ينتمون إلى العائلات السياسية أو الأحزاب الطائفية. ميزتهم أنهم لا يمثلون الطوائف، بل يمثلون طيفاً سياسياً واجتماعياً علمانياً عبرت من خلالهم فئات من الطبقة الوسطى عن خيبتها من نظام النهب الطائفي اللبناني.
المفاجأة الثانية هذه تستحق احتفالاً يليق بها، خارج همروجة الإعلام التلفزيوني.
صوت التغيير الذي يمكن أن تلعبه هذه المجموعة من النواب في مواجهة الأزمة البنيوية التي يمر بها لبنان يمتلك القدرة على أن يشق طريقه وسط صراع الذئاب الذي يدور على أشلاء لبنان.
ففي صراع معقد له أبعاده الإقليمية ودلالاته الطائفية، وفي مواجهة دولة المصارف بامتداداتها الأخطبوطية في كل الطوائف، يستطيع نواب 17 تشرين أن يقاوموا مسلحين بموقف شعبي يرفض تحميل الطبقات الوسطى والفقيرة أعباء الأزمة، كما يرفض بيع الأملاك العامة تحت مسمى الصندوق السيادي.
المسألة لها وجهان، وجهها الأول هو حماية ما تبقى من الثروة اللبنانية وإجبار اللصوص على دفع ما نهبوه، والتأسيس لدولة العدالة الاجتماعية. ووجهها الثاني هو تأكيد سيادة الدولة ومسؤوليتها الحصرية عن الدفاع عن الوطن.
الوجهان مترابطان، فرفع شعار السيادة كي يتناغم مع رؤية التطبيعيين العرب في دول الخليج، يعني التخلي عن السيادة، والاندراج في مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة، وهذا يدمر ما تبقى للبنان من معنى. كما أن رفع شعار مشاركة الجميع (أي جميع أجنحة طبقة اللصوص)، في ورشة إنقاذ لمواجهة الكارثة الاقتصادية، لا هدف له سوى تحويل بقاء السلاح إلى شرط لبقاء النظام، كنظام للنهب والإفقار والإفلاس.
وفي الحالين لا سيادة وطنية ولا خروج من الأزمة، بل إعادة تركيب للنظام بصفته نظام حرب أهلية دائمة تنام فوق بركان يحمل في داخله احتمالات الانفجار.
في هذا الواقع المعقد كيف سيقوم نائبات ونواب 17 تشرين بالإبحار وسط تيارين جارفين مدعومين إقليمياً، ويتمترسان خلف خطاب طائفي مكشوف؟
يجب أن نسجل بداية أن نواب 17 تشرين ليسوا كتلة متماسكة، بل هم تعبير عن الأطياف المتعددة للقوى التي شاركت في الانتفاضة، وهي أطياف تمتد من الموقف الليبرالي الإصلاحي إلى اليسار.
لنقل إن نواب هذه المجموعة يمثلون مناخاً سياسياً-ثقافياً، أما مشروعهم السياسي فلم يتبلور قبل الانتخابات ولن يتبلور خلال الأيام القليلة التي تفصلنا عن موعد انعقاد مجلس النواب الجديد.
المهمة الأساسية في رأيي، هي الحفاظ على هذا المناخ، الذي قفز للمرة الأولى في تاريخ لبنان خارج أسوار القوالب السياسية والطائفية الجاهزة. يحتاج هذا الأمر إلى وعي بأن دور هؤلاء النواب إنقاذ لبنان وليس إنقاذ النظام. بل إن شرط إنقاذ لبنان هو إسقاط هذا النظام.
الإنجاز الكبير هو نجاح النواب في فتح ثغرة كبرى في الجدار الذي قامت من خلاله شرطة المجلس بإقفال إمكانية وصول المتظاهرين إلى المجلس النيابي. لقد دفع الثوار ثمناً كبيراً بدمائهم وعيونهم المطفأة من أجل الوصول إلى هذا الهدف. دور النواب هو إزالة هذا الجدار كي تكون مواقفهم امتداداً للشارع الذي أوصلهم إلى المجلس النيابي.
نجحت انتفاضة 17 تشرين في أن تستعيد عبر الانتخابات شيئاً من نبضها من تحت ركام القمع والخراب، ولا يحق لممثليها، على تعدد اتجاهاتهم، أن ينسوا هذه الحقيقة، ويجري جرهم إلى مواقع لا مبدئية باسم إنقاذ البلاد.
على الذين خربوا البلاد أن يدفعوا الثمن، ولا مكان لهم في العملية الإنقاذية التي ستكون طويلة ومعقدة. ولن تأتي إلا كثمرة لعمل مشترك بين الممثلين النيابيين للانتفاضة وشارع الانتفاضة.
لا مساومة مع اللصوص، لكن هذا لا يعني التقوقع على الذات، بل يعني أخذ المبادرة دائماً وتحويل المجلس النيابي إلى منبر لفرض إصلاحات جذرية، عبر رؤية ديموقراطية مرتبطة بديموقراطية الشارع.
فالموقف النقدي والمعارضة الخلاقة ستعبران عن نفسيهما في العمل البرلماني الذي هو امتداد للنضال في الشارع.
أعرف أن النواب الجدد سيواجهون عقبات كبرى، وسيحاول النظام ابتلاع احتمالات تجربتهم عبر الترهيب حيناً والتذاكي حيناً آخر، وأعرف أن سرطان الطائفية الذي يشد بنا إلى اصطفافات إقليمية تدميرية هو مرض مستشر ويملك الكثير من القوة والبطش، لكن ما أعرفه أيضاً هو أنه يحق لنا أن نحلم، فتعدد الاتجاهات داخل الصف الواحد قد يكون مصدر غنى، شرط أن لا نسمح بأي تنازلات مبدئية.
هذا الحلم ممكن رغم صعوباته، وهو مرهون بعوامل عديدة، لكن العامل الأهم هو أن يتذكر النواب الجدد أنهم آتون من شارع 17 تشرين، ولا يسمحوا للطفيليين والانتهازيين بأن يمتطوا تجربتهم.