شيرين أبو عاقلة… فلسطين – محمد كريشان – القدس العربي

لن أرثي شيرين أبو عاقلة إذ لم يبق شيء لم يقل، لن أرثيها فحتى الدموع صارت عصيّة رافضة أن تصدّق.

لن أرثيها لأنه لم يبق من المفردات ما لم يُكرّر.. كيف لا ومن رثوها لم يكونوا فقط زملاءها من نفس المؤسسة، في فلسطين والدوحة ومختلف العواصم العالمية، وزملاءها في كل أرجاء المعمورة من أصقاع وجنسيات وأعراق مختلفة، بل كذلك شخصيات سياسية وعامة من كل الدنيا أعربت عن إدانتها أو استنكارها أو حزنها لحادثة الاغتيال وتصرفات قوات الاحتلال التي أعقبت ذلك.




لا كلمات تقال كذلك لوصف وضاعة الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يكتف باغتيال صحافية، دون أدنى مبرر مهما كان، بل تجرّأ كذلك على موكب تشييعها في القدس المحتلة مقتحما أيضا المستشفى الذي خرجت منه، في أحقر مشهد ممكن أن تراه عين. لقد أرادت إسرائيل أن تقول للعالم كله إنها دولة فوق القانون لا أحد قادرا على محاسبتها، حتى أن الرئيس الأمريكي ادعى أنه لم ير تلك اللقطات الشنيعة حتى لا يدينها، وكأنها أرادت أيضا أن تقول لكل الدول العربية التي زعمت أن التطبيع معها هو بهدف الدفع بعملية السلام، غير الموجودة أصلا، إن من تغيّر فعلا هي هذه الدول العربية، أما تغيّرها هي فمجرد وهم.

ما يعزي الجميع، فلسطينيين وعربا وأجانب من كل أنحاء العالم، سواء من أهل المهنة أو من أوساط الرأي العام المختلفة، هو هذا التعاطف الدولي غير المسبوق الذي جمع بين الحب الشديد للراحلة، إنسانة وصحافية، والاستنكار لجريمة الاحتلال، إن في اغتيالها الغادر أو في الاعتداء الهمجي على موكب تشييعها. ولكل ما سبق كتب الصحافي الفلسطيني معن البيّاري أنه ستكون إساءةً بالغةً إلى روح شيرين أن يمرّ هذا التضامن الدولي الوفير مع عائلتها، ومع الأسرة الإعلامية الفلسطينية، وكذلك الشجب العالمي لجريمة اغتيالها، من دون البناء عليه، معتبرا ما جرى «لحظة نادرة وخاصة، يجوز الزعم أنها كونية، سيصيرُ بؤسا فلسطينيا على بؤسٍ مقيمٍ إن ضاعت، بافتراض أنها محض حالةٍ عاطفيةٍ عابرة».

ولعل من أبرز الأسس التي يمكن البناء عليها:

أولا: شيرين أعادت قضية الاحتلال الإسرائيلي إلى الواجهة، وفي أقبح صوره مباشرة إثر استباحاته المتكررة للمسجد الأقصى، بعد أن تراءى للبعض أنه توارى في الأشهر والسنوات القليلة الماضية حتى ظنت بعض الدول العربية أن من مصلحتها أن ترتب أمورها معه وتتعاون وكأن هذا الاحتلال «لم يعد ذا قيمة «أو «تجاوزته الأحداث».

ثانيا: شيرين دفعت عاليا موجة التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية كما لم يحدث بمثل هذا الألق منذ سنوات طويلة. لقد جعلتها قريبة من تلك التي كانت في السنوات القليلة التي سبقت نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا بداية تسعينيات القرن الماضي. ها هي الأصوات تتعالى الآن في كل مكان لتصرخ أنها ضاقت ذرعا من استمرار الاستهتار الإسرائيلي بكل القرارات الدولية التي تطالب بوضع حد لاحتلال لا يريد الرحيل مستقويا بالغطاء الأمريكي.

ثالثا: شيرين أعادت، بجنازتها المهيبة، الوهج إلى القدس المحتلة عاصمة لدولة فلسطين كما لم تبد من قبل فقد أخرجت قصتها مما يبدو وكأنه صراع على الأماكن المقدسة، على أهميته الكبرى طبعا، لتجعله في دائرة وطنية أوسع، هي مقاومة الاحتلال، فجمعت كل الفلسطينيين لفضح زيف الادعاء الإسرائيلي بأن المدينة استقرت نهائيا «عاصمة إسرائيل الأبدية» مما يجهز تماما على صفقة ترامب التي ظنت أنها طوت قضية القدس وكرّست الأمر الواقع.

رابعا: شيرين أظهرت الوحدة الفلسطينية كما لم تبد من قبل، ففي الحزن اشترك الجميع وكذلك في تشييعها، لا فصائل تفرقها ولا أديان ولا مذاهب. لم يرفع سوى العلم الفلسطيني الذي لم تُحسب الراحلة طوال حياتها سوى عليه، ونجحت في أن تكون شهيدة المسلمين والمسيحيين معا وفي أن توحّد كل الطوائف المسيحية حولها فقرعت كل الكنائس أجراسها في وقت واحد، كما لم تفعل من قبل لعقود طويلة بشهادة من يعرفون ذلك جيدا.

قلت لصديقي: إحساس ما يراودني بأن تداعيات اغتيال شيرين قد يتحول إلى بداية نهاية الاحتلال الإسرائيلي كما تحوّل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 إلى بداية الانسحاب السوري من لبنان..

أجاب مستغربا: هل أنت جاد؟!!

فرددت: لم أقل سوى أنه مجرد إحساس ولم أزعم أنه استقراء للمستقبل مدعوم ومسنود بقراءة سياسية رصينة.

تقول شيرين إنها قد لا تكون غيّرت الواقع بتقاريرها الميدانية حول أوجه كثيرة من المعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال، لكنها على الأقل حاولت إيصال صورة ما يجرى على الأرض إلى العالم. هذا صحيح، لكنها اليوم نجحت وبامتياز، برحيلها الدرامي، في أن تفعل ذلك حقا بل وفي أن تجعل من قصة هذا الرحيل أبلغ ما كانت أوصلته في هذا المضمار.

هذا زخم يجب ألا يسمح، السياسيون بالدرجة الأولى، بأن يضيع. رحمة الله عليها.