برّي المطمئنّ لعودته: يهاجمونه قبل الانتخابات… فماذا يفعلون بعدها؟

سابين عويس – النهار

بانقضاء يوم الانتخاب الطويل أمس، يطوي لبنان صفحة الحملات والشعارات ليفتح صفحة العدّ والحساب وحصد نتائج ستكون الأولى من نوعها، من حيث التركيبة الجديدة للبرلمان وتوزع الكتل فيه من خارج الاصطفافات التقليدية المعتادة، مع دخول عامل جديد يمثله المجتمع المدني جنباً الى جنب ما بات يُعرف بقوى التغيير.




بعد سكرة الانتخابات، حلت فكرة الاستحقاقات الداهمة التي يُنتظر أن تنبثق عن نتائج الاستحقاق النيابي. فبعد أيام قليلة، وتحديداً في الواحد والعشرين من الشهر الجاري، تنتهي ولاية المجلس الحالي، وينتقل المنتخَبون الجدد الى ساحة النجمة لاختيار هيئة مكتب مجلس جديد للبرلمان ورئيس له، قبل أن ينطلق قطار الاستحقاق الثاني المتمثل بتشكيل حكومة جديدة مع دخول حكومة نجيب ميقاتي مرحلة تصريف الأعمال بفعل تحوّلها الى حكومة مستقيلة حكماً، وهذا الاستحقاق يبدأ من تسمية رئيس مكلف لهذه المهمة.

قبل الخامس عشر من أيار، صبّت كل الحملات والشعارات الانتخابية المعارضة للسلطة، بما فيها الاحزاب التقليدية وحتى للحليف المسيحي “التيار الوطني الحر” على استهداف رئيس المجلس النيابي #نبيه بري، بحيث شكل عنواناً للبرامج الانتخابية، وكان رفض إعادة انتخابه القاسم المشترك لدى كل طامح للوصول الى الندوة البرلمانية من خارج الثنائي وحلفائه التقليديين.

وبعد الخامس عشر من أيار، بات هذا المطلب تحدّياً لأصحابه ممّن فازوا بالانتخابات، وسط التساؤل: هل سيستمر هذا المطلب عنواناً أم أن مفاعيله انتهت بانتهاء اليوم الانتخابي الطويل؟

في الاوساط القريبة من رئيس المجلس، هذا الموضوع محسوم وغير مطروح انطلاقاً من معطيات عديدة يعوّل عليها بري للعودة الى ولاية هي السابعة له على رأس البرلمان اللبناني.

اول هذه المعطيات يقوم على يقين بأنه المرشح الاوحد للطائفة من ضمن المقاعد الـ27 لها داخل المجلس. وبما أن مؤشرات ثنائي “حزب الله”-“أمل” تؤكد حتى قبل انتهاء فرز الاصوات فوز مرشحيه بالمقاعد الـ27، ما يعطي هذا الثنائي الحق في اختيار ممثله لرئاسة المجلس المعقودة عرفاً للطائفة، فإن الرئاسة ستعقد للمرة السابعة لبري، ما لم يعزف هو عن الترشح. وهذا الامر غير مطروح لديه، أقله حتى الساعة.

ثاني المعطيات، يقوم على تأكيد الثنائي أن أي خرق محتمل، وإن باحتمالات ضعيفة جداً لأي مرشح شيعي من اللوائح المنافسة، لن يعطي أي حظوظ له حتى لو رشّحته اللائحة التي انبثق منها وحصل على دعم لوائح أخرى، ما دام لم يحظ بمباركة الثنائي، لأنه سيكون فاقداً للميثاقية الطائفية ومعزولاً عن بيئته.

وهذا يقود الى المعطى الثالث انطلاقاً من السؤال عن ميثاقية الطوائف الأخرى ولا سيما المسيحية في ظل الاعلان المباشر لكل من حزب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” و”الكتائب” وعدد غير قليل من المستقلين رفض التصويت لبري. وعلى هذا تجيب الاوساط القريبة من عين التينة بأن الرجل يحظى بالغطاء السني انطلاقاً من عدد لا بأس به من النواب السنة، حتى رغم مقاطعة سعد الحريري وتياره للانتخابات ترشحاً وانتخاباً، وخروجاً استطراداً من الندوة البرلمانية، إلا أن النواب السنة المنتخبين الجدد والذين يدورون في فلك الثنائي كنواب اللقاء التشاوري ومن سينضم إليهم، فضلاً عن أي نواب محتمل دخولهم المجلس ممن يحظون برعاية سعودية، لن يغردوا خارج سرب بري.

أما على الضفة المسيحية، فإن هذا الامر خاضع لما سينتهي إليه فرز الاصوات وحجم الكتل التي ستنبثق عنه وكيف ستتوزع نسب الربح والخسارة لكل من الطرفين الاقوى مسيحياً.

في الانتظار، لا ترى الاوساط أن الميثاقية المسيحية ستكون مشكلة لبري، خصوصاً أن هناك عدداً من النواب إما في كتلته أو مستقلين وهم قريبون منه، إضافة الى نواب كتلة المردة والقومي، سيشكلون رافعة مسيحية تكفيه، كما تقول الاوساط.

عند هذا الحدّ، يمكن العودة الى نتائج انتخابات 2018 التي حظي فيها بري بـ98 صوتاً، فيما صوّت نواب “القوات اللبنانية” بورقة بيضاء، وتشتتت أصوات “لبنان القوي” بين مؤيد وممتنع نتيجة قرار رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل ترك حرية التصويت والاختيار للنواب. وهذا شكل في حينها مخرجاً لعدم كسر قرار التيار بعدم التجديد لبري رداً على عدم انتخاب الاخير للعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية.

الظروف اليوم ربما تختلف الأمور أو يعيد التاريخ نفسه. ففي 2018، برر التيار خطوته بأن العهد لا يزال في بداية ولايته ولا يجب تعطيله. أما اليوم فالعهد بات في أشهره الاخيرة، فهل يخرج قراره عن قرار الحزب بالتجديد لبري أم يحتكم له كما هي العادة في القرارات الأساسية، فيتلافي الإحراج ويلجأ الى ترك حرية الاختيار لنوابه؟

في أوساط بري اقتناع تام بأن الحرب على الرجل تشن لا على أساس أداء أو برامج بل استفتاء مع أو ضد، علماً بأن بين المؤيدين لإعادة التجديد لبري من يؤمن بأنه يؤثر أن يكون بري رئيس المجلس وليس أي نائب آخر من الحزب، انطلاقاً من أن الرجل وحركته يؤمنان بنهائية الكيان اللبناني، وهو من الرعيل القادر على احتواء الازمات وتدوير الزوايا والحفاظ على التوازنات الداخلية، فيما البلاد تقدم على استحقاق تشكيل حكومة جديدة، يغيب عنها مكوّن سني أساسي يمثله الحريري، وقد أقصى نفسه عن المشهد النيابي، لكنه لم يخرج من المشهد السياسي، وصولاً الى الاستحقاق الرئاسي على مسافة أشهر قليلة منه.

في الخلاصة، قد يكون بري مرتاحاً الى عودته السابعة الى رئاسة المجلس، وهو ليس ولن يكون وحيداً في خوض هذا المسار مجدداً والى جانبه الحزب، ولكنه سيكون حتماً أمام تحدّي تغيير قواعد اللعبة في إدارة المجلس في ظل دخول لاعبين جدد لا شك في أنهم سيشكلون له أرقاً غير محسوب!