الدكتور داود الصايغ

المجلس الجديد واستحقاق التغيير – داود الصايغ – النهار

على صورة الشرق كانت الانتخابات الأخيرة. الشرق الباحث عن نفسه في التطبيع من هنا والممانعة من هناك، شرق الثورات التي همدت والثروات التي اشتعلت. الشرق الذي تحوّل ليزيد في غموضه وغموض مستـقبله، والذي لم تكن الحرية يوماً من هواجسه. وها هو العالم كلّه يحجّ إلى الإمارات للتعزية بحاكمٍ انتقلت بلاده بسرعة إلى موقع القرار، مع الاتفاقات الدسمة التي حملت ايمانويل ماكرون في أول تحركٍ له إلى الخارج بعد إعادة انتخابه إلى زيارة أبو ظبي للتعزية على خلفية عقد الأربعة عشر مليار يورو لشراء مقاتلات “رافال”…

وعلى صورة لبنان، يتيم الديموقراطية والحرية في هذا الشرق، كانت الانتخابات الأخيرة. على صورة الموروث من انتخابات المئة عام وما قبلها، بالموروث قبل المُستجد، بالتقليد قبل المُستحدث، إذ في ما عدا العازل الذي استُحدث في انتخابات 1960، وتقنية العدّ والفرز في النتائج وانتقال التهجمات والشتائم إلى الشاشات ووسائل التواصل، لا تزال الانتخابات في لبنان هي ذاتها، انتخاباتٌ للأشخاص، للبيوت وورثائها، وللمحاولات المنكفئة سلفاً للخرق، لا للّوائح المُعلّبة، بل لذهنيةٍ تُسأل عنها عقودٌ من الممارسات. نعم هنالك أصواتٌ ترتفع، وهي ارتفعت. وهنالك صامتون غضباً، في دولةٍ لا تعرف المحاسبة، ولم تُجرَ فيها حتى الآن أي محاسبة.




الانتخابات هي مبدئياً للتغيير. هكذا يحصل في ديموقراطيات التداول، تداول السلطة، حيث يتمّ التجديد. تأتي مجموعة جديدة، حزبية في الغالب، وتُغيّر النهج القديم في الإصلاح والتجدد. لأن التغيير هو من طبيعة البشر وعلاقاتهم بالحكام وفق سُنّة التطور.

ماذا حصل للبنان حتى تخلّف عن المسيرة التي سَبقته؟ هذا سؤالٌ يُفترض بالمجلس الجديد أن يُجيب عنه. لأن القضية كلّها في لبنان، لو اختُصرت، تكمن في القدرة على المحاسبة. من مسؤولية انهيار المؤسـسات، إلى ضياع الأموال، إلى تجميد التحقيقات في فاجعة المرفأ، وإلى عدم ملاحقة أي مجرم ومعرفة ملابسات أي جريمة وقعت. هنالك مسؤولٌ ومسؤولون بالطبع، من المفروض على الأقل ألا يعود معظمهم إلى مقاعد الحكم. فالصمت الانتخابي هو هنا: صمتنا لنعرف ماذا يحمل القادمون الجُدد أو الذين جُدد لهم.

إنها انتخاباتٌ في زمن القلق الكبير، وليست إجراء روتينياً حدده الدستور، وكان البعض يتمنون لو لم تحصل من فرطِ خوفهم على المقاعد والمكاسب. وهنا تتبدى لنا تلك الصورة التي لو استحضرها الصامتون لتبيّن لهم هَول الفجوة الحاضرة.

فيوم كان لبنان ينتخب، كانت الأنظمة العربية تنقلب. حدث ذلك عندنا قبل مئة عام بالتمام، وبعده حاول البعض الاقتداء بنا، الاقتداء بلبنان. نعم يوم كان الاقتداء يتمّ من بعيد، قبل أن يبدأ البعض الآخر بالتذمّر من حرية الصحافة والحريات كلّها في منتصف ستينات القرن الماضي، وقبل أن تبدأ الأيدي العابثة بالتدخل منذ مطلع الحروب الأخيرة وحتى اليوم.

ولكننا حتى اليوم لا نزال ننتخب. انتخاباتٌ اختلط فيها كل شيء: من كيانات الزعامات إلى كيان لبنان، على نحو السقطة التي وَقَعَ فيها البعض عندما طرح مسألة الكيان.

ولكن بصرف النظر عن الطابع الاستـثـنائي للانتخابات الأخيرة التي راوحت أهدافها ما بين المزيد من المكاسب الشخصية طمعاً بالاستحقاق الرئاسي المقبل، ومن مطلب التحرر من الاحتلال الايراني، إلا أنها جَرَت. جَرَت على الصورة الحالية التي وصل إليها لبنان، وعلى صورة صراعات الشرق الحالي، بين دول الخليج التي كانت منكفئة وتـنبّهت لوجوب العودة، وإيران الطامحة أبداً والشديدة التورط في حروب سوريا بعد الارتباك الروسي الكبير في حروب أوكرانيا وما يمكن أن يُصيب لبنان من انعكاساتٍ في ذلك، إذ ما لا شكّ فيه أن إيران كانت حاضرة في الانتخابات الأخيرة. حاضرة أقلّه من خلال شعارات البعض بوجوب التحرر من احتلالها – وهذا ليس بالقليل ولو في حدود الشعار- وجواب “حزب الله” على ذلك بقوله: دلّوني أين هو الاحتلال الايراني؟!

منذ مئة عام بالتمام، عام 1922، جَرت أول انتخابات نيابية لبنانية بعد إعلان لبنان الكبير في بداية عهد الانتداب الفرنسي. فمن كان يتصور آنذاك أن لبنان سيقع ذات يوم تحت تهديد النفوذ الإيراني، وهو يُلملم أطرافه التي كانت سُلخت منه، ليُصبح كياناً جديداً راسخاً، وفق موروثاته. من كان يتصوّر بُعَيدَ الاستقلال بقليل أن لبنان أحد مؤسـسي الجامعة العربية عام 1944 ستُصبح مشكلته الأولى ذلك النفوذ الايراني.

ولكن مهلاً قليلاً. فالتاريخ مليء بالأحداث والحوادث. ومليء أيضاً بالمحطات. فالانتخابات محطة. والأوطان محطات يتنقّل بها الزمان على خطى أبنائها. واللبنانيون أبناء وطن لا أوطان، وشعب لا شعوب، إذ مهما بلغ تشاؤم المحللين وقنوط اليائسين، إلاّ أنّهم هنا. هكذا نشأ لبنان معهم، قبل أن تجري التحوّلات التي نشهدها اليوم.

لم تكن الانتخابات الأخيرة حدثاً دستورياً عادياً في زمن العبث بالدستور وبصدّ كلّ محاولات الإصلاح. لم تكن حدثاً عادياً في زمن تجميد المراسيم في الأدراج، أكانت للتـشكيلات القضائية أم لتعيينات قضاة غرف التمييز. لم تكن حدثاً عابراً لقادمين جُدد يسألون أين أصبح القضاء: قاضٍ يختم مؤسـسة بالشمع الأحمر، وقاضٍ آخر يُـقرر فكّها، قبل أن يعاد ختمها. فأين المسؤولية: أهي على الدولة أم على الدويلة وفق ما طغى من شعارات؟ وهل سيكون المجلس الجديد على موعد مع ساعة الحقيقة؟

بالنَّسق الأكثري أم بالنسبي، لبنان انتخب. انتخب وفق قانون لم يوضع على قياسه كوطن وكمجتمع وكتجربة اختلاطٍ وحرية اختيار وفق ضمائر المقترعين. فجاؤوا لهم بلعبة الصوت التفضيلي والحواصل التي جانبتها أعرق الديموقراطيات مثل أميركا وانكلترا وتخلّت عنها فرنسا بعدما جرّبتها مرّة. فليس في لبنان أحزاب عقائدية بل أحزاب شخصيات. والأشخاص برامجهم بسيطة وواضحة. إنهم هنا في بلدٍ صغير عريق في تجربته الإنسانية والحضارية، وبخاصة في تجارب الحريات فيه. فلماذا تقليد الآخرين والموضوع واضح؟ لماذا استحضار النسبية وهي تُـناسب بعض بلدان الأحزاب السياسية الكبرى، خدمة لفريقٍ أو شخص في بلدٍ اعتاد معظم المرشحين أن تكون لهم علاقة مباشرة مع ناخبيهم من دون عقائد وبرامج؟ فليس صحيحاً أن هنالك قانوناً عصرياً للانتخابات. هذا شعارٌ واهم. العصرنة تكون في عملية الاقتراع وتحديثها والحؤول دون التلاعب والتزوير فيها. أما قانون الانتخاب فهو يوضع وفق تكوين المجتمع. وليس هنالك أصدق من صورة لبنان للانتخاب الأكثري المُختلط، بدوائر صغرى أو متوسطة.

ف#الانتخابات النيابية في لبنان هي أعرق تجربة في الشرق. مثلها مثل الحرية. وهي ترجع إلى منتصف القرن التاسع عشر في عهد المتصرفية مع مجلس الإدارة بما فيها المناصفة. وهي انتخاباتٌ لها شوائب معروفة منها الرشوة والتضارب أمام أقلام الاقتراع، وذلك بالرغم من أن نسبةً كبيرة من المرشحين بالأمس كما اليوم هم خرّيجو الجامعات الأجنبية واللبنانية. ولكن هذا شيء والزعامات هي شيء آخر. فمنذ انتخابات 1947 المزوّرة مادياً كما يذكر التاريخ، قطع لبنان شوطاً كبيراً في تحسين الممارسة الانتخابية. ولكن الانتخابات هي جزء من كل. هي جزء من كيان سياسي في فصل السلطات وتداولها، في حرية الكلمة التي كان لها أربابٌ من رجال القانون وجرأةِ الرأي في أصداء مبنى المجلس النيابي.

وهي جزءٌ من كل من حيث يصدر القرار الأساسي في التـشريع ومراقبة عمل السلطة التنفيذية، حيث الكلام هو السيد، كما قال فؤاد شهاب في خطاب قسَم اليمين في أيلول 1958 في المجلس النيابي.

الانتخابات الأخيرة بالرغم من كل شيء، من مختلف العوامل الخارجية والداخلية، وبالرغم من الشوائب هي محطة هامة. فلبنان ليس بلد الثورات، بل إنه بلد التحوّل. وهو تحوّلَ كثيراً منذ نشأته ككيان. إنه ليس بلد العنف ولذلك لم تقم فيه أي محاولة انقلابية بخلاف ما جرى في معظم البلدان العربية. الثورة عبارةٌ غامضة تحتمل كلّ شيء. ولكن ليس من بلدٍ مُتقدم ذي ديموقراطية عريقة دعا إلى قلب الطاولة كما يُقال في الثورات. فلنشهد ولنُراهن على التحوّل المقبل.