قانون الانتخاب فصّلوه على قياسهم فأوقعهم في حفرته؟

سابين عويس – النهار

اما وقد طوت #الانتخابات النيابية صفحتها ، وأدت الى ما أدت اليه من نتائج، لا تزال مختلف القوى السياسية غارقة في عملية العد والفرز للأصوات التفضيلية التي حصدتها، والتي يفترض ان تبين لها أحجامها الحقيقية تبعاً لمناطق نفوذها، وصولاً الى المفاخرة بنِسَب التمثيل الأعلى لهذه المناطق وفق قاعدة ” كتلتي اكبر من كتلتك” و” أنا الأكثر تمثيلاً والاكبر حجماً”، كما فعلت كل القوى، منذ صدور النتائج وحتى اليوم. وعلى ما يبدو ان هذه القاعدة ستظل تتحكم بالمشهد السياسي في المرحلة المقبلة بعدما خلطت صناديق الاقتراع ( والتلاعب بنتائجها في بعض المناطق لمصلحة تحسين وضع الخاسرين)، ميزان القوى، فغيرت الاكثرية وحولتها أقلية، وادخلت عنصراً جديداً يتمثل بالنواب الجدد المنتمين الى حركات التغيير والمجتمع المدني، الناشطة بقوة منذ اندلاع انتفاضة ٢٠١٩.




والنتائج المحققة لم تشكل مفاجأة كبيرة للوسط السياسي الذي كان يعي تغير الارض تحت أقدامه، وخروج المزاج لدى الناخبين عن التقليد، في ظل الشعارات الكبيرة التي اطلقتها الحملات الانتخابية، مستفيدة من ازمة اقتصادية ومالية واجتماعية غير مسبوقة، ومن إهمال وتلكوء بلغ حد التواطوء في التعاطي معها او مع انفجار مرفأ بيروت. ولكن الاهم، ان معظم القوى ولا سيما تلك التي خاضت انتخابات ٢٠١٨ وفق القانون النسبي، باتت تدرك كيفية التعاطي معه، بحيث باتت قادرة على احتساب حجمها وقدرتها التجييرية من أصواتها التفضيلية، متكلة على مشاركتها في صنع القانون وطبعه، بما يلائم مصالحها. لكن القانون وفي تجربته الثانية خذل بعض هذه القوى، على حساب اخرى. ما طرح السؤال اليوم، هل ثمة حاجة الى اعادة النظر به او ان ما حصل جاء على قاعدة طابخ السم آكله؟

اذا كانت انتخابات ٢٠١٨ شكلت تجربة أولى للبنانيين، مرشحين وناخبين، لخوض غمار الترشح والاقتراع بموجب قانون الانتخاب الجديد الذي أقر عام ٢٠١٧ ونقل الانتخاب من النظام الاكثري الى النظام النسبي، فإن انتخابات ٢٠٢٢ كرست الحاجة الى اعادة النظر بهذا القانون، والثغرات التي برزت خلال تطبيقه على مدى دورتين انتخابيتين، بعدما تم التغاضي عن تلك الثغرات غداة التجربة الاولى، فلم يلجأ المشرٓعون الى القراءة الجدية والمسؤولة في النتائج التي أفرزها.
اكثر المبررات التي أعطيت بعد انتخابات ٢٠١٨ لعدم لجوء المشرعين الى البحث في تلك النتائج ومدى صحة وسلامة القانون الجديد في تحقيق عدالة التمثيل، انها أتت على قياس من فصٓله وأعده. فلم يكن هناك حاجة لطرح اي تعديلات يمكن ان تحسن القانون. اما النتائج غير المتوقعة لانتخابات ٢٠٢٢، فهي لا شك ستدفع المتضررين الى قراءة ثانية في القانون تعقب القراءة الاولى في الأسباب التي أدت الى هذه النتائج، وهل هي مرتبطة بتطبيق القانون، او انها نتيجة المشهد السياسي والطائفي في البلاد بعد عامين من الانهيارات المتتالية والانتفاضات المتأججة التي لم يقم لها أي مسؤول في السلطة او زعيم اعتباراً، كما
هو مفترض في اوضاع جحيمية كتلك التي عاشها اللبنانيون في العامين الماضيين ولا يزالون.

لا يمكن اغفال الايجابيات التي حملها القانون لجهة ادخاله مبدأ النسبية بما يحقق عدالة التمثيل، فضلاً عن ان اللوائح المطبوعة اتاحت وقف التشطيب وحدت من إمكانيات التلاعب بالنتائج، ولكنه في المقابل، وانطلاقاً من التجربة ساهم في الإمعان في الفرز الطائفي، حيث عزز النزعة الطائفية والشحن والتجييش على أساس طائفي. كما ان التفاوت الكبير في حجم الدوائر الذي تم تقسيمها وفق حسابات القوى السياسية ذات النفوذ، الراغبة في الإبقاء على ميزان القوى كما هو من خلال القدرة على التأثير في الاقتراع، وهو ما رأيناه اخيراً بالنسبة الى النواب الذين فازوا بأصوات شيعية على الأغلب او حتى سنية رغم المقاطعة، هذا التفاوت أدى الى تغييب عدالة التمثيل بحيث فاز نواب بعشرات آلاف الأصوات في حين فاز آخرون ببضعة مئات او بضعة عشرات!

وهذا التوزيع أدى الى ان يتم تفصيل الصوت التفضيلي واحتساب الفوز على قياس مرشحين محددين.

على اهمية التمثيل النسبي الصحيح، الا ان ما تبين بعد دورتين انتخابيتين، ان هناك تشويهاً للنسبية الصحيحة والبسيطة المطلوبة، من خلال القيود الموضوعة على التطبيق، واجتزاء هذا التطبيق، وهذا يستدعي اعادة النظر باعتماد الدوائر الخمسة عشر التي خلص اليها القانون. فهل الأفضل الذهاب الى الدائرة الاوسع وربما الدائرة الواحدة كما اقترح رئيس المجلس نبيه بري؟ وماذا عن ضرورة تلافي تغليب النزعة الطائفية وحتى المذهبية، على حساب مبدأ المواطنة، او تمثيل المرأة او الإنفاق الانتخابي، او تسهيل اقتراع المغتربين، او تطبيق الميغاسنتر؟ وهي أمور من شأنها ان تحسن تطبيق القانون، خصوصاً بعدما تبين ان هناك ٦٠ الف ورقة ملغاة، ما يؤشر الى ان الناخبين لم يعتادوا بعد على آلية الاقتراع؟ أسئلة ستكون برسم السلطة التشريعية الجديدة المنبثقة عن انتخابات ٢٠٢٢. وفي هذا السياق، يجدر السؤال، هل ينتظر المشرعون نهاية الولاية حتى يطرحوا التعديلات المطلوبة، او يباشرون فوراً هذه الورشة، وهل يمكن التعويل على النواب الجدد الداخلين الى جنة البرلمان ان يشكلوا فرصة او قاطرة للذهاب نحو قانون من خارج القيد الطائفي، وتطبيق الطائف، او ان صفحة الانتخابات طويت وطوي معها اي بحث محتمل بإعادة النظر بالقانون؟