«الحزب» هادئاً يستوعب الصدمة

طوني عيسى – الجمهورية

والآن، إلى السؤال الأساسي: أي لبنان سيكون في السنوات الـ4 المقبلة، تحت ولاية المجلس النيابي الجديد، وفي ظلّ التوازن الدقيق الذي ارتسم في الانتخابات بين محورين متنازعين: مع إيران أو ضدّ إيران؟




هناك رسالتان بادر الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله إلى توجيههما سريعاً:

1- حاول القول إنّ «الحزب» لم يخسر من قاعدته الشعبية، وأنّ التوازنات في ظلّ هذا القانون تحدِّدها الأصوات لا المقاعد. وانتقد طريقة توزيع المقاعد على الدوائر، ليصل إلى استنتاج أنّ المجلس بات مكوَّناً من «كتل ومستقلين، ولا أكثرية لأحد»، و»قد تكون المصلحة في لبنان هي عدم حصول فريق معيّن على أكثرية نيابية».

2- استتباعاً، طالب بـ»التهدئة» والتوجّه إلى معالجة الأزمات الاجتماعية «بالشراكة، وبمعزل عن الخصومة»، والبحث عن نقاط «الاتفاق والتعاون».

في هاتين الرسالتين، واضح أنّ خطة «الحزب» للمرحلة المقبلة سترتكز إلى الآتي: التهدئة سياسياً وإعلامياً لاستيعاب صدمة الانتخابات، في موازاة رفض الاعتراف بخسارة الغالبية، ثم السعي إلى تحصينها باجتذاب المستقلّين، والتمسّك بـ«الشراكة» في الحكم، تحت طائلة غرق البلد في أزمات مفتوحة.

هذا الهدوء في خطاب نصرالله يذكِّر بذاك الذي تميَّز به خطابه بعد انسحاب سوريا في ربيع 2005. آنذاك، خفّض السقف إلى حدّ إبداء الاستعداد للنقاش في مسألة السلاح. ولكن، بعد حرب تموز 2006، باشر «الحزب» عملية صعود كبيرة، تجلَّت بالاعتصام في وسط بيروت، ثم نفَّذ عملية 7 أيار 2008، ووصل في العام 2011 إلى إحداث ما سمّاه بعض القريبين منه «انقلاباً على الانقلاب».

في الموازاة، كانت قوى 14 آذار تحصل على الغالبية في انتخابات 2005 ثم انتخابات 2009. وقد ذكَّر نصرالله بذلك في كلامه الأخير. ولكن، في المرتين لم يكتمل الانتصار بتثميره سياسياً، أي بحلّ المأزق الأساسي الداخلي، أي استعادة الدولة سلطتها على أرضها وبناء مؤسسات قوية، وإعادة لبنان إلى تموضعه داخل المنظومة الإقليمية.

كثيرون يقولون إنّ قوى 14 آذار مسؤولة بمقدار معيَّن عن خسارة الفرصة في تلك المرحلة. وهذا الكلام يُسمَع في بعض الأوساط الدولية التي كانت داعمة لهذا الفريق آنذاك، إذ تُوجِّه إليها اللوم لقبولها منطق المساومة مجدداً مع «الحزب».

لكن آخرين يقولون إنّ في هذا المنطق ظلماً وتبسيطاً غير مقبول. فقوى 14 آذار تعرّضت لضغوط هائلة آنذاك، أبرزها التصفيات الدموية التي طاولت عدداً من أركانها. كما أنّها لم تكن تريد المخاطرة باندلاع حرب أهلية. وفي أي حال، على الأرض، ستكون المواجهة مختلَّة التوازن بين فريق مدجَّج بأشرس الأسلحة وآخرين لا يملكونها.

اليوم، بعد 13 عاماً، حصلت القوى التي ترفع لواء الدولة والمؤسسات والقانون على الغالبية النيابية مجدداً، مبدئياً، أي انّ الفرصة أُتيحت لهم مجدداً لكي يحاولوا تحقيق التغيير المنشود. وإذ بدا واضحاً من كلام نصرالله أنّ «الحزب» سيستخدم النهج الذي اعتمده في العام 2005، والقاضي بمزيج من الاستيعاب والمواجهة، فإنّ قوى التغيير تقف هي الأخرى أمام التحدّي: هل توحِّد خياراتها في المجلس، وأي نهج ستختار؟

وفي الترجمة السياسية، هل إنّ القوى التي حقَّقت انتصاراً في المجلس النيابي ستتشبث برفض «المشاركة» على الطريقة التي يدعو إليها «الحزب»، والتي ستقود واقعياً إلى التمديد للواقع القائم من دون أي تغيير؟ وهل تضع هذه القوى الخطط «أ» و»ب» و»ج» لما سيكون إذا رفضت هذه الدعوة؟ وما مقدار الدعم العربي والدولي الذي ستحصل عليه، إذا اندلعت المواجهة مع إيران وحلفائها؟

ستبدأ العلامات بالظهور بدءاً من يوم غد: انتخاب رئيس للمجلس، ثم تسمية رئيس الحكومة وتشكيلها، ثم انتخاب رئيس للجمهورية. وفي هذا «الكباش» ستتبلور الاتجاهات داخل المحورين السياسيين الكبيرين والقوى المصنّفة «مستقلة».

بعض المحللين يخشى أن تكون المرحلة ملتهبة بكل المقاييس، إذ تشهد تصاعداً للأزمات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، لأنّ الانهيارات ربما تُستخدم سلاحاً في المواجهة.

وهذا الاحتمال يضع لبنان في تشابه جديد مع السيناريو العراقي، حيث المعارضون لطهران فازوا بالغالبية في المجلس النيابي في الخريف الفائت، لكن حلفاءها ردّوا بخلق أمة مفتوحة منذ ذلك الحين، فعطّلوا تشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للجمهورية.

وفي بغداد يُطرح اليوم حلّ المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة، لعلّ ذلك يُنهي الأزمة. لكن الأمر يحتاج إلى الغالبية المطلقة داخل المجلس، وهي ليست متوافرة. ويُنذر الوضع في العراق بانفجار سياسي واجتماعي.

إذاً، الآن، إلى أين في لبنان؟

ربما سينتظر الجميع «الضوء الأخضر» الإقليمي والدولي ليحدّدوا الاتجاه، انفراجاً أو انفجاراً. لكن المعطيات القائمة حالياً لا تشجِّع، من حرب أوكرانيا وتداعياتها الأوروبية المتزايدة، إلى جمود مفاوضات فيينا حول الملف الإيراني، والركود في محادثات بغداد بين الإيرانيين والسعوديين.

ولذلك، سيكون خطراً أن يراهن محورا النزاع في لبنان على انتظارات خارجية في هذه المرحلة الحسّاسة، لأنّها قد تقود إلى المجهول. وسيكون على اللبنانيين أن «يدبّروا راسهم» وسريعاً، والذهاب فوراً إلى حوار حقيقي وحاسم حول كل شيء. وفي الحوار يتمّ إنتاج حلول، لا صفقات ومقايضات حول الحصص والمصالح.

هذا يقتضي في الدرجة الأولى أن تتواضع قوى السلطة الحالية وتعترف بالتسوية المشرِّفة والدائمة، وأن لا تراهن مجدداً على الخداع والقمع، كما فعلت منذ آذار 2005 إلى 17 تشرين الأول 2019 وما زالت. فالأزمات الداهمة مصيرية، وهي أخطر مما يمكن تصوُّره.