“القوات” عبّرت عن المزاج المسيحي: رأس حربة في وجه الحزب

سابين عويس – النهار

قالت الصناديق كلمتها رغم كل محاولات تزييف نتائجها وتغييرها لمصلحة ابقاء القديم على قدمه، على مستوى الاكثرية، كما على مستوى الحجم التمثيلي للقوى السياسية، منعاً لتغيير قواعد اللعبة وموازين القوى القائمة. ورغم المحاولات البائسة في هذا المجال، كان من الصعب جداً إخفاء بعض الوقائع الدامغة التي شكلت مفاجآت سيكون لها دلالات كبيرة ورمزية لدى قراءة النتائج المحققة، على عملية اعادة تكوين السلطة وتوزع القوى، لا سيما وان الصناديق أفرزت قراءة جديدة في الاحجام والأوزان، ستؤدي الى اعادة نظر بفوائض القوة لدى البعض والحاجة الى عملية اعادة تموضع جديدة ومتواضعة ولا سيما على الساحة المسيحية، حيث حسمت أصوات المقترعين المسيحيين الجدل حول صحة التمثيل، ساحبة البساط من تحت المسيحيين الأقوياء، وواضعة ثقتها في حزب “#القوات اللبنانية” الذي كان الرابح الأكبر، حاصداً الكتلة النيابية الأكبر.




كان واضحاً من التصويت المسيحي الصرف ان الأصوات لم تقترع لنواب او لبرامج وإنما لمشروع يناهض المشروع القائم. غازلت “القوات اللبنانية” الوجدان المسيحي القلق على وجوده وعلى موقعه في السلطة، بعدما أظهرت ممارسات العهد القوي بكتلة نيابية ضخمة وتمثيل حكومي وازن وتحالف وثيق مع الحزب الحاكم، ضعفاً مسيحياً وعجزاً عن الإنجاز، وضعه القيمون على “التيار الوطني الحر” في خانة التنصل من المسؤولية ورمي كرتها في ملعب الآخرين. كان شعار “ما خلّونا” الحفرة التي وقع فيها التيار عندما قال الناخبون كلمتهم و”ما خلوهم” يسترجعوا حجمه التمثيلي السابق. على هذا الشعار، لعبت “القوات” لعبتها في طرح الشعار-التحدي “بدنا وفينا”، فاستقطبت المناصرين كما المترددين، محملة نفسها مسؤولية النجاح حيث فشل خصومها والانجاز لا سيما في الملفات التي تشكل تحديات اساسية في المرحلة المقبلة، سياسياً كما اقتصادياً ومالياً واجتماعياً.

كان واضحاً ايضاً ان التصويت للقوات اللبنانية لم يقتصر على الملتزمين والمناصرين، بل جاء على قاعدة التصويت المفيد والعقابي في آن. فالناخب المتردد لم يخف خشيته من ان يتشتت صوته في ظل اللوائح المتعددة للمجتمع المدني والحراك المدني، فآثر ان يكون هادفاً عبر منحه للحزب الذي رأ فيه رآس حربة في وجه مشروع تغيير وجه لبنان ومشروع السلاح، وهما عملياً الشعارين الاساسيين للقوات في وجه امتناع رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل عن الاعتراف بحكم الحزب او بقوة سلاحه في الداخل.

استفادت “القوات” ايضاً من التشرذم والوهن الذين أصابا التيار البرتقالي، وقد ظهر ذلك في خروج وجوه برتقالية من السباق الانتخابي، فيما تكشفت عملية توزيع الأصوات التفضيلية الرامية الى كسر وجوه اخرى، كما حصل في المتن مثلاً.

والسؤال اليوم، الفوز القواتي الكبير أين وكيف سيصرف على الساحة السياسية، وهل سينجح في تغيير المعادلة الداخلية في ظل الموقف الثابت لحزب الله بأن اياً تكن نتائج التصويت، فهي لن تغير الحقائق بأن البلد لا يحكم بالغلبة او التهميش او بأكثرية وأقلية.

الثابت ان الفوز الساحق للقوات اضافة الى قوى من المجتمع المدني او المعارضة قد أدى عملياً الى تغيير الاكثرية في المجلس التي لن تُحسم نهائياً قبل صدور النتائج الرسمية. صحيح ان التكتلات والتحالفات داخل المجلس الجديد ستكون على القطعة، كما ان المجلس سيتوزع كتلاً مختلفة ومتناقضة من المبكر بلورة التحالفات في ما بينها، لكن الاكيد ان كتلة القوات سيكون لها الكلمة الوازنة.

اول التحديات ستواجهه القوات في انتخاب رئيس المجلس في ظل رفضها التجديد للرئيس نبيه بري، وذهابها الى تكرار تجربة ٢٠١٨، بالتصويت بورقة بيضاء.

اما التحدي الثاني فيكمن في مستقبل العلاقة بين القوات والثنائي الشيعي بعدما كان بري مدور الزوايا.

قد لا تنجح القوات في جمع الاكثرية الى جانبها ولكنها حتماً ستكون قادرة على جمع ثلث معطل لأي من القرارات او السياسات التي سيسعى الحزب الى إرسائها أقله من داخل البرلمان.

كما سيكون للقوات كلمتها الفصل في الاستحقاق الاصعب والاكبر المتصل بانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية. هي احترمت والتزمت انتخاب عون رئيساً من منطلق تمثيله الاقوى داخل طائفته، وتحملت كل ممارسات العهد ضدها في انتظار ساعة الحقيقة التي دقت أمس في صناديق الاقتراع. أصبحت هي صاحبة التمثيل الاقوى داخل طائفتها، وفرضت على القوى الاخرى التعامل معها على هذا الأساس. هي اعادت التوازن الى البرلمان من خلال كسر احتكار التحالف الحاكم، ودخلت لاعباً اساسياً له كلمته في كل السياسات، وهي بالدعم المطلق الذي حظيت به من المملكة العربية السعودية، اعادت التوازن الى قواعد الاشتباك الإقليمي فسحبت حصرية الرعاية الإيرانية لفريق على حساب عزل الفريق الذي يدور في الفلك السعودي، ولا سيما مع انسحاب سعد الحريري من المشهد النيابي وربما السياسي.

ولعل الاهم ايضاً ان مرشح القوات في البترون اسقط زعامة الوريث الشرعي لرئيس الجمهورية في معقل داره بعدما أسقطته العقوبات الأميركية قبل أشهر في السباق الى بعبدا.

على اهمية هذه المعطيات التي يعٓول عليها لتغيير قواعد اللعبة، فهي تبقى رهن ما ستفرضه “الواقعية السياسية” التي سيحتكم اليها الفريق الخاسر في تجاوزه نتائج الصناديق!