سلاح حزب الله وبري وحكومة أكثرية أول أهداف جعجع

يدخل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع المرحلة الجديدة بقوة، فهو صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان، والرجل المسيحي الأول بعدما نجح في هزيمة التيار الوطني الحر بزعامة الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل.

ويضع جعجع ضمن أولوياته سلاح حزب الله وضرورة أن يستعيد الجيش اللبناني دوره، ومنصب رئيس البرلمان الذي استمر فيه نبيه بري لثلاثين عاما، وكذلك العلاقات مع دول الخليج، وهو الذي يصنف كقريب من السعودية التي قد تكون راهنت عليه، بعد فشل رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في أن يملأ مكانه، كخصم فعال في وجه حزب الله.




وقال جعجع في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية من مقره في معراب، شمال شرق بيروت، إن حزبه يعتزم العمل على أن “نعيد القرار الاستراتيجي كله إلى الدولة اللبنانية، ولا يعود لأحد الحق أن يتخطى سقف الدولة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وأن يكون القرار الأمني والعسكري بيد الجيش اللبناني”.

وأضاف “لا يمكن لأحد أن يُقدم على حرب 12 تموز” جديدة (حرب يوليو 2006) أو أن “ينقل صواريخ من مكان إلى آخر إلا بموافقة الجيش اللبناني ومعرفته”، في إشارة إلى حزب الله، القوة العسكرية الوحيدة التي تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة غير القوى الشرعية اللبنانية.

“لا يمكن لأحد أن يُقدم على حرب 12 تموز” جديدة أو أن “ينقل صواريخ من مكان إلى آخر إلا بموافقة الجيش اللبناني ومعرفته”

ويدافع حزب الله المدعوم من طهران، عن سلاحه، ويقول إنه لمواجهة إسرائيل التي خاض معها صيف 2006 حرباً مدمرة. لكن خصومه يتهمونه باستخدامه “للترهيب في الداخل” والتحكّم بقرار السلم والحرب في البلاد، والتدخل في نزاعات في المنطقة، ما عكّر صفو علاقات لبنان الخارجية خصوصاً مع دول الخليج، التي كانت تعد من أبرز داعمي لبنان.

وأوضح جعجع الذي يعدّ من أشدّ خصوم حزب الله وارتكزت حملته الانتخابية على شعارات مناوئة لسلاحه “لم يعد هناك من سلاح في الداخل، بل هناك عملية سياسية” تجلّت عبر الانتخابات، مشدداً على أنه “ليس مسموحا لأحد أن يستخدم سلاحه في الداخل”.

ومن المتوقع أن تفضي التغييرات على مستوى التوازن داخل مجلس النواب إلى إحياء الدعم الدولي للجيش اللبناني، وهو الدعم الذي ساد حراك بشأنه خلال السنة الماضية قبل أن تهدأ الأمور بسبب الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد.

وتلقى فكرة دعم الجيش للعب دور أكثر فاعلية على الساحة اهتماما سعودية وفرنسيا وأميركيا. لكنها ظلت في حدود الدعم اللوجستي خاصة ما تعلق بتحسين الأوضاع المعيشية للجنود، دون أن تمر تلك التعهدات إلى دعم بالأسلحة. كما أنها تأتي في صيغة فضفاضة مقابل التوقيع الذي تم الجمعة بين وزير الدفاع اللبناني موريس سليم والسفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا بخصوص التعاون في المجال العسكري.

وأكد الجانب الأميركي “مواصلة دعم الجيش”، منوهاً بـ”الكفاءة العالية التي يتمتع بها، والدور الذي يقوم به في حفظ الأمن والاستقرار وحماية الحدود”.

وقال جعجع إن ترجمة المسار الجديد تبدأ بانتخاب رئيس للبرلمان يساعد على إتمام المهمة و”يحافظ على الكيان وعلى الدولة اللبنانية”.

وأضاف “لا يمكننا انتخاب الرئيس (نبيه) بري على الإطلاق لأنه (جزء) من الفريق الآخر”.

