انتخابات النكايات لا تبني بلداً – نايلة تويني – النهار

محزنة أحوال ال#لبنانيين في الانتخابات التي أُجريت أمس. كأنهم لم يتعلموا من الماضي القريب أقله، اذا كانت ذاكرتهم لا تسعفهم، لكثرة الهموم، من تذكّر الماضي الأبعد للاستفادة من أحداثه، وأخذ العِبر الضرورية منها.

لم ينظر الناخبون الى أفكارٍ ومشاريع وطروحات، ولم يحاسبوا أحداً من الذين وعدوا ولم يفوا، ولم يسألوهم عن السبب، ولم يسائلوهم، ولم يحاسبوهم في صناديق الاقتراع، بل على العكس، توجهوا قطعانا انطلاقا من عصبيات طائفية ومذهبية وحزبية ضيقة.




لكن الأسى البالغ يبلغ أقصاه عندما تُحرّك الناخبين الغريزة، والكراهية، والحقد، وتحكم الاقتراع النكايات. فما شاهدناه في الايام الاخيرة من تفجير للحقد، ونبش القبور، واثارة الفتن، بين الجهات المتصارعة، يشكل سببا واضحا للمحاكمة، وللمحاسبة، لانه اثارة للفتن وتحريض على الكراهية والقتل. الحلفاء والأصدقاء والزملاء، والذين كانوا الى الأمس القريب معاً، وغداً ربما يعودون، استعملوا كل أدوات الحرب البغيضة، وأخرجوا من حقائبهم عدّة الحرب والانتخابات. التّهم المتبادلة تحتاج الى قرائن واثباتات تقدَّم الى القضاء، وإلا تكون التّهم مجرد دعاية انتخابية مغرضة وتشكك في صدق اصحابها والقائلين بها.

أما الدوافع الى الاقتراع فكانت في طليعتها النكايات. “العونيون” يتحركون لإسقاط مرشحي “القوات”، والعكس صحيح ايضا. والعونيون يريدون اسقاط ايلي الفرزلي وشامل روكز وغيرهما، و”القواتيون” يسعون الى إضعاف مرشحي الكتائب، بعد جبران باسيل بالطبع. والثنائي الشيعي يتصدى لمرشحي “القوات” في الصف الاول، وإن بنسب مختلفة، لان اندفاع الرئيس نبيه بري في الامر لا يجاري “حزب الله” تماما، لكنهما يتفقان على “قمع” كل صوت شيعي معارض منعاً لاختراق قد يتوسع مداه مع الوقت. يقول احد “المستقبليين” من المشاركين في الاقتراع، دون التزام قرار المقاطعة، انه سينتخب مرشحا لا يؤيده، فقط لحرمان “العوني” الصوتَ التفضيلي. وبعض “المستقبليين” يشاركون انتقاما من الرئيس فؤاد السنيورة وعدد من حلفاء الأمس.

هذا بعض من المشهد الانتخابي الذي لا يبشّر بخير عميم، لان سياسة النكايات لا تبني وطناً، ولا تؤسس لمستقبل آمن. والنكاية نوع من التصدي والدفاع عن النفس في مواجهة الآخر، الخصم، ظاهراً أو خفياً. وقد ينجح اعتمادها لدى افراد، اذ تقتصر خسائرها على المعنيين بها، أما عندما تتحول شأناً على مستوى وطني، فان تداعياتها تصيب بلداً بمن حوى، بما يعني تعميم الخسائر وتدمير المجتمع وزعزعة الاوطان. وهذا ما نشاهد فصولا منه عندنا.