طرابلس: سقوط حليف الأسد السنّي والزعامات التقليدية معاً

جنى الدهيبي – المدن

العنوان السياسي الأبرز لنتائج انتخابات دائرة الشمال الثانية، هو سقوط فيصل عمر كرامي، كأبرز شخصية سنية شمالية من بيت سياسي له تاريخه. يمكن وصف خسارة كرامي بالضربة القاضية التي لم يتوقعها لنفسه. وها هو يلوح بتقديم الطعن ويشكك بنزاهة النتائج، بعد أن استمرت عمليات الفرز في سرايا طرابلس حتى فجر الثلثاء، وبعد أن نام فائزًا بالقوة، محتفلًا بنصره على مرشح عادي يقارعه على المقعد هو النائب الفائز رامي فنج.




سقوط حليف الأسد
استيقظ كرامي على هزيمته التي يرفض الاعتراف بها، ويرفض أن تحصد لائحته حاصلين ذهبا لصالح حليفيه النائبين طه ناجي (أحباش) وجهاد الصمد في الضنية، من دون أن يطاله حاصل ثالث. لكن لصدمة كرامي أسبابها الطبيعية، رغم أن هزيمته شكلت احتفاءً غير مسبوق لدى كثيرين في طرابلس. فهذا الرجل الذي تقوقع سياسيًا في طرابلس كحارس لبيت عائلته، مستندةً إلى قوة علاقته مع رئيس النظام السوري بشار الأسد وحزب الله، لم يحسب أن تنقلب نتائج الانتخابات عليه، بعد أن ظن أنه من “سنة الممانعة” المحظيين، و”المحظوظين” بانسحاب تيار المستقبل من المشهد الانتخابي. حتى كادت طموحاته تصل إلى تمنيه طرح حزب الله اسمه كمرشح لرئاسة حكومة لبنان -قبل أن تتبدد أحلام الأكثرية البرلمانية – لكنه عجز عن الحفاظ على مقعد برلماني.

وعمليًا، تضاف خسارة كرامي إلى سجل حزب الله الانتخابي. لكنها قبل أي شي هي سقوط مدوٍ للخيار السوري في طرابلس، رغم كل الحشد الذي رعاه الحزب العربي الديمقراطي لصبّ الأصوات العلوية لصالح كرامي، ورغم كل تباهي كرامي بصداقته مع الأسد ودعمه السياسي وزياراته له. لكن، وكما تحدثت “المدن” في تقرير سابق، تأكد أن المزاج الشعبي في جبل محسن لم يعد رهن إشارة النظام السوري، بل ثمة تحولات كثيرة طرأت على بيئته.

ومع ذلك، ثمة عوامل أخرى تضاف إلى أسباب خسارة كرامي الذي حصد 6494 صوتًا تفضليًا، وهو أقل من الأصوات التفضيلية التي حصدها كل من النائبين الفائزين الصمد (7824 صوتاً) وناجي (7407 صوتاً). فكرامي حسب المعطيات، لم يستفد كثيرًا من الأصوات خارج ماكينته الانتخابية، وبيئته، ولم تفِ عدد من الشخصيات بوعودها له بصب الكثير من الأصوات التفضيلية لصالحه، ما حال دون نيل اللائحة ثلاثة حواصل.

تداعيات أخرى
وواقع الحال، جاءت نتائج الانتخابات في دائرة الشمال الثانية، التي لم تتخطَ فيها نسبة التصويت فيها 35%، كالآتي إلى جانب النائبين ناجي والصمد:

عن لائحة “انقاذ وطن”: وهي تحالف أشرف ريفي مع القوات. فاز كل من ريفي بأعلى نسبة أصوات تفضيلية في طرابلس إذ حصد 11593، ونائب القوات عن المقعد الماروني إلياس الخوري نال 3426 صوتًا تفضليًا، ويليه النائب جميل عبود عن المقعد الأورثوذكسي، فاز فقط بـ 79 صوتًا تفضيلًا، لكنه استفاد من حاصل اللائحة التي وفرتها أصوات ريفي.

وعن لائحة “للناس”: التي شكلت تحالف مصطفى علوش وسامي فتفت، ومن دون أن ينجحا، فاز كل من أحمد الخير عن المقعد السني في المنية بـ6100 صوت تفضيلي. وعبد العزيز الصمد عن المقعد الثاني في الضنية بـ9151، أي أكثر من الأصوات التفضيلية التي حصدها النائب جهاد صمد، وكذلك أكثر من أصوات النائب السابق سامي فتفت الذي نال 5790 صوتاً تفضيلياً.

ومن لائحة “التغيير الحقيقي”: التي شكلها تحالف المتمول النائب إيهاب مطر مع الجماعة الإسلامية، فاز كل من مطر بـ6518 صوتًا تفضيليًا، وفراس السلوم عن المقعد العلوي بـ370 صوتاً تفضيلياً فقط.

في حين فاز من لائحة “انتفض للسيادة والعدالة”: النائب رامي فنج، وهو من المحسوبين على قوى التغيير، بـ5009 أصوات تفضيلية.