وبري الذي يشغل منصبه منذ العام 1992 هو الحليف الوثيق لحزب الله. ورغم تلويح كتل عدّة بعدم تأييد ترشيحه، إلا أن محللين يرجحون إعادة انتخابه كونه المرشح الوحيد مع احتفاظ حزب الله وحركة أمل بكافة المقاعد المخصصة للطائفة الشيعية في بلد تعود فيه رئاسة البرلمان إلى شيعي.

ويضمّ البرلمان الجديد عملياً كتلاً غير متجانسة لا يحظى أي منها بأكثرية مطلقة، بعد فوز 13 نائباً من الوجوه التي أفرزتها التحركات الاحتجاجية التي شهدها لبنان لأشهر بدءاً من السابع عشر من أكتوبر 2019، والتي تعرف بـ”انتفاضة 17 تشرين”.

وتقود القوات اللبنانية، وهي من الأحزاب المسيحية التي شاركت في الحرب الأهلية، كتلة وازنة من 19 نائباً، بينهم نائب حليف.

ويعوّل حزب القوات على تحالف عريض مع قوى أخرى تقليدية معارضة بشدة لسلاح حزب الله على غرار حزب الكتائب (أربعة نواب) والحزب التقدمي الاشتراكي (تسعة نواب) وكتلة النائب أشرف ريفي (نائبان) ونواب آخرين. كذلك يجري الحزب، وفق جعجع، “اتصالات مكثفة” مع كافة النواب الذين انبثقوا عن “انتفاضة 17 تشرين”، “لمعرفة الأطر الأفضل لتنسيق المواقف”.

وقال “نحن متفقون على الأقل على قيام دولة لبنانية فعلية.. بعيداً عن كل فساد وعن كل زبائنية ومحاصصة ومصلحة خاصة”.

وفي ما يتعلّق بصيغة الحكومة المقبلة، رفض جعجع تشكيل حكومة “وحدة وطنية”، وهي تسمية تطلق على الحكومات التي تتمثل فيها كافة القوى السياسية الرئيسية وغالباً ما يتسم عملها بالشلل جراء تباين الآراء وتعطيل اتخاذ القرارات.

وقال “ما يسمونه بحكومات الوحدة الوطنية وهم (..) نحن مع حكومة أكثرية فاعلة”، تضمّ “فريق عمل متراصا ومتفقاً على مشروع واحد”.

ويتهم اللبنانيون الحكومات المتعاقبة بالفشل في إدارة الأزمات المتلاحقة بسبب الانقسامات السياسية الحادة وتغليب منطق المحاصصة والصفقات على بناء دولة مؤسسات وإجراء إصلاحات بنيوية.

ويشهد لبنان منذ أكثر من عامين انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، بات معه أكثر من 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر مع تردي الأوضاع المعيشية وفقدان الليرة أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وتراجع قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية من كهرباء وطبابة وسواهما.

وقال جعجع الذي تربط حزبه صلات وثيقة بالسعودية “إذا تشكلت حكومة توحي بالثقة والمصداقية ولديها توجهات واضحة ومشروع سياسي واضح وأظهرت من الشهر الأول أو الثاني جدية في التعاطي، فمن شبه المؤكد ستعود العلاقات العربية إلى ما كانت عليه في السابق، وستتدفق المساعدات العربية تدريجيا إلى لبنان”.

وشدد على أن تشكيل حكومة مماثلة “يسرّع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي” الذي يعد الاتفاق معه “المدخل الأساسي” لوقف الانهيار.

ويعوّل لبنان الذي توصل إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد على خطة مساعدة بقيمة 3 مليارات دولار على أربع سنوات، لم تُصدّق بعد، على دول الخليج من أجل تقديم مساعدات مالية تساهم في انتشال لبنان من أزمته.

ويشترط صندوق النقد على لبنان تنفيذ إصلاحات مسبقة تتعلّق بالميزانية العامة وهيكلة القطاع المصرفي والمالي. وأقرت الحكومة اللبنانية في جلستها الأخيرة الجمعة خطة التعافي المالي التي يتعين على البرلمان الجديد إقرارها، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد.