التوازنات الجديدة في لبنان تواجه أول اختبار: انتخاب رئيس للبرلمان ونائبه

تواجه التوازنات الجديدة التي أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في وقت سابق من الشهر الجاري في لبنان، أول اختبار لها في علاقة بانتخاب رئيس جديد للبرلمان ونائبه، في ظل تعالي الأصوات المطالبة بضرورة وضع حد لولاية جديدة لنبيه بري.

وتولى بري، البالغ من العمر أربعة وثمانين عاما، على مدار ست دورات كاملة وبلا انقطاع رئاسة البرلمان، ويعد أحد أبرز أقطاب الطبقة السياسية التي ثار ضدها اللبنانيون المطالبين بالتغيير.




وتقول أوساط سياسية إن جزءا كبيرا من النواب الجدد يتطلعون إلى تغيير يبدأ برئاسة البرلمان، لكن الأمر ليس بالسهولة المطروحة؛ ذلك أن بري هو المرشح الوحيد للثنائي الشيعي الذي يمثله حزب الله وحركة أمل.

وتوضح هذه الأوساط أن عدم انتخاب بري قد يحوّل التجاذبات الحاصلة بشأنه إلى معركة طائفية لبنان في غنى عنها، كما أنه سيؤدي إلى تعطيل باقي الاستحقاقات في علاقة باختيار رئيس للوزراء وتشكيل حكومة جديدة.

وتستدرك الأوساط ذاتها قائلة إن التجديد لولاية سابعة لبري سيشكل على الجانب الآخر رسالة سلبية للقوى المتطلعة إلى التغيير في لبنان، وتشير إلى أنه من غير المرجح أن يقدم بري على التراجع عن طلب ترشحيه وطرح بديل عنه، كحل لإنهاء السجالات الدائرة حاليا.

وتلفت هذه الأوساط إلى أن حزب الله نفسه سيرفض المضيّ في هذا الخيار حيث يعتبر أن وجود بري في رئاسة البرلمان يمثل نقطة قوة لصالحه في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها، والتي من المتوقع أن تزداد وطأتها بعد التحولات التي طرأت على المشهد البرلماني.

وأكدت عدة قوى فائزة في الانتخابات، مثل حزب القوات اللبنانية، على عدم نيتها التصويت لبري. وقال رئيس حزب القوات سمير جعجع الأحد “إننا أمام مواجهة كبيرة لإخراج لبنان مما يتخبط فيه والخطوة الأولى تبدأ مع انتخابات رئاسة المجلس النيابي”.

وجدد التأكيد على “أن حزبه لن ينتخب الرئيس نبيه بري، والأنظار متجهة نحو تعاطي رئيس تيار الخداع والغش في هذا الشأن الذي لطالما كرر أن الرئيس بري وجماعته ‘ما خلوه يشتغل’ وأنهم فاسدون و’بلطجية’”.

ودعا جعجع خلال مهرجان احتفالي في جزين المجموعات المعارضة، من أفراد ومستقلين ومجموعات صغيرة وأحزاب، إلى ضرورة التنسيق بغية إيجاد الطريقة الملائمة لتفعيل المعارضة بعد أن أصبحت لديها الأكثرية في المجلس النيابي.

وأفرزت نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في الخامس عشر من مايو الجاري واقعا برلمانيا جديدا في لبنان، وفي ظل وجود ثلاثة تكتلات سياسية ونواب آخرين مستقلين فإن “الأغلبية البرلمانية” لم تعد محصورة بيد فريق سياسي معين ألا وهو فريق حزب الله، إنما بات الثقل موزعاً في عدة اتجاهات.

ويرى مراقبون أن تشتت القوى المطالبة بالتغيير من شأنه أن يخدم حزب الله في الإمساك مجددا بمفاصل العملية السياسية في البلاد، في ظل حديث عن محاولات الحزب وحليفته حركة أمل لكسب عدد من المستقلين إلى جانبه.

ويشير المراقبون إلى أنه رغم إعلان نحو عشرة مستقلين والقوات عن عدم نيّتهم انتخاب بري لرئاسة البرلمان، يبقى ذلك غير كاف؛ فحتى لو توفرت الأكثرية النيابية المعارضة لتولي بري رئاسة البرلمان، فإن الأخير وحزب الله لن يخضعا لهذا الأمر خصوصا وأنهما يسيطران على كل مقاعد الطائفة الشيعية.

وتوضح دانيا قليلات الخطيب، الباحثة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية ببيروت، في تصريحات لموقع “صوت أميركا” أن “جميع النواب الشيعة في البرلمان يتبعون حركة أمل أو حزب الله، لذلك من الصعب أن يكون رئيس للبرلمان نائبا شيعيا مستقلا”.

وتضيف الخطيب أن “من الممكن أن يحفظ بري ماء وجه ويعلن أنه سيتقاعد ويقترح أحد رجاله يمكنه التحكم بنسبة مئة في المئة ليكون رئيسا للبرلمان”.

لكن كثيرين يرون أن بري كما حزب الله لن يقبلا حتى بهذا الحل الوسط لأنهما سيعتبران هذه الخطوة تنازلا قد يجر معه تنازلات أخرى وأشد إيلاما، مشيرين إلى أن الطرفين سيكثفان جهودهما لضمان تأييد وإن كان بنسبة ضعيفة.

ويلفت هؤلاء إلى نقطة وهي أن البعض من القوى، ومن بينها قوى حليفة لحزب لله على غرار التيار الوطني الحر، تعمد إلى ابتزاز الثنائي الشيعي لفرض نائب لرئيس البرلمان من صفوفها.

وكان رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل صرح مؤخرا في كلمة له أمام أنصاره “ماذا يمنع (ما المانع من) أن يكون هناك مرشحون آخرون لرئاسة مجلس النواب؟ ومن يفكر أن يقايضنا بين رئاسة المجلس ونائب الرئيس غلطان ومسترخصنا (مخطئ ويحطّ من شأننا)”.

وأثارت تصريحات باسيل وتلميحاته غضب حركة أمل، وسارع معاون بري النائب علي حسن خليل إلى الرد قائلا “تضخم باسيل فتوهم أمام الجمهور أن هناك من يفاوضه ليضع دفتر شروط، واسترسل في تكرار لمعزوفات تعوّد عليها اللبنانيون للهروب من مسؤولياته”.

وأشار خليل إلى “أننا بكل فخر رشحنا ككتلة رئيس مجلس النواب نبيه بري لرئاسة المجلس، ولم نفاوض أو نطلب من أحد، وبالتأكيد ليس من باسيل، أن نبادله الأصوات مع أي موقع، ونعتز بتجربة القيادة المجلسية التي وضعت هذه السلطة ودورها في موقعها الحقيقي متعاونة مع السلطات كما ينص الدستور”.

وتابع “أما ما يحاول أن يضعه من شروط، فالأمر مردود إليه وهو يحاول أن يوهم اللبنانيين بأننا من عطلنا التدقيق الجنائي، الذي كان لبري شرف أن يعمل على إقرار أربعة قوانين تتعلق به وبرفع السرية المصرفية، وكيف عطل فريقه لمرات إقرار الكابيتال كونترول، وأوقف التشكيلات القضائية، ولم ينفذ أيا من قوانين مكافحة الفساد وغيرها الكثير مما أوقع البلاد في المصيبة التي نعيش، وأما تطوير النظام واللامركزية فالجميع سمع الموقف الثابت لبري يوم الثلاثاء الماضي”.

ويرى مراقبون أن السجال الدائر بين التيار الوطني الحر وحركة أمل لا يعدو كونه مجرد مزايدات سيسعى حزب الله لاحتوائها، مرجحين أن يعمد التيار إلى ترك حرية التصويت لنوابه بشأن رئاسة البرلمان، حيث أن الأخير يرى أنه في حاجة ماسة إلى دعم الثنائي.

النظام السياسي اللبناني يقوم على أساس اقتسام السلطات والمناصب السيادية وفقا للانتماءات الدينية والطائفية

في المقابل، فإن التحدي الأكبر أمام بري وحزب الله يكمن في الجانب الآخر أي حزب القوات وباقي الطيف المعارض، ومدى قدرتهم على الذهاب إلى أقصى مدى بشأن مواجهة المنظومة القائمة وأحد تمثلاتها وهو رئاسة البرلمان.

ويتألف البرلمان من 128 نائبا، وتتوزع مقاعده بواقع 28 للسنة و28 للشيعة و8 للدروز و34 للموارنة و14 للأرثوذكس و8 للكاثوليك و5 للأرمن ومقعديْن للعلويين ومقعد واحد للأقليات داخل الطائفة المسيحية.

ويقوم النظام السياسي اللبناني على أساس اقتسام السلطات والمناصب السيادية وفقا للانتماءات الدينية والطائفية.

وكرّس اتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) معادلة اقتسام السلطة والمناصب الرئيسية على أساس المحاصصات بين المكونات الأساسية الثلاثة: المسيحيين والسنة والشيعة.

ويعاني لبنان منذ نحو عامين ونصف العام أزمة اقتصادية حادة تعد الأسوأ في تاريخه، حيث أدت إلى انهيار مالي ومعيشي وشح في الوقود والأدوية وسلع أساسية أخرى.