أما لائحة “للناس”: التي شكلت تحالف الرئيس نجيب ميقاتي مع عبد الكريم محمد كبارة، فلم يفز منها أي مرشح محسوب على ميقاتي، نظرًا لعدم دعمه لهم، وفاز فقط كبارة بـ5023 صوتًا تفضيليًا.

وعليه، فإن نواب دائرة الشمال الثانية هم: عن طرابلس كل من ريفي وكبارة ومطر وفنج وناجي (سنة)، الخوي (ماروني) عبود (علوي). وعن الضنية كل من جهاد الصمد وعبد العزيز الصمد. وعن المنية الخير.

لكن ما الدلالات السياسية لهذه النتائج؟
ثمة عوامل كثيرة أدت إلى هذه النتائج في الشمال الثانية، التي شكلت مفاجأة لكثيرين، لكنها تندرج بالسياق الطبيعي لترك طرابلس ومحيطها بلا أي خطاب سياسي معارض وموجه، يوازي الدوائر الانتخابية الأخرى أولًا. ولأن سلوك القيادات السياسية في طرابلس، حالت إلى هذا التمثيل الذي يغيب عنه أي انعكاس للمرجعية السياسية الواضحة.

ولعل الانتصار الوحيد بالنسبة لشريحة من أهالي طرابلس، كان فوز رامي فنج المنبثق من نسيج أهلها، وتمكنه بأصوات المقيمين والمغتربين أن يسقط كرامي.

لكن فوز إيهاب مطر مثلًا، والذي كان يحمل شعار “التغيير الحقيقي” فهو المفاجئ بالمعنى السياسي في طرابلس. فهذا الرجل عمليًا، لم يسمع عنه أحد أي خطاب سياسي ولا رؤية ولا برنامج ولا مواقف واضحة من القضايا الملحة. هو فقط عبارة عن آتٍ من الاغتراب ومتمول كبير لا يعلم أحد مصادر ثروته، أغدق مئات آلاف الدولارت في حملته الانتخابية لشراء أكبر عدد من الأصوات، واشترى ماكينة النائب السابق محمد الصفدي للاستفادة من خبرتها.

وعليه، يكون إيهاب مطر “النائب الاختراع”، الذي سقط على المدينة فجأة، وتمكن حتى من انتزاع المقعد العلوي مقابل سقوط أمين عام الجماعة الإسلامية عزام الأيوبي، رغم حصده على لائحته 4569 صوتًا وتفضيليًا. وهو، أي مطر، بلا لون سياسي، قد يردد لاحقًا شعارات السيادة، لكن يصعب حتى اللحظة حسبانه على أي من القوى البرلمانية، لا التقليدية ولا التغييرية.

كذلك شكل فوز نائب الأحباش طه ناجي تطورًا في طرابلس، بما يعنيه تمثيله السياسي كحليف لحزب الله وكذلك العقائدي والإيديولوجي. غير أن ناجي وحسب رصد “المدن” اشترى عددًا هائلًا من الأصوات التفضيلية، نظرًا لعدم قدرته على الاكتفاء بأصوات الأحباش أنفسهم في طرابلس. فقدم الأموال مقابل كل صوت بمعدل تراوح بين مليون ومليونين ليرة، ناهيك عن المساعدات العينية وغيرها.

ومثله فعله كل نواب طرابلس، باستثناء النائب فنج، الذي لم يلجأ للعبة شراء الأصوات، أقله وفق الرصد الأولي.

وفي الواقع، كان واضحًا الضياع الكبير الذي عاشه أهل طرابلس في هذه الانتخابات، وهم سجلوا أدنى نسبة اقتراع في لبنان. فلا يوجد الحريري ولا ميقاتي. كما لا يريد أهل المدينة 8 آذار، ولا يعرفون أي لائحة من المجتمع المدني يختارون ولا الشخصيات الطارئة حديثًا.

ومعظم من انتخب في طرابلس ومحيطها، وفق المعطيات الأولية، توجه بناء على شغل الماكينات الانتخابية، وتترتب بحسب القوة كالآتي: ماكينة القوات، ثم ماكينة ايهاب مطر، ثم ماكينة الأحباش، ثم الجماعة الاسلامية، ثم كبارة وكذلك كرامي.

أما الماكينة التي كانت شبه معطلة، فهي ماكينة الرئيس نجيب ميقاتي. وذلك نظرًا لعوامل كثيرة أدت لتراجع ميقاتي عن دعم لائحته، أولها أنه لا يريد إثارة غضب قوى عربية إقليمية تريد تقدم حزب القوات وحلفائه، وثانيها، أنه لا يرغب باستفزاز حزب الله عبر دعم لائحة تعيق تقدم حلفائه شمالًا.

لكن، يرى كثيرون أن نتائج انتخابات الشمال الثانية، ألحقت ضررًا سياسيًا كبيرًا بميقاتي، ليس لكونه لم يدعم أحدًا من مرشحيه، بل لأنها شكلت خطرًا على دوره السياسي. إذ أعلن ريفي رفضه تسمية ميقاتي لرئاسة الحكومة، ومثل قد تفعل القوات اللبنانية، وكثير من الأطراف المؤثرة بالمشهد اللبناني